قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يرتبط مصطلح "الأنا" بمصطلح "الشخصية" ارتباطاً وثيقاً، حيث إنهما يُشكّلان وجهين لعملة واحدة. فإذا كانت الأنا هي ثمرة الذات الناضجة، فإن الشخصية هي القشرة التي تُغلّفها؛ لذلك كان الفصل بين كلا المصطلحين صعباً ومعقَّداً. يعود تاريخ مصطلح "شخصية" أو "كاركتر" إلى المسرح الروماني القديم، حيث كان الممثل المسرحي المرتدي للقناع يقف ويقوم بأداء دور معيّن. واللافت في الأمر طبعاً هو وجه هذا المسرحي الجامد أثناء أدائه للكثير من الأدوار المحزنة والغاضبة والمفرحة والمضحكة، والتي تحتاج في مجملها إلى تعابير وجه تصادق على حقيقتها. الأمر الذي لم يكن متوفراً من خلال الوجه المقنَّع الذي لا يُعبّر عن جميع الأصوات التي كانت تصدر من خلفه. لذلك كان انتقاء مصطلح "الشخصية" من قبل علماء النفس، لوصف الشخوص المزيَّفة، دقيقاً للغاية. فالشخصية المزيَّفة هي عبارة عن قشرة رقيقة إضافية مصطنعة تغلّف الأنا وتمنع عنها الظروف الخارجية، وبالتالي فإنها تعزلها وتعيق نموَّها. والأنا المحاطة بالشخصية المرضية هي أنا ضعيفة وواهنة وهشَّة. ثمَّة العديد من الشخصيات السيكوباتية في قواميس علم النفس العلاجي، والتي تشوّه
الأنا وتقهرها كالشخصية السادية، والشخصية الوسواسية، والشخصية القهرية، وغيرها الكثير. وبالنسبة إلى موضوعنا، موضوع الأنا، فإنَّ الفضل الكبير يعود لـ"آنا فرويد" (ابنة سيغموند فرويد) في تطوير مفهوم الأنا والشخصية وجعل موضوع الأنا محور البحث النفسي، وذلك بعد إزاحتها لموضوع اللاشعور الذي كان مسيطراً على البحث النفسي ووضع موضوع الأنا بديلاً عنه. وقد تمَّت تسمية هذا الفرع الجديد بـ"علم نفس الأنا"، ومن أهم روَّاده آنا فرويد، إيريك ايركسون، وغيرهما. إنَّ مدرسة علم نفس الأنا، بإيجاز، هي إحدى مدارس التحليل النفسي، ويسمّيها البعض بـ"المدرسة الأميركية". إلى ذلك تُعتبر فكرة استمرارية نموّ الشخصية مدى الحياة (أي فكرة الذات المتبدّلة والمتغيّرة) من أبرز ركائز هذه المدرسة، حيث إنَّ كلّ من التوافق والكفاءة والهوية والحميمية والاكتمال وبقية دوافع الأنا أساسيات لا تقلّ أهمية عن الدوافع الليبيدية، وجميع الظروف التي تقصف الأنا باستمرار، الداخلية منها والخارجية، تؤثّر في تطوّر الأنا العادية أو المرضية، وهذا الفرز الأخير (ما هو سوي وما هو مرضي) يتمّ من خلال كيفية إدارة الأنا للدوافع الليبيدية والعدوانية وإمكانية تكييفها مع الواقع، أي في خلق التوازن بين كليهما. أضف إلى ذلك اعتماد هذه المدرسة على نظرية فرويد التركيبية في العقل كأرضية
وكمنطلق، وعلى نماذجها الثلاث: الهو والأنا والأنا العليا (أو الأعلى). حيث تُعتبَر الأنا - الشخصية خلالها نتيجة للتوازن بين كفَّتَيْ ميزان الذات. وكفَّتا هذا الميزان هما الرغبات والغرائز (الأنا الأدنى) والأخلاق والضمير (الأنا الأعلى). وبالطبع هذه المصطلحات أو التقسيمات ليست مناطق تشريحية بحتة أو مواقع طبوغرافية، بل هي أقرب ما يكون إلى التقسيمات التوضيحية. حتى أن سيغموند فرويد لـم يجازف في اعتبارها مراكز عصبية، لذلك بقيت كمصطلحات صورية مثلها مثل الكثير من المصطلحات المستخدمة في حقل علم النفس، كمصطلح "الأنا العاطفي" للإشارة إلى مجموعة المشاعر العاطفية، و"الأنا العقلاني" للإشارة إلى الميول والتوجُّهات المتعقّلة، أو استخدامنا لمصطلح "الأنا الحشوي" للدلالة على متطلّبات العضوية بمعزل عن الوعي.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.