قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بقلم الزبير مهداد


اعتمدت كثير من الأعمال الأدبية المصرية على التاريخ، فاقتبست منه حكاياتها، وشخصياتها، وأحداثها، وشكلت من كل ذلك مادة اعتمدتها في بناء سردها، بعد تطعيمه بالخيال.
والتاريخ المعاصر لمصر، طبعته حركة يوليو 1952، بقوتها وأثرها في تحديد مصير البلد والمجتمع المصري، ودورها في تغيير مسار التاريخ المصري الحديث، والتحول من النظام السياسي الملكي إلى العسكري. ومن الطبيعي أن تتأثر الأعمال الأدبية المصرية الحديثة بهذا الحدث. فوثقته، وأرخته، وحللته، وشرحته، وساءلته. بشكل صريح مباشر أحيانا، أو بشكل مجازي رمزي أحيانا أخرى.
أكثر الأعمال الأدبية وأقواها تلك التي تناولت الحدث من زاوية تأثيره على مصائر الناس، وتفاعلاتهم، ولعل أحدثها هو رواية (أوراق ميت) التي كتبها الروائي ممدوح عبد الستار، وصدرت في دبي عن مؤسسة مداد للنشر والتوزيع عام 2017، وحرص فيها على التأريخ للحركة من خلال تأريخه للحياة الاجتماعية لقرية الدلجمون التي تقع في محافظة الغربية شمال الريف المصري. وهذا التأريخ سيكون من خلال تتبع الحياة اليومية لأسرة عبد الواحد التي انقلبت أحوالها رأسا على عقب نتيجة حركة يوليو وما نتج عنها.
أوراق ميت
من خلال أسرة عبد الواحد، يرصد المؤلف مرحلة هامة من تاريخ مصر منذ الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة الضباط الأحرار، بقيادة محمد نجيب، ثم انقلاب عبد الناصر على محمد نجيب واستيلائه على السلطة، وانتهاء بنكسة 1967.
فمن خلال الأحداث اليومية التي عاشتها قرية الدلجمون، يتابع القارئ تاريخ مصر في فترة دقيقة طبعتها الصراعات الداخلية بين القوى التي تحكمها، والصراعات الخارجية مع إسرائيل، وعمليات التدخل في اليمن. وتأثير ذلك على التفاعلات الاجتماعية للمواطن المصري، وصراعات الأجيال، جيل الملكية ممثلا في الأب عبد الواحد، صاحب سيارات النقل وتاجر العلف، وجيل الجمهورية أو الثورة ممثلا في ابنه الوحيد صبحي. الذي أتيحت له فرصة التعليم، دون أن يكمله، وانخراطه في سلك الوظيفة العمومية موظفا بسيطا، ثم تطوعه بالجيش، اقتناعا منه بأهمية الثورة وضرورة مناصرتها. فالأب الملكي والابن الجمهوري، سيكون عليهما التعايش بعاداتهما وسلوكهما الشخصي المتناقض تحت سقف واحد، في ظل الصراع الفكري بين قناعاتهما السياسية، مع الخضوع معا للقرارات الحكومية الفوقية، والتفاعل معها، كل من زاوية فهمه واستيعابه وظروفه.
واتكاء الرواية على التاريخ المعاصر لمصر، لا يعني أنها سرد كرونولوجي للأحداث، فالسرد التاريخي الروائي، لا علاقة له بالكتابة التاريخية التي هي عمل المؤرخ، ولكنها قد تفيد القارئ في الكشف عن الجوانب الهامة التي يغفلها التأريخ الرسمي.
واختيار القرية فضاء مكانيا للسرد، كان موفقا إلى حد بعيد، فالقرية المحدودة سكانيا ومجاليا تضم الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، والمتعلمين والأميين، والبسطاء من مزارعين وتجار صغار، وممثلي السلطة، والمنتخبين، ما يجعلها مجتمعا مثاليا لرصد آثار الثورة وتفاعلات الناس معها، والتغيير الحاصل فيها، وتتبعه لحظة بلحظة. والأهم من ذلك أن القرية المصرية هي التي تدفع ثمن التغيرات، في كل جوانب الحياة، وهي مرآة القيم الاجتماعية، ومرصد التنمية والتخلف والفساد والحكامة.
فأثر الثورة محكوم بتعاطي المواطن معها، وهذا التعاطي يخضع لشروط انتشار التعليم، ومستوى الوعي، والتأطير السياسي، وتمتعه بالحرية والكرامة، وفي غياب هذه الشروط، يحل "القطيع" محل "الشعب"، وهو ما تلخصه بذكاء هذه الفقرة: (لم يتمالك الناس وصعدوا المنبر.. وحملوا شيخهم الجليل ونتشوا الجريدة التي معه، ويقبلون صورة محمد نجيب.
- ادعوا معي يا غنم .. اللهم بارك له.
- .. آمين.
- وأيده برسل من عندك.
- آمين.
وكان محمد نجيب عَشاءَهم، وعِشاءَهم، يناجون صورته الصامتة.) (ص47)
الأحداث التي تدور في القرية والسجن الحربي، تعكس بوضوح رخص قيمة المواطن، والمهانة التي يتعرض لها، ولا فرق في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي في مواجهة الكوارث التي تحل بهم، (كانت المدينة كتلة من خشوع ووجع، حتى القسيس بملابسه السوداء وصليبه يردد ما يردده الناس. لم يتعجب أحد منه، أو استفسر عن وجوده بينهم. على ضوء الكلوبات وليلا صلى الجميع على الجميع، حتى على اليهودي الوحيد الذي ظل باقيا بالمدينة. وحين اندمل الجرح قليلا؛ تساءلوا فيما بينهم: "كيف صلينا على اليهود والمسيحيين"؟ وكان نفس السؤال يتردد في الكنيسة الوحيدة بالمدينة، ولم يدركوا أن الجميع دفنوا بمقابر واحدة.) (ص51).
مشاهد كثيرة تطبع السرد وتحرك عواطف القارئ ومشاعره.
إن الثورة لم تكن في مستوى الآمال التي علقها عليها المواطن المصري، لأنها صنعت كثيرا من الأوهام، ونشرت الأكاذيب، يتأكد ذلك من الهواجس الكثيرة التي بسطتها الرواية، كهاجس الحريات، والعدالة الاجتماعية، وتفشي الفساد والانتهازية، وغياب الرقابة والحكامة والقانون. هي أمور سيصطدم معها الأب الملكي المحافظ والابن الجمهوري الثوري.
فالأب ظل دائم الحنين للملكية، ينظر إلى عبد الناصر على أنه سبب الكوارث التي حلت بتجارته وقريته، والابن صبحي المتحمس للثورة، على الرغم من انتصاره لعبد الناصر، فقد ظل يتساءل في استغراب كيف أمكن للبكباشي عبد الناصر أن ينقلب على اللواء محمد نجيب ويسجنه. وفي ذلك إحباط لحلمهم، فنجيب ابن قريتهم، (كان عزل محمد نجيب مساءلة شخصية جدا تخص الجميع. هو ابن تلك البلاد، وظهوره في الصورة يعني بالضرورة ظهورهم. وعزله إقصاء لهم، وإعلان مباشر لهم بالتخلي عن الحلم) (ص54) وحتى بهية الأمية البسيطة التي هللت لانقلاب الضباط الأحرار على الملك، عادت لتردد في النهاية بصراحة (ولا يوم من أيام الملك) بعد انكشاف الحقائق أمامها، وخيبة ظنها في الثورة.
صبحي نفسه، المناصر للثورة، سيكون شاهدا على الفساد، بعد انخراطه في منظمة الشباب الاشتراكي على مستوى قريته، وتكليفه بإنجاز تقارير تركيبية، تجمع وتلخص مؤشرات الوضع الاجتماعي من خلال توثيق (ما تقوله الجماهير عن المعركة، وسلع التموين، والشائعات، والنكات التي يطلقها الناس) (ص138)
الرواية تنشغل بأسئلة الاستبداد الثوري، وتعرض للتأمل ملامح الديكتاتوريات في الرشوة والفساد والانتهازية، والاستقواء بالنفوذ والقرابة والقبلية والعلاقات الخاصة. وهي أمور تضرب العدالة والاجتماعية وتنسف القوانين، وتعظم مخاطر السلطة، وهذه التساؤلات التي تتوخى نقد الممارسات القمعية بشكل واضح جلي، وإن كانت مباشرة فإنها تخلو من النمطية.
تناول الروائي القمع من خلال العلاقات الأسرية الوالدية، ومن خلال حياة السجن، والخدمة العسكرية، وفيها تمثيل الاضطهاد الإنساني والاستغلال الاقتصادي بل والجنسي أيضا. من خلال عدة مشاهد تسمح للقارئ بالتوغل في أجواء القمع وآلته المدمرة للكيان الإنساني جسما وروحا.
[email protected]