صالح الدمس بحسب محبي قصصه القصيرة هو الوريث الشرعي لكل من علي الدوعاجي ومحمد العريبي، مؤسسي الحداثة في الأدب التونسي في الثلاثينات من القرن الماضي. ومثلهما هو اجترح من حياته المعذبة والشقية قصصه ونصوصه التي تروي حياة المهمشين، والفقراء والمنسيين الذين تقاسم معهم الحلو والمر خصوصا في سنوات طفولته ومراهقته حيث كان عليه أن يعيش الحرمان يوميا. وبسبب الفقر، ترك الدراسة قبل نيل شهادة الباكلوريا ليعمل في البريد حتى تقاعده قبل سبع سنوات. وهو يفضل أن يعيش بعيدا عن الأوساط الثقافية، مكتفيا بعامله الخاص في بلدة منزل عبد الرحمان، قرب مدينة بنزرت التي هي الفضاء الأكثر حضورا في جل قصصه ونصوصه...
سألت صالح الدمس عن قراءاته في زمن عزلة الكورونا، فأجابني:
فعلا أتممت هذه الأيام قراءة كتابين عن تاريخ تونس، الأوّل بعنوان ( وصف الأيالة التونسيّة ) لمؤلّفه قنصل فرنسا بالجزائر و الذي قام بمسح كامل لتراب تونس في النصف الاوّل من القرن العشرين مباشرة بعد احتلال فرنسا للجزائر ، وخلاصة الكتاب هو تمهيد لانتصاب الحماية ببلادنا ، فهو يصف بدقّة متناهية كلّ مظاهر الطبيعة و الحياة الإجتماعيّة ، بل و حتّى احصائيات المنازل و عدد السكّان بكلّ القرى و المدن التي زارها طولا و عرضا ، و هذا أمر ليس بالغريب عن الدول الغربيّة التي انتبهت إلى هذه القارة العذراء و الزّاخرة بالخيرات ، و التي آل بها الأمر بعد ذلك الى وجودها لقمة سائغة بين فكّي الدول الغربيّة ، و مما يلفت الانتباه أنّ سفراء وميعوثين كانوا يخدمون بلدانهم و يتجسّسون على أوطاننا تحت عباءة البعثات الديبلوماسيّة ، و ذلك بمدّ سلطاتهم بكل المعلومات الضروريّة وحتى التافهة منها، حتى أنّهم حين انزلوا قواتهم و اغتصبوا هذه البلدان لم يجدوا صعوبة في التنقّل و الوصول إلى أهدافهم مستعينين بما وفّره لهم القناصلة من أسرار و خرائط و بيانات لم يكن التونسيون أنفسهم يعرفونها ، وهؤلاء القناصلة الذين لا يمكن مقارنتهم ، و حتى الآن ، بممثلينا في الدول الغربيّة الذين لم يجتهدوا يوما في التعريف ببلادنا و ثقافتها ، و إنّه لأمر مؤسف أن يؤرّخ لبلادنا غرباء عن وطننا و أن تكون لديهم معرفة و أن يمتلكوا الاطلاع أكثر منّا ...
ويضيف صالح الدمس قائلا بأن الكتاب الثاني وهو بقلم فرنسي أيضا وهو بعنوان ( الحوليات التونسيّة ) وهو عبارة عن سرد تاريخي متسلسل لانتقال الحكم من داي إلى آخر و من باي إلى خلفه. و يصف الكتاب بإسهاب طرق عيش هؤلاء الحكّام الغارقين في الملذّات و العاكفين على جمع الأموال و تكديسها في قصورهم ، و أطنب في ذكر الخلافات العائليّة عند حدوث شغور في السلطة ، و ما يتلو ذلك من فوضى و عصيان مدني و جوع و مجاعة ، و لم تكن تشغلهم ألا مصالحهم الحينيّة و ما سيورّثونه لأبنائهم الذين في كثيرا بينهم شبّت الفتن ، ويرى صالح الدمس أن أنّ مثل هذين الكتابين لا بدّ أن يجدا مكانهما في كلّ مكتبات الطبقة المثقّفة سواء من الجامعيين أو الأدباء أو رجال التعليم ...
إلى جانب هذين الكتابين قرأ صالح الدمس في عزلة الكورونا ثلاث مسرحيّات من أشهر مسرح الأطفال الروسي ، وأيضا ثلاث مسرحيات مترجمة من الفرنسيّة لياسمينا رضا... ويعتقد صالح الدمس أن الفائدة الحاصلة من كلّ الكتب ، و قراءة التاريخ مثرية لمخيّلة المبدع ، قاصا كان أم روائيا أو شاعرا ، مذكرا أن أوّل كتاب لنجيب محفوظ كان حول تاريخ مصر، و أنّ جرجي زيدان نهل من معين التاريخ بفيض كبير من الأحداث ، صاغها في تلك الروايات الشائقة التي تربّتْ عليها عليها أجيال أجيال سابقة و لاحقة أن بقي من يطالع ، و لأنّه ليس استثناء فلا بدّ إذا أن تؤثّر فيه مثل هذه الكتب و تثري خياله لأنّ فيها من الأخبار ما لا يجل بخيال
قلت لصالح الدمس: ألا ترى أن أغلب الكتاب التونسيين يفتقرون إلى إلمام عميق و حقيقي بالتاريخ التونسي ....فأجابني قائلا :
الفقر المعرفي لتاريخ تونس يعود أساسا إلى مناهج التعليم بكلّ مراحله ، هذا التعليم الذي اندحر إلى أدنى درجات العلم و البحث و المعرفة ، الكتب المدرسيّة تفتقر إلى النصوص الجيّدة لتاريخ تونس ، والكتب الهامّة ، على قلّتها ، غير متوفّرة في أغلب الأحيان بل و مفقودة ، و لا يلجأ إليها ، أن وجدت ، إلا الباحث المختص من أجل إعداد فرض ما ، فإن زالت الحاجة إلى ذلك فلا قرى و لا نحن علمنا ، حتّى لكـأنّ تاريخ تونس بما فيه القريب ليس هاما بل و لا يعنينا ، و حين يتربّى التلميذ أو الطالب على هذه النقيصة المرضيّة فأنّى له أن يجد ركائز صحيحة تنبّهه من الزلّات الماضية و تنير أمامه دروب المستقبل ، و التاريخ كما قال العلّامة ابن خلدون في ظاهره لا يزيد على الإخبار و لكن في باطنه نظر و تحقيق ، و هذا لا ينطبق على المفكّرين و الأدباء فقط بل عل رجال السياسة أيضا . وهنا يجدر بي أن أذكر مثلين ، الأوّل حين دعا بورقيبة في خطابه الشهير بأريحا إلى القبول بقرار الأمم المتّحدة بتقسيم فلسطين سنة 1948 في ذلك الوقت كان نصيب الفلسطينيين يفوق السبعين بالمائة، ولكن تمّ شتمه و ذمّه و نعت بالخيانة و العمالة ، ماذا كسب الفلسطينيون ، بل الأصح كم خسروا ، المثل الثاني هو لو أنّ صدّام حسين لم يقع في فخّ غزو الكويت لما آل إليه أمر العراق من خراب و لما كانت نهاية ذلك القائد بتلك الشاكلة ، بورقيبة قرأ تاريخ القرن العشرين و فهم معنى قرارات أمميّة ، و صدّام لم يتّعظ بما حدث لألمانيا حين غزت بولونيا إلى أن آل الأمر بها إلى التركيع ثم التقسيم
على أنّ كلّ ذلك لا يمكن أن ينسينا بعض الاشراقات في الأدب التونسي و التي كان التاريخ هو الملهم و بلغت شأوا كبيرا سوى في رواجها أو تميّزها : البشير خريف ، خاصة برق الليل ، و حسنين بن عمّو في كتبه جمعاء
وعن الفوضى السياسية التي تعيشها تونس فوضى منذ أزيد من عقد، وكيف انعكست هذه الفوضى على الحياة الثقافيّة و ما هي تداعياتها ، يقول صالح الدمس:
في البدء لا بدّ من مقارنة بين ما حدث في تونس و ما وقع في الجزائر ، ففي الجزائر انتصر ت جبهة الانقاذ الإسلامية لكن السلطة القائمة رفضت نتائج الإنتخابات فدخلت البلاد في حرب أهليّة حقيقيّة كلّنا على علم بما حدث اثناءها من مجازر واعتداءات و تطرّف لم تعرفه الشقيقة الجزائر على مدى تاريخها ، هذه الحرب دامت عشر سنوات متتالية و مازالت فلول أنصار جبهة الإنقاذ إلى الآن تهدد استقرار البلاد ، نحن في تونس قبلنا بنتائج الإنتخابات و ما أفرزته ، و في الحالتين كليهما حضر عقاب المنتخبين ، في الجزائر عقاب جبهة التحرير ، و في تونس كلّ الأحزاب الوسطيّة و اليمينيّة و اليساريّة ، عقاب شامل ، أتي بجبهة الإنقاذ إلى الجزائر ، و بالنهضة إلى تونس ، و رغم أنّنا لم نشهد مصائب بالحجم الذي كابدته الجزائر ، و لكنّنا سنعاني كثيرا قبل أن يعي الشعب بخطورة هؤلاء الحكّام الجدد، و نتيجة هذه الأميّة السياسيّة لسادة السلطة اليوم خسرنا كثيرا و في كلّ مجالات الحياة ، إلّا أنّ الكارثة الكبرى صبّت على الثقافة التي تدهورت ميزانية وزارتها إلى صفر فاصل خمسة و سبعين ، أقل بكثير من ميزانية الشؤون الدينيّة ، و تراجعت نتيجة لذلك كميّة طباعة الكتب من ثلاثة آلاف في الثمانينات إلى خمس مائة أو سبع مائة نسخة في هذا الوقت ، لأن الذين تداولوا على السلطة بكلّ تفرّعاتها بدء من رئيس الجمهوريّة إلى أدنى درجات السلّم الإداري لم تع أن الثّقافة هي اللّقاح الضروريّ و الأساسي للشّعوب ، وقد قالها بورقيبة منذ بداية الإستقلال إذ أنه قال بإنه لا يريد أن يحكم شعبا جاهلا لذلك راهن على التعليم الرّاقي الذي أنتج عديد الأصوات في كل مجالات المعرفة و الثقافة و الفكر و الإبداع ، و لكن الآن المعادلة انقلبت ، فأنا أذكر أن مكتبتنا العموميّة في بداية الثمانينات كان بها أكثر من ألف مشترك ، و القرية آنذاك تعدّ أقل من عشرة آلاف ساكن ، الآن شارفت على العشرين ألف و بالمكتبة خمسة مشتركين فقط ، أين كنّا و أين أصبحنا، بل لا حظ يا أخي هل رأيت مسافرا في قطار أو حافلة أو غيرهما من وسائل النقل الجماعي يقرأ كتابا ، بل صار الذي يفعل ذلك هو المستفزّ و ينظر إليه باشمئزاز لكأنّه نزل من كوكب آخر ، أين هو المسرح الوطني ، اين مسرح الهواة ، أين هي اللقاءات الأدبيّة ، لا شيء سوى ما يكابده المبدع في عزلته مع قلمه و ريشته و وتره
سألت صالح الدمس: كيف تفسّر انغلاق الجامعة التونسيّة على الأدب التونسي ، و ما تأثير ذلك على الأجيال الصاعدة
فأجاب: المشهد ليس بهذا الحجم من القتامة ، هنالك بعض الأساتذة الجامعيين الذين خدموا الأدب التونسي لعقود طويلة ، و واكبوا التيّارات الفكريّة و الابداعية و واكبوا كلّ ذلك بالتمحيص و النقد و التعريف إ لاّ أني أكون من رأيك حين نقارن عدد الذين نعرفهم بعدد أساتذة الجامعات فإنّ الأمر يدعو للريبة فعلا ، إذ ما المانع في تدريس نخبة من انتاجات الكتاب التونسيين خاصة و أنّ الكثيرين منهم برهنوا عن قامة ابداعيّة عالية تنافس و تتفوّق على كثير من أدباء المشرق و المغرب ، و هذا أيضا يعود إلى السياسة التربويّة و التعليميّة في تونس و التي تتعمّد إقصاء مبدعيها
وكان سؤالي الأخير لصالح الدمس هو التالي: جرّبت الرواية و لكن سرعان ما عدت إلى القصّة ، هل من تفسير لذلك
فأجاب: إنّ افتناني في يفاعتي كان بالقصّة القصيرة ، قد يعود ذلك إلى طبيعتي المرحة و مزاجي الفكاهي الذي وهبته و ذلك بأن أسرد الحكاية في بضعة دقائق أو الطرفة في بعض ثوان ، و أودّ الاعتراف أنّ كتاب القصة التونسيين هم الأكثر تأثيرا فيّ ، و قارنتهم بعد ذلك بتأثير من كتاب هذه النمط فوجدت أنّ الأوّلين أقرب إلى نفسي و أنّي تعلّقت بهم أكثر ، أمّا الرواية فهي مغامرة قمت بها في ثلاث مناسبات ، و لكنّ الكتب الثلاثة لم تجد الصدي الذي وجدته قصصي ، و الدراسات التي تناولت قصصي أكثر بكثير مما جلب انتباه النقاد إلى رواياتي الثلاث ، أعتقد أنّ بيتي الأثير هو القصّة القصيرة ، و أجزم أنّ كتابة هذا النوع من الأدب ليس سهلا و لا متاحا لكلّ الكتّاب ، و لا يغرّنّك قصر النص ، فالإبداع لا يقاس لا بالطّول و زخرفة ، و لكن بالإمتاع، قد أعود مرّة أخرى للرّواية و لكنّي الآن كل تركيزي على مجموعتي القصصيّة القادمة و التي اختمرت في ذهني بما يكفي لكي أسكب كلماتها على الورق









التعليقات