قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تقديم - إيمان البستاني


(جَين ديولافوا) هي زوجة مهندس شغوف بعلم الآثار فرنسي اسمه ( مارسيل ديولافوا) له بحوث وتحقيقات قيّمة في فن العمارة والريازة في الحضارات الشرقية المختلفة، التقيا وتزوجا عام ١٨٧٠، (جين) من عائلة غنيّة أدخلها أهلها دير راهبات تلقّت فيه تعليماً يناسب مستوى طبقتها الإجتماعية، وتعلّمت عدّة لغات ومهرت في الرّسم والتّصوير، بعدها بتسعة اعوام (وكانت في الثّامنة والعشرين من عمرها آنذاك) صاحبت زوجها إلى بلاد الفرس (إيران الحالية) في رحلة كان الهدف منها دراسة معرفة هل كان للحضارة الساسانية تأثير على الفن الأسلامي أم لا ؟ حتى فتح الله عليه الجواب نهاية رحلته واطمأن له، بعدها زاروا العراق لمدة شهرين عام ١٨٨١ وسنحكي هنا عن وصف للمدن التي مروا بها على لسان (جين) التي وثقت رحلتها على شكل يوميات، وكما واضح من صورتها شخصيتها الفريدة حيث كانت ترتدي ملابس الرجال وتمتطي الخيل وتستخدم الاسلحة النارية ببراعة وقد قامت بقص شعرها رغبة منها بالظهور كهيئة رجل من جهة وهذا ما يناسب اطباعها ولمنع القمل والبراغيث التي تصيب كل الرحالة والآثاريين لطول اقامتهم في العراء والخيام اياماً طويلة دون اغتسال
جميع صور كتابها (رحلة بلد فارس والكلدان وبلاد شوش او سوسة) الضخم المكتوب باللغة الفرنسية ذو ( ٧٦٠) صفحة فيه اكثر من ( ٣٠٠) صورة كانت قد التقطتها بنفسها حيث تم تأجير(٢٥) عاملاً لحفر الصور على الخشب ليجري بعدها طباعتها وكانت الرحلة قد كلفتهم مبالغ طائلة من حيث الترحال والاقامة وأجور الحراس المرافقين وتهيأة الصور الوثائقية

البصرة بندقية الشرق
وصلت (جَين ديولافوا) بصحبة زوجها إلى البصرة قادمين من المحمرة بعد ان نزلوا عند أميرها الشيخ (مزعل الكعبي) اياماَ وأستأنسوا بكرم ضيافته العربية، من المحمرة للبصرة استغرقت رحلتهم (٨) ساعات بالقوارب والطريق غير محفوف بالمخاطر وليس شاقاً
على الساحل العراقي وجدوا (الكرنتينة) مستشفى للعزل يودع فيها القادم للبلد (١٠) أيام اجراء يقوم به الموظفون الأتراك لمنع انتقال وباء الطاعون، والكرنتينة عبارة عن عدة اكواخ من الحصير أقيمت فوق ارض رطبة، الطعام رديء والماء عكر، يقول الموظفون الأتراك إن إيران مصدر الأوبئة التي ينقلها زوار العتبات المقدسة لكربلاء والنجف وبعضاً منهم يموتون هنا قبل ان يعودون الى موطنهم، كان وبائي الطاعون والكوليرا (ابو زوعة) يفدان من الهند ايضاً
قررت (جين) وزوجها الهرب من (الكرنتينة) لرداءة الوضع واختفيا تحت البضائع المكدسّة في الزورق التجاري بين أطباق التمر وأقفاص السمك، كان منظر البصرة وهم يدخلوها ساحراً بمناظر فاتنة من نخيل سامق وحقول زاهية وقطعان الجاموس اللامعة جلودها، ملاحين الزورق قالوا لهم إن هرّبوهم من الكرنتينة لن يطاوعهم ضميرهم ان يّهربوهم من ادارة الكمارك ايضاً ، ذهب الملاحون ليستدعوا رجال الكمارك وعادوا ومعهم (١٠) موظفي كمارك غلاظ بدأوا التفتيش بحجة أنهم يبحثون عن أسلحة مهربة
تقول (جين) لم اضبط اعصابي امام نبشهم لأمتعة سفرنا، سمعتهم يقولون إنهم سيعيدوننا الى الكرنتينة، عندها تغير اسلوبي معهم وبدأت اساعدهم بفك اربطة الأمتعة واعطيتهم (بقشيش) كما أخذوا قنينة خاصة بغسل افلام التصوير اهديتها لهم خلاف عادتي، بينما رفع أخر صابون غسل الايدي وبدأ يتشممه ويذوقه بلسانه ليعلن اخيراَ بأنه طيلة حياته لم يذق حلويات لذيذة كهذه ! والثالث كان أذكى من الأخرين فقد أخذ يجرب لبس زوج من الاحذية النسائية ولما لم يوفق لصغرها تركها جانبا واخذ يبحث عن شيء مناسب أخر، والرابع تقدم مني وسألني ان اهديه اقلام التلوين ودهان التصوير، على كل حال تم أرضاء موظفي الكمارك لندخل بعدها مدينة البصرة غير مصدقين
تكمل (جين) يومياتها المؤرخة ٣ سبتمبر عام ١٨٨١م : توقف بلمنا أمام الضّفة وبعد أن عبرنا ساحة في وسطها بناء مسقّف حُفظت فيه كميات هائلة من الحبوب يدور حولها حرّاس في أيديهم فوانيس، دقّ دليلنا على باب القنصلية الفرنسية قبل أن تشرق الشّمس وبعد وصولنا أبدلت ملابسي الّتي كان قد بللها الندى كما لو كنت قد سبحت في مياه العشّار
الواقع ان البصرة مدينة غريبة ! إنها تريك مشاهد مختلفة في اليوم الواحد، في حالة المّد عندما ترتفع المياه وتغطي الساحل يخّيل الى المرء أنه في الجنة الموعودة ! وعندما تهبط المياه وقت الجزر وترجع الى ادنى مستوى فيتصور أنه قد ترك الجنة و وقع في غدران نتنة ! حيث نخوض في سواقي المياه القذرة ! عندما خرجت هذا المساء كان الماء قد انسحب من القنوات مُظهراً طّيناً نتن السّواد وقاذورات من كلّ الأنواع وكانت القوارب وسط هذه الزّبالة تبدو وكأنّها حطام مراكب، بينما فاحت الرّوائح الكريهة وجعلنا كلّ هذا ننسى ما كنّا قد رأيناه من سحر غابات النّخيل وأشجار البرتقال
لم تنفع المدينة علماء الآثار وتقصد زوجها (مارسيل) بينما هي وجدت متعتها في رصد تفاصيل الحياة اليومية وبدأت في وصف الملابس حيث تقول : النساء التركيات يلبسن إزار حرير ازرق او وردي او ابيض مصفر موشى بخيوط رقيقة من الفضة او الذهب تحت الإزار ثوب قصير موشى بالفضة او الذهب ايضاً ثم يرتدين فوقه سترة دائرية الشكل و حزام من الفضة في مقدمته قطعة كبيرة من الفضة، أما ارجلهن فتجد ( جزمات) صغيرة مثل نساء (بوشهر) الإيرانيات
النساء الأرمنيات يلبسن أثواباً فضفاضة يسحبنها على أتربة الشوارع وأقذارها إذا ما سرن خارج المنزل ! ولا يخرجن سافرات ابداً، والمسلمة تضع على وجهها قطعة رقيقة من قماش اسود او تلف رأسها بمنديل حريري والحلي في ايديها وشعرها، أما حذائها فقبيح للغاية يبعث على القرف بأزرار زجاجية او معدنية، اكثر نساء البصرة الحسناوات يرتدين مثل هذه الأحذية الدميمة التي تستور من المملكة المتحدة
الرجال يرتدون البعض منهم زياً اوربيا بنطلون خاكي يميل الى الصفرة وسترة لا يستطيع المرء ان يعين لها شكلاً او لوناً بينما باقي لباسهم يتكون من عباءة و يعتمرون الكوفية والعقال
بعد (٤ ) ايام في البصرة ( جين) و زوجها عادت اليهم حمى الملاريا بعد ان اصيبوا بها سابقاً، وبذل طبيب القنصلية جهوداً جبارة في علاجهم وكان يحدثهم عن البصرة ويقول : البصرة شيدت فوق ارض رسوبية جديدة وأنها لم تكن مدينة قديمة حيث انشأت بعد وفاة النبي العربي محمد (ص) بأمر من الخليفة عمر (رض) وكانت مركزاً تجارياً وعسكرياً مهماً في العراق
تاريخ البصرة مليء بالحروب المستعرة بين الفرس والترك ونفوسها ( (١١) الف نسمة، تأتيها الحنطة من الهند، والتمور تصدر منها للعالم، البصرة متعددة المذاهب فيها : النساطرة، السنة والشيعة، البابية، الوهابية، المسيحية الرومية والكلدية، الصابئة واليزيدية، اليهود والآرمن

بعدها تفرد صفحات في وصف اهل الصابئة ولا اعلم سبب هذا الاختيار في التعمق بوصف فئة دون أخرى وترد في شرحها امور من وجهة نظرها ومشاهداتها حيث تم نقل الترجمة بأمانة ....تشرح (جين) طقوس عبادتهم وتفاصيل تعميدهم بالماء للتطهر من الذنوب والخطايا وانهم يتزوجون من امرأة واحدة فقط حيث بقى مغروساً في ذاكرتها رقم زوجات الشيخ (مزعل الكعبي) أمير وشيخ المحمرة عندما زارته واخبرها بأنه قد تزوج (١٠) نساء آنذاك وتعجبت من جمال زوجته ( تركان) التي تتحدث الروسية بطلاقة وتربي نمراَ وهو تقليد للملوك والأمراء
كما تذكر عن الصابئة بأنه لا ختان لأبنائهم عكس كثير من الأديان، وكل اسبوع يقوم رجل الدين وتدعوه ب (القس) بقراءة بعض الادعية على الخبز ورش السمسم عليه ويأكل منه قليلاً ويوزع الباقي للبركة
يأكلون فقط لحم الخروف شرط ان يُذبح على يد (القس)، والميت عندهم لايُغسل حيث يأخذون المحتضر الى حفرته وينتظرون أن يجود بأنفاسه الأخيرة ويبكون قربه الى ان يموت فيتم أهالة التراب والعودة حتى لا تمس ايديهم جثة الميت لأنهم يعتبروها نجسة، وتبقى اربعون يوما روحه قبل ان تصعد للسماء، كل صاغة الذهب والفضة والمينا من هذه الطائفة التي تمتاز بسمو و رفعة اخلاقها

بين بغداد والبصرة شركتين تقومان بتسيير السفن التجارية، شركة (لنج) لها كل اسبوع رحلة وهي سفن لا تُراعى فيها شروط النظافة حيث يُترك للمسافرين فيها حرية القيام بعمليات الطبخ والغسيل في قمراتها وعنابرها، والثانية شركة يديرها جماعة اتراك وتسّير شهرياً سفينتين بين بغداد والبصرة، تسير الامور في السفينة حسب مشيئة الشيطان او الترك
حجزوا لهم على سفينة تركية اسمها (الموصل) وابحروا من القرنة شمالاً وسط مشاجرات ربان السفينة مع مالكها بعد نفاذ الفحم وتم حرق السمسم الذي تنقله السفينة كبضاعة لأحد التجار بحجة انهم مرغمون بأيفاء تعهدهم بموعد وصول السفينة مهما كلفهم من ثمن

العمارة ابنيتها جميلة
تصف بعدها مرقد النبي (عزرا) احد انبياء اليهود وتدعوه ( اسدراس) كان ضمن الأسرى الإسرائيلين واستطاع ان ينجي مواطنيه من ذل الأسر ويعود بهم الى بيت المقدس حيث يرقد هنا على ساحل دجلة في مرقد هادئ غير فخم، توقفت السفينة امام المرقد لحمل اليهود الذين جاؤوا لزيارته، المرقد هو بناية مكونة من قبة صنعت من الكاشي على طراز الأبنية الإيرانية زمن الشاه (عباس الكبير) ويغلب على الظن انه انشئ مكان بناية قديمة مندثرة، على مقربة منه من الجهة اليمنى اشجار على ارض معشوشبة زاهية وتعد مقدسة لم يمتد اليها معول ولا فأس، وأذا تجرأ احداً على ذلك يقال انه سيموت عقاباً، تحد المرقد خيم للحراسة ولا يحق ان يؤخذ اي شيء عدا الاغصان اليابسة لإشعالها بالنار
بلغوا بعدها مدينة (العمارة) ووقفوا عندها، ابنية هذه المدينة جديدة و جميلة تمر بها القوافل التي تصل الى مدن كرمنشاه وششتر

الكوت مدينة رجالها سماتهم خشنة
اما مدينة (الكوت) ما يميز رجالهم سماتهم الخشنة وتبدو عليهم مخايل الوحشية، اما البستهم فهي بسيطة ساذجة عبارة عن ثوب فضفاض طويل من الصوف بلون البلوط او بلون ازرق ويغطون رؤوسهم بكوفية يمسكها حبل !!( قصدها العقال) من صوف الجمال وفي ايديهم عصي طويلة يتكئون عليها بغرور وخيلاء
ولنساء هذه العشائر ذوات اللون الحنطي الرائق صفات الرجال ويشبهن الى حد كبير الرجال في كثير من المظاهر ، فلباسهن يشبه لباسهم ولا يختلفون الا بعدة حلقات علقنها بأنوفهن من الفضة او خلاخل للأرجل
ثم تصف قبيلة (لام) العربية المعروفة بتربية الجياد العربية الاصيلة وتصديرها، اما عشيرة (البو محمد) التي تقطن جنوب العمارة فهؤلاء مختصون بتربية الجواميس، و (شمر) مضاربها غرب بغداد ويعدون من اشد اعداء الدولة العثمانية ...اشداء معروفين بالشجاعة والبأس ويعيشون على الغارة

بعدها نزلوا في (طيسفون) المدائن لرؤية الطّاق، وكان يحيطه جناحاه، قبل أن ينهار جناحه الأيمن، شيّد طاق كسرى بأكمله بالطّابوق السّميك، واجهته طولها (٩١) متـراً وارتفاعها (٣٥) متراً، وهو مستطيل هائل تنفتح في وسطه قاعة معقودة السّقف عرضها (٣٥) متراً، ويصل ارتفاع هذه القاعة الرّئيسية إلى قمّة البناية ولهذا أطلق أهل البلد عليها كلّها “طاق كسرى ” وكان على يمين هذه القاعة وعلى يسارها أروقة تحاذيها، كانت ولا شكّ مخصصة للحرس وللحاشية وكتّاب البلاط

بغداد أجمل من اسلامبول ....و دجلة أروع من البسفور
وأخيراً وصلت سفينتنا إلى بغداد ! تقولها (جين) مع بزوغ الشمس بلغنا بغداد والسفينة ألقت مرساها قمت من النوم استعدادا للهبوط وما كدت أتجاوز الصالون إلى الخارج حتى وجدت على مقدمة السفينة وعلى أقفاص الدجاج ندى متكاثفا يخيّل إلى الرائي أنه بقايا برد متساقط .. ولقد قيل لنا إن هذه هي المرّة الأولى التي يتجمد فيها الماء ويكون ذلك بمثابة إعلان لقدوم فصل الشتاء بيد أنني كنت فرحة جذلة لا لشيء إلّا أنني نجوت من قضاء مثل هذه الليلة في طيسفون
لا يتفق المؤرخون الغربيون والشرقيون على معنى اسم هذه المدينة، فالمؤرخون الأولون يعتقدون أنه يعني (هدية الله أو انعام باك ) و باك هذا صنم قديم كان يقدّسه الكلدانيون، أمّا في اعتقاد العرب فإنه محرّف من كلمة ( باغ) التي هي البستان في الفارسية و ( داد) الذي هو اسم أحد الزاهدين النسّاك والعلماء وكان يملك بستانا في هذا المحل بعينه لذلك سميت هذه المنطقة ( باغ داد ) اي بستان داد ويقال باغ داد أي بستان العدالة نسبة اليه وسميت هذه المدينة به أيضا عند تأسيسها
ما إن ملأ الضياء السماء حتى بدا واضحا جليّا عن كثب جسرعائم لم يكن عرضه بمستوى واحد في جميع جهاته كما لم يكن على استقامة ويظهر عليه كتل من الناس بألبستهم المختلفة وهم في حالة رواح ومجيء دون أن يلووا على شيء وكأنهم يذهبون إلى دوائرهم الرسمية كما هناك ثمة عدد كبير من النساء يظهرن أيضا بعباءات حمر أو زرق أو خضر يذهبن ويجئن مع الرجال
أمّا على الجانب الآخر من الجسر فتوجد وسائل للنقل أخرى تسمى (الكلك ) وهذه تستخدم في العادة في أعلى تحت الجسر القائم قرب ضفة النهر لا تسير إلّا مع مجرى الماء وبمعاونته
وعند ما تيمم وجهك شطر المدينة تدخل إليها من زقاق ضيّق يبدو إليك للوهلة الأولى أنه هادئ، ينتهي إلى مقبرة الشيخ عبد القادرالتي اندلعت من اجلها الحرب وقصدها السلطان مراد من اسطنبول ليقوم بتعميرها، قبة هذه المقبرة مسطحة ولها منافذ كثيرة، وبجانب هذه توجد قبة أخرى جميلة الشكل مصنوعة من الكاشي الملوّن ولكنها أصغر من تلك، ويغلب على الظن أنها منشأة على الأسلوب الإيراني الذي كان معروفا في أيام الصفويين وتحت هذه القبة يوجد فناء الضريح
وللمقبرة صحن كبير واسع الأرجاء تحيط به من الجوانب حجر يشغلها المسافرون والفقراء والدراويش وعلى بعد قليل توجد مدرسة لتعليم الكتابة والقراءة وأصول الدين والفقه، هذه الأبنية الأخيرة ومنارتان مرتفعتان قد ضمتا إلى المقبرة في زمن قريب ، وعلى مقربة من المقبرة رأيت أبنية ومنائر أخرى كمسجد ومقبرة الشيخ يوسف وعبد الرحمن وغيرهما تلك الأماكن التي أصرف النظر عن ذكرها وشرحها، ذلك لكثرة عددها الذي يقارب عدد الكنائس الرومية عندنا
كنت أرغب كثيرا في أن أزور جميع المساجد والمقابر وأطلع على عادات وقواعد الطائفة السنية، ولكن حال دون ذلك عدم معرفتي اللغة العربية وأن مترجمي كان من طائفة الشيعة، وكل ما استطعت أن أعرفه هو أن الدين الإسلامي مرّ في بدء تكوينه بفترة مضطربة كالأديان والمذاهب الأخرى وأنه اختلف في تفسير الكثير من مواده، وهو الأمر الذي حمل المسلمين على الانشقاق فيما بينهم وانقسامهم إلى طوائف وشيع وهناك اليوم أربع مدارس أو قل مذاهب كل منها يفسّر القرآن تفسيرا يختلف عن الآخر ولكنهم جميعا يتفقون على أن القرآن كلام لله اﻟﻤﺠيد وضعه بلغة عربية فصيحة يعين فيه قوانينه لبني البشر لأجل رفاههم وسعادتهم
وإذا كانت أحياء بغداد الواقعة على الضفة اليسرى من النهر يربطها طريق مستقيم مع إيران فإن الإيرانيين يفضلون السكنى على الضفة الأخرى في مدينة صغيرة تقع على بعد ست كيلومترات من بغداد تسمّى بالكاظمين، وعلّة ذلك هي أن في هذه المدينة الصغيرة مقبرة الإمام موسى الكاظم الذي يقدسّه أبناء الشيعة ومنهم سكنة فارس
وتدلنا كثرة الأبنية اليهودية المنشأة في العراق كمقبرة يوشع وعزرا وحرية بنائها على ما تتمتع به هذه الطائفة من القدرة وعلى كثرة عددهم في هذه البلاد! ولا أدري أهؤلاء اليهود هم من أعقاب البابليين الذين هاجروا إلى هذه البلاد في سنة (١٠٣٠) بعد الميلاد أم هم الذين هاجروا إليها في زمن الخلفاء، وعلى أي حال فاليهود في هذه المدينة يتمتعون بقوة، وتكاد شؤونها التجارية والاقتصادية تنحصر في أفرادهم لذلك تكوّنت هذه الطائفة الثرية المتمولة في البلاد
يختلف حي اليهود عن الأحياء الإسلامية بشكل واضح بيّن في الوهلة الأولى فلمنازل الإسرائيليين شبابيك ومشارف ذوات سياج حديدي تطل على الأزقة، وتستطيع النسوة اليهوديات مشاهدة المارين خلالها ، دون أن يستطيع هؤلاء مشاهدتهن
والمرأة اليهودية على العموم منزوية في البيت قلما تخرج إلى الخارج وهي لا تتبرج كثيرا، وتنحو نحو البساطة في أمور التواليت ولكنهن في المناسبات الخاصة يزين أيديهن وصدورهن بأسورة وقلائد ذهب نفيسة وجواهر ثمينة واليهود هنا يرغبون في اقتناء الجواهر والمعادن النفيسة كثيرا إلى حد الجنون
وعلى أي حال فأنت إذا استطعت الدخول في مقبرة (يوشع) غير المهمة يدفع الحلوان (البقشيش) كما فعلنا أو بطريقة أخرى .. فلن تستطيع قط الدخول في مقبرة زوج الخليفة هارون الرشيد (ست زبيدة) اللهم إلّا إذا كنت أحد الطيور التي تدخل فيها من خلال ثقوب قبتها المخروطية الشكل، ويغلب على الظن أن سبب إغلاق هذه المقبرة يعود إلى أمرين أحدهما احترام منزلة الست زبيدة التي كانت زوج الخليفة العظيم وعدم الإذن لكل من هب ودب للدخول إليها .. والآخر المحافظة على المقبرة من تجاوز اللصوص والسراق عليها

ومن حسن الحظ أن القنصل الفرنسي في بغداد كان قد علم بخبر وصول السفينة وأرسل أحد خدمه لاستقبالنا ومساعدتنا! والقنصل الفرنسي في بغداد اليوم هو مسيو (پرتيه) ابن أحد علماء الآثار المعروفين الذي قام بحفريات واكتشافات كثيرة، ولقد وضعت مدام (پرتيه) غرفة بناتها تحت تصرفنا وكنت أبدو مسرورة جدّا لأنني سأنام هذه الليلة نوما هادئا على سرير مريح نظيف بعد أن حرمت ذلك منذ أن خرجنا من طهران حتى اليوم ، لكنني لم اذق النوم لكوني اعتدت النوم في فراشي القذر الذي ربما سأخذه معي لباريس

حريق بغداد ...قطع الحركة التجارية ثلاثة أيام
حدث اليوم في بغداد في (٢٠) من ديسمبر ١٨٨١م، هرج ومرج شديدان، إذ التهمت النار البارحة السوق التجاري الكبير، وتعاون الجميع من تجار وكسبة ومختلف أفراد القوات الرسمية على إطفاء النيران الملتهبة
ولقد قام الأهلون بطريقة مبتكرة تدل على ذكائهم دلالة واضحة في سبيل إخماد لهب الحريق وصيانة بضائعهم وأموالهم من أيدي رجال الإطفائية واللصوص وأفراد سلطات الأمن، وهي أنهم ما كادوا يرون النيران تقترب من محالهم التجارية حتى اتقوا سقوفها وهدموها إلى الداخل، وبذلك حافظوا عليها من النيران ومن تجاوز الأفراد الآخرين وهم بعد أن يخمدوا الحرائق يغلقون المنافذ، وعلى هذا الأساس يظهر للسوق منظر كئيب موحش ولكن خلال يومين أو ثلاثة أيام عندما تهمد النيران تماما ولا يخافون شيئا يعودون إلى دكاكينهم بغير اضطراب ولا قلق، ويبدأون برفع التراب عن بضائعهم، وفي مدة قليلة تتم هذه العملية وترجع لتلك المحال سابق عهدها كما كانت تماما
كان الحريق قد ابتدأ من أقدم أقسام السوق أي على مقربة من البناء العظيم وأقصد (خان أرتمه وتقصد خان مرجان ) ولو لم يقوموا بأطفاء النار لكانت هذه البناية التاريخية والتي تعد من أهم المراكز التجارية لبغداد الآن أثرا بعد عين
وخان أرتمه عبارة عن بناء مستطيل الشكل له سقوف جميلة مهيبة تدل على فن معماري عريق، وتزينه من الخارج بعض الأعمدة التي تكون بمثابة سند للحنايا الكبيرة الثقيلة وهذه الأعمدة يفصل الواحد عن الآخر مسافة ثلاثة أمتار، أما الحنايا فعلى نوعين كبيرة وصغيرة وكل منها تتصل بالأخرى، وعلى النوع الأخير بعض القبب المشبكة بحيث يكون للقسم المرتفع منها اتصال بالحنايا الكبيرة وينفذ خلالها النور، وفي نهاية هذا البناء الضخم جدار طويل متكوّن من طبقتين لهما سياج مشبك وهذا السياج يعمل على إضاءة الخان وتنويره وفي القسم السفلي من الحنايا أيضا منافذ تمر خلالها أشعة الشمس وتساعد ذلك السياج والقبب الصغيرة المذكورة على التنوير والموزاييك ذو اللون الواحد الذي أنشئ به السقف وبعض المرافق الأخرى له منظر جميل جذاب يأخذ بألباب الانظار ولا سيما عند ما يسقط عليه نور الشمس الوهاج
ولخان أرتمه درج عريض ينتهي إلى سطحه الذي يعد أعلى أقسام الأبنية التي في بغداد اليوم ومن الجدير بالذكر هنا أن أمثال هذا الدرج قليلة الوجود في الممالك الإسلامية لذلك يصبح لهذا الخان ميزة معمارية أخرى
عند نزولنا من سطح خان أرتمه رأيت عددا من بائعي السجاد من الترك والإيرانيين وحاولت أن أقتني أنواعا جيدة منها ولكني لم أجد في كل ماعرض عليّ هي بغيتي إذ كانت جميعها ذات ألوان باهتة أو خشنة مما يعرف بسجاد فراهان أو الأزميري، كما أني وجدت بين تلك البضائع أدوات حربية من الأنواع التي تستعمل في البلاد الشرقية وهي بحالة جيدة أي لم تكن من التحف الثمينة .. ولا تستطيع أن تجد أسلحة عتيقة أو أقمشة مذهبة تاريخية هنا في بغداد ولكنك تستطيع أن تجدها في مدينتي كاشان وأصفهان من أعمال إيران وفي اسطنبول، لن تجد في بغداد غير البضائع المعتادة ولن ترى من البائع البغدادي غير الانفعال السريع والحدة والخشونة إذا لم تشتر منه شيئا

ولقد أرتني زوجة القنصل الفرنسي مدام (پرتيه) عددا من الستائر المذهبة التي أوصت بصنعها وأسلفت الحائك بعض ثمنه مقدما ومع ذلك لم تكن جميعها باللون الذي أرادته وبالشكل الذي أوصت به .. ولقد سألتها عن علّة ذلك فأجابتني بقولها : إنني أول وصولي إلى بغداد طلبت من ( حاجي بابا) أشهر النساجين في المدينة أن ينسج لي عددا من الستائر بلون وردي وبحجم واحد وعلى حسب الأصول المرعية في هذا الشأن، أسلفته نصف أثمانها على أن أعطيه النصف الآخرعند تمام النصف الثاني من تلك الستائر بعد إبدائي رضاي عنها، وبعد شهرين جاءني ( حاجي بابا) ودعاني إلى محله لمشاهدة الستائر التي أنجز النصف الأول منها ولقد لبيت دعوته وذهبت إلى معمله وأبديت رضائي وأعطيته النصف الثاني من أثمانها ورجعت إلى منزلي فرحة جذلة وبعد ستة أشهر جاء حاجي بابا مع عماله إلى بيتنا وهم يحملون الستائر الكاملة وما إن فتحوها بحضرتي حتى رأيتها جميعا ذات لونين مختلفين بشكل منفر!! ، نصفها وردي والآخر آرجواني وبعد أن أنّبت حاجي بابا ولمته على فعلته هذه أجابني بقوله : أنك أعطيتني أثمانها على دفعتين لذلك اضطررت أن أصبغ الحرير مرتين وإذا كان اللون مختلفا في الستارة الواحدة فالذنب ذنبك لا ذنبي فلو كنت قد أخذت المبلغ منك مرة واحدة لصبغت الحرير كله جملة ولما تباين لونها هذا التباين الذي أنت مسؤولة عنه ولست أنا، وبعد أن انتهى من كلامه هذا ترك الستائر وخرج مغضبا وإنني لم أجد بدّا من قبولها على علاتها

ومما يلفت النظر في أسواق هذه المدينة المملوءة بالبضائع الثمينة على اختلاف أنواعها عدم ازدحام المشترين والعابرين وبرودة الحركة التجارية، وذلك لأن البضائع الثمينة والأشياء النفيسة يحملها الدلالون إلى منازل الشارين وفي بعض الأحيان يحملها أصحابها أنفسهم إلى المحتاجين إليها أو الذين يتوسمون فيهم تصريف تلك البضائع عليهم ويمكننا أن نستثني من هذه الأسواق، تلك التي تعرض الأقمشة القطنية الانجليزية أو البضائع الروسية، فإنك ترى فيها عددا كبيرا من الناس في حركة دائبة وترى أمام تلك الدكاكين النساء القرويات وقد عرضن أمامهم اللبن والدجاج والبيض التي جلبنها من القروية القريبة وإذا تأملتهن رأيتهن يدمجن بضائع الزينة النسوية المعروضة في تلك الدكاكين كالأساور والأقراط وما سواها بكثير من الدهش والتمني والرغبة
وهاته النسوة يسرن في الشوارع سافرات الوجوه لا يحجبها شيء سوى (المقنعة) السوداء الصوفية التي تحيط برؤوسهن ويضم قسما من جبينهن وذلك على ما أعتقد لكي يكون حجابهن رمزياً وتشبهاً بالنساء البغداديات الى حد ما، وتستطيع أن ترى من قرب وجوه وأجسام هذه النساء بكل وضوح على خلاف من سواهن من نساء هذه البلاد، ولكن الشيء الجدير بالذكر هو أنك لا تجد فيهن سمات الجمال والجاذبية التي وجدتها في نساء قبائل الفيلية العربية، وأعتقد أن مردّ ذلك هو الأعمال الشاقة والمسؤوليات الضخمة التي ألقيت على عواتق هذه النساء القرويات ولعلك تسأل بعدئذ عن وظائف او بالأحرى اعمال رجال هذه القرى فأقول لك انها تنحصر في الصيد أو الغارة أو السرقة من مزارع وحقول الأخرين
إن من يعتاد أكلات أهالي بغداد لا يجد في تهيئة غذائه صعوبات مادية إذ يستطيع أن يشتري الدجاج المنزلي وأنواع الطيور الأخرى بأسعار زهيدة جدّا والخروف الجيد لا يزيد ثمنه على ستة فرنكات والأسماك كثيرة ومبتذلة لدرجة تدعو إلى الدهشة، والخضراوات والفواكه أمثال البطيخ والرقي التي تجلب من المناطق العليا من بلاد بين النهرين كثيرة بحيث تملأ الخانات أكواما فوق أكوام حتى أنها تكاد تشّكل هضاباً ولا تستطيع العبور منها

ووضعت (جَين ديولافوا ) رسمين لباب الطّلسم والمنحوته الّتي كانت تحيطه وكان باب الطّلسم أحد أبواب سور بغداد، وبقي منتصباً حتّى يوم ١١ آذار ١٩١٧ حيث قام الأتراك بتفجيره قبل أنسحابهم عندما دخلت القوات البريطانية العراق
والخلاصة .. إن رحلتي في عاصمة الخلفاء وأعني بغداد قد انتهت بزيارة الميادين الواسعة التي تباع فيها الحبوب وفي اعتقادي ليس ثمة منظر أبهى وأجمل من تلك الميادين التي تشبع كل يوم الآلاف من أصحاب البطون الخاوية إذ تطالعك مشاهد جذابة من أكوام تلك المزروعات في تلك الميادين والناس في ذهاب وإياب بعد أن أخذوا حاجاتهم منها
ولأنّ (جَين ديولافوا ) وزوجها لم يستطيعا الذّهاب لرؤية قصور الملوك الآشوريين في نينوى وما حولها لبعدها الشّديد عن بغداد، فقد قررا السّفر إلى بابل

ولاحظت (جَين) أنّهم حالما ابتعدوا عن بغداد تحوّلت الطّبيعة إلى فيافي قاحلة، ورأت آثار قنوات كانت تخصّب هذه الأراضي في الأزمان القديمة، ما زال منها بقايا سدود تهدّمت، وصوّرت نهر الفرات عند مروره بالحلّة، ووصلت مع مصاحبيها إلى بابل بعد يومين من مغادرتهم لبغداد وكانت خيبة أملها بالغة فقد : اخترقتُ المدينة من غير أن أنتبه إلى وجودها ! وتفحصت أسد بابل الّذي وصفته : أسد من حجر البازلت بصنعة بدائية، شديدة البربرية
ساروا يوماً كاملا في أراض قاحلة ليس فيها إلّا عدّة من اﻟﻤﺠاري المندثرة المخربة للمياه وسوى بعض القطع من الحجارة والآجر المبعثرة في الطريق وبقايا آثار من المدن القديمة البائدة التي كنا نطويها تحت حوافر جيادنا
لاحظ هنا ان دليلها رجل ايراني لذا تأثرت بما يمليه عليها فأكثرت من سباب وشتم الأتراك ومدح الأيرانيون ونسب اليهم كل شيء تجده جيد
تقول (جين) وعند حوالي الغروب ظهرت على الأفق بناية كبيرة من الآجر وهي خان كبير شيّده الإيرانيون بجهودهم وفلوسهم فيه بضع حجر واسعة معدّة لاستراحة زوار العتبات المقدسة من الشيعة وهذا الخان يناظره خانات إيران التي شاهدتها لدرجة كبيرة إذ تحيط بصحنها الحجر من جميع الجوانب التي يتقدم كلّا منها إيوان واسع، والمسافرون عادة عند ما يكون الجو لطيفا ينزلون في هذا الإيوان وعند برودة الطقس يأوون إلى الحجر ويجعلون دوابهم وحيواناتهم الأخرى في الاصطبل المقابل لهم لكي تكون على مرأى منهم على الدوام مخافة سرقتها
ولما كان الجو بارداً لم نر بدّا من اختيار إحدى تلك الحجر للنزول فيها ولكننا ما كدنا نترجل عن جيادنا حتى علت إلى أنوفنا عفونة أوشكت أن تزكمها ، ولفتت نظري أشياء مركومة بعضها فوق بعض فتقدمت منها أتفحصها وما كدت أمد يدي حتى ارتدت إليّ كأنه قد مسها تيار كهربائي وأضطربت أشد الاضطراب، كانت هذه الأشياء المحزمة المركومة جثث موتى بعضها قد لفت في بساط أو سجاد وحزمت بحبال وبعضها في توابيت خشبية يبدو من بين شقوقها اللحم الجامد المسود لهؤلاء الموتى
على أثرها هذا خرجنا سريعا تاركين هذا الخان الغريب ونزلنا في محل يبعد عنه كثيرا لنقضي فيه ليلتنا ، وخرج مرافقنا الكولونيل أيضا واضطر أن يقضي ليلته معنا في الهواء البارد، وعلى رغم ابتعادنا عن الخان بمسافة ليست قليلة كانت رائحة العفونة تضايقنا كلما هب النسيم من جانبه .. والواقع أن الطائفة الشيعية يجلب أكثر أفرادها جثث موتاهم من أبعد المناطق كالهند وإيران إلى مدينة كربلاء والنجف لدفنها قرب مراقد هؤلاء الأئمة الذين ينزلونهم من نفوسهم منزلة التقديس

ووصلت جّين مع مصاحبيها إلى كربلاء وبعد أن سمح لهم بدخول المدينة وقضاء الليل فيها ، تقول : صعدتُ إلى السّطوح، مكاني المعتاد الّذي أنظر منه واستطعتُ أخيراً أن أبصر المدينة بكاملها تنتصب على يساري قبّة ضريح الحسين ومنائره المطليّة بالذّهب، وعلى يميني قبّة من الآجر الأزرق الفيروزي، شيّدت ولا شكّ في زمن أواخر الصّفويين، ولم يسمح لهم بأكثر من ذلك، فتركوا المدينة وعادوا إلى بغداد
ثمّ غادروا بغداد بعد ظهر يوم 26 كانون الأوّل نحو طيسفون / المدائن (سلمان باك)، وتأمّلت الفلاحين يبذرون الشّعير، وركبوا في السّفينة البخارية نحو البصرة ووصلوا إلى العمارة وأقاموا عند تاجر مسيحي اسمه (عيسى) قصّ عليهم قصصاً غريبة عن قبيلة بني لام نقلتها (جَين ديولافوا) كما سمعتها ! وحضرت مع زوجها قدّاساً في كنيسة كانت قد شيّدتها الجالية المسيحية الكثيرة الأعداد في العمارة
ولم يغادروا العمارة إلّا في السّابع من كانون الثّاني متّجهين نحو مضارب دويرج، ومرّوا بأطراف الأهوار، وقضوا ليلة رهيبة تحت الأمطار في الرّياح العاصفة

ثمّ استضافهم شيوخ بني لام، تصف (جين ) نسائهم بأنهن جميلات الملامح يرتدين ملابس طويلة تدل على العفة والنجابة ولها طيات من الأمام والخلف وكانت على رؤوسهن عمات طويلة من أقمشة شتى، أما زينتهن فكانت مقصورة على بعض الأساور من الفضة والزجاج والخواتم الرخيصة الأخرى والخلاصة أن جميع النساء والرجال أحاطوا بالنار التي أشعلوها لتدفئتنا والواقع أن هاته النسوة البدويات لهن قامة فارعة وسمات جذابة ، واتجهت مع مصاحبيها في 11 كانون الثّاني نحو دزفول، قرب مدينة شوش في جنوب غرب إيران، وهكذا انتهت سفرة (جَين ديولافوا) وزوجها مارسيل في ولايتَي البصرة وبغداد والّتي دامت أقلّ من شهرين