قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بعيداً عن تصنيفات الرواية وأنواعها ، يأخذنا الكاتب حميد الكفائي في روايته الجديدة "عابر حدود" الصادرة عن دار ضفاف للنشر – بغداد ، ب 245 صفحة، بلغة بسطة رقراقة وهو يطوف بناء في الريف العراقي متنقلا بين الريف والمدينة، فعلى مدى النصف الأول من الرواية الأول تدور الا حداث في أرياف ميمونة والسدير فنسمع أهازيج فلاحيها وهم يتطوعون لحماية أرضهم من الفيضان، حيث تقوم الأهزوجة بايقاعها على رفع الروح المعنوية للمجتمعين وتخلق الألفة بين الفلاحين.. بينما النصف الثاني كان معظمها ببغداد تقريبا.
وبلغة العارف للحياة الداخلية لهذا الريف يعرض الكاتب عادات الريف وتقاليده، فنشم رائحة هيل القهوة في مضيف السادة آل مارد، " مع بزوغِ شمس كلِ صباح تُقرَعُ دقاتُ (الهاون) في مضيف السيد علي المارد في ميمونة حيث تُطحَنُ حبوب البُن بعد تحميصها على الجمر في المقلاة المخصصة لهذا الغرض، ثم تُصنع منها القهوةُ ممزوجةً بحبيبات الهيل العطرة وتقدم حارةً فواحة إلى روّادِ المُضيف. ودقاتُ الهاونِ هذه، التي تخترقُ صمتَ الحقول والبساتين متفوقةً على أصوات الطيور والماشية، منسجمةً مع هدوءِ الطبيعةِ، مسموعةً على مسافاتً بعيدة في القرى المجاورة، تعتبر إيذانا بفتحِ المضيفِ أبوابَه لرواده، ودعوةَ لكل من يسمع هذه الدقاتِ المنطلقةَ إلى عنان السماء من أبناء القرى المجاورة أو المارةِ في الطرق والدروب الزراعية للتجمعِ في المضيف."ص8
ويحظى بيت المارد باحترام ومحبة الناس كونهم "سادة" أي ينتسبون الى الرسول الكريم (ص)، كما جرت العادة في الجنوب باحترام السادة، وهذا الأمر أفضى الى مهابة وتقدير لرجالهم، تمثل في سيادتهم لمنظقتهم.
تمتد الرواية على مدى جيلين من العهد الملكي وحتى قيام الجمهورية دون أن يحدد بالضبط تاريخ الأحداث ووقوعها ، فتدور الرواية حول علي وهادي وحسن أخوة من بيت مارد يتوفى اخاهم هادي فيضطر حسن الى الاقتران ب"جود" لأسباب كثيرة كونها زوجة أخيه، وعندها بناتها (منتهى وحليمة) وهم بحاجة الى من يهتم بهما، فيتزوجان ويرزقان ب(سليمة) من زواجها بحسن.
تموت "جود" وتترك بناتها الثلاث، هنا يتقدم شخص اسمه يوسف خضر الشريف طالبا الزواج ب(منتهى)فيحثها عمها وزوج امها على الموافقة، وأمام ضغط العادات والتقاليد توافق، غير أن يوسف لم يكن بارا بها فيذيقها مر العذاب، ويهددها بالطرد فتخلف منه صالح الذي سيكون بطلا للرواية في جزئها الثاني.
بعد عام تقريبا تتزوج "حليمة" الأخت الأخرى بابن عمها ناصر، وهذا يختلف عن يوسف، فقد تعلم بحث من زوجته القراءة والكتابة وطور نفسه ليصبح شيخا للقرية وهو "سيد" فصار صاحب حظوة، وكان مضيفه لا يخلو من الزائرين وعارضي مشاكلهم، الأمر الذي أتعب زوجته، فصار هذا الأمر موضع خلاف بين الزوجين، في هذه الأثناء تأتي اختها منتهى (أم صالح) وقد تركت بيتها بعد خلاف دب بينه وبين يوسف، الذي تزوج بعد أن هجرته من حبيبته الأولى وظل يرفض طلاقها، وهي واحدة من عقد العشائر. فينضم صالح الى اولاد خالته واولاد عمه ليكون هو وأمه جزءا من العائلة وليرتاح ناصر بهذا الامر الذي حرره من زوجته وتفرغ للمشيخة التي راقت له، فتنشغل الاختان بالبيت .
في نصف الرواية الثاني نتعرف على صالح وقد قبل في كلية الهندسة وسافر الى بغداد للدراسة، يتعرف في الكلية على فتاة معه في الكلية (هالة) وتنشأ بينهما علاقة حب جارف
تنسيه آلام أمه و عذاباته، غير أن هذه الشابة كانت فتاة متحررة وتصر على التصرف بما تراه صحيحا ضاربة عرض الحائط كل شيء. وهكذا شخصية ربما تكون نادرة في حياتنا العراقية ، لكن الروائي اوجدها، يفاجأ صالح أن من أحبها وفكر بالزواج بها، تخبره أنها ستسافر الى لندن للتخصص وان مجتمعها العراقي لا يلبي طموحها، وهي لا تفكر بالزواج أصلا، وهو ما يجعل حياته جحيما.
بعد أن هجرته (هالة ) يعود صالح الى مدينته في الفرات الأوسط ليعمل بتخصصه مهندسا للري. فيكون ناجحا في عمله الأمر الذي رشحه للذهاب الى بغداد ممثلا لدائرته، وقد بقي وحيدا بعد موت أمه، يتعرف على (سعاد ) مدرسة اللغة الانجليزية وابنة قاضي المنطقة الذي جاء من بغداد، فوجد فيها المرأة التي يبحث عنها، تتطور العلاقة الى الزواج، وانجاب ابنين، وهم يعيشون بسعادة غامرة، وفي يوم ما يتحول كل هذا الصفاء الى جفاء، حين تزوره (هالة) في عمله وهو موظف مرموق لتعيد الماضي من جديد، وما هي الا ايام حتى يتفق مع زوجته (سعاد) على الانفصال وتركها مع اولادها في بيتهم الذي تنازل عنه ليلتحق بحبه القديم، وهذا الأمر لا يمكن تفسيره بالحب الذي لا يمكن نسيانه وإنما لخلل في شخصية صالح، فالرجل دائما يصادف امرأة افضل من زوجته، غير ان هذا الامر لا يمكن التعامل معه بهذه الطريقة. كنت اتمنى أن يبقى صالح مع زوجته ولكنه يشعر بغصة لعودة (هالة).
فتتصدع العلاقة بين الزوجين (عاد صالح إلى منزله آخر النهار وكان مُنهَكا وكئيبا ومهموما. سألته سعاد ما بك يا ابا أيمن؟ فأجاب أنه اليوم مريض بعض الشيء فذهب إلى غرفة النوم وغط في نوم عميق لعدة ساعات، وكأنه كان منشغلا بعمل شاق طوال النهار. استيقظ مساءً ولم تغادره الهموم والكآبة. سألته سعاد مرة أخرى ما الخطب يا أبا أيمن؟ هل من شيء خطير حدث لك اليوم؟ ما المشكلة؟ أجابها باقتضاب أن كل شيء على ما يرام. "كل شيء ليس على ما يرام يا صالح. لم أرَكَ بهذه الحالة من قبل. هل تخاصمتَ مع الوزير؟ هل دهستَ أحدا بسيارتِك؟ يجب أن تخبرَني كي نجدَ معا حلا للمشكلة"، ألحَّتْ سعاد بالسؤال. "لا شيء كما قلتُ لكِ. فقط أشعر بصداع شديد في الرأس، لا أكثر ولا أقل. كل شيء سيعود إلى طبيعته في الصباح. إهدئي قليلا. لا شيء يدعو للقلق".)
وفي محاولة لدراسة رواية (عابر حدود) ينبغي أ، نحدد كيف تعامل الروائي مع روايته وشخصياته، ويمكن القول ان منحى اجتماعيا سار عليه الروائي، حيث يقوم الاتجاه الاجتماعى برمته، فى تعامله مع الأدب، على أنه احد مكونات "البناء الفوقى" الذى يشتمل على مختلف مكونات الوعى من فن وأدب ....ألخ. ومن ثم فهو ناتج عن الوجود الاجتماعى التاريخى، وعلى هذا الضوء يتم فهم الأدب وتحليله .. يقول لوسيان جولدمان:"كل سوسيولوجيا للفكر لابد ان تقبل بوجود تأثير للحياة الاجتماعية على الابداع الادبى، وبالنسبة للمادية الجدلية، فإنها تعتبر ذلك مسلمة أساسية، مع إلحاحها بصفة خاصة على أهمية العوامل الاقتصادية، والعلاقات بين الطبقات الاجتماعية".
إن معاناة صالح في صغره من طلاق أمه وعيشه معها في بيت خالته وشعوره بالغربة في دراسته ببغداد بعيدا عن الأهل لابد أن يؤثر في تفكيره كثيرا ، وما ارتباطه بحبيبته الطالبة في الكلية إلا محاولة للانعتاق من واقعه او تغييره، فيصير ارتباطه بها وثيقا، لذا فان تركها له وهجرته الى بريطانيا يجعله في حالة ضياع، ودون وعي بحث عن البديل فوجدها في المدرسة ابنة القاضي البغدادية التي جاءت مع والدها. فتنشأ بينهما علاقة اعجاب تتحول الى حب فزواج الذي ترفضه الأم وتضطر للموافقة امام اصرار ابنتها وزوجها.
يقول الدكتور عبدالمنعم تليمة:”إن البناء الثقافى رغم انه بصورة عامة انعكاس للبناء الأساسى المادى فى المجتمع، فإنه ليس انعكاسا آليا وليس تعبيرا سلبيا، فالعلاقة بين الاثنين علاقة تأثير وتأثير دائبة، قانونها التفاعل والتداخل". وهكذا فإن العلاقة التي سار عليها صالح مع المدرسة تفسر ذلك. ويدافع جولدمان عن رأيه هذا فيقول: "القيم الفكرية الحقيقية لا تنفصل عن الواقع الاقتصادى الاجتماعى ،بل هى قائمة بالذات على هذا الواقع.
إن الأدب عند الاتجاه الاجتماعى, إذن, إنما هو شكل من اشكال الانعكاس النوعى الذى ينظر إلى العمل الفنى بوصفه تدخلا فى صياغة العالم فنيا، على نحو أكمل وأشمل ،وليس مجرد إنعكاس بارد له، إنه انعكاس يطرح "الجوهر الكلى", بتعبير لوكاتش، لحركة هذا الواقع . فقد .. يشبه العمل الفنى الكامل الحياة فى مراعاته للتتابع السببى، ولكنه لن يكون أكثر من سفر أخبار تعسفى إذا لم يكن هناك قلب لهذا الاتجاه. أى إذا لم يكن هناك تعمق واستبطان لحركة هذا العالم، لرؤية غير المرئى على سطحة المباشر، أو رؤية الجوهرى والكلى الفاعل فى الانسان والعالم.وهو ما لم يتحقق للروائي.
واذا كان مفهوم الانعكاس يستحضر الى الذهن شكل المرآة، باعتباره نظيرا للادب على المستوى الفنى، فلا ريب أنها ليست مرآة من النوع المعهود، فهى "مرآة وضعت بزاوية معينة", كما يقول بيير ماشيرى .. "بحيث تكون معبرة فيما لا تعكسة بقدر ما هى معبرة فيما تعكسه"
يشير الروائي الى مسألتين في العمل وهما علاقة الناس بالدين ومسألة الافتراق الطائفي ولم اجدهما زادت من الرواية شيئا.