هل صناعة الذهب السعودية تترنح؟

الأسهم والقوانين تصيب تجارة الذهب بالضربة القاضية

علي ال غراش من الدمام

تمر صناعة الذهب السعودية في هذه الفترة بمرحلة من الهدوء المخيف والخطورة مع إغلاق عدد من المحلات والمصانع والورش, وانتقال البعض منها إلى الدول المجاورة وخاصة دبي.., وتوجه عدد من تجار الذهب إلى الاستثمار في المجالات أخرى ذات عائد ربحي سريع كالأسهم. مما يهدد استمرارية وتطور هذه الصناعة العريقة والمهمة التي يعمل فيها اسر وبيوتات معروفة منذ مئات السنين، ويتوقع المراقبون لسوق الذهب في السعودية أن تفرز هذه العملية إلى ظهور مؤوسسات قوية وكبيرة "هوامير" في سوق صناعة الذهب بحيث تسيطر وتحتكر هذه الصناعة التي لا تموت مهما كانت الظروف ولا تستغني عنها النساء مهما ارتفعت أسعاره.

جاء في التصنيف العالمي للذهب إن السعودية تحتل المركز الأول من حيث استهلاك الذهب في المنطقة بواقع 139 طنا في عام 2004م, وتحتل المرتبة الرابعة عالميا بعد الولايات المتحدة الأميركية والهند والصين، والذي يصل إلى نحو 200 طن سنويا، كما يبلغ حجم سوق تجارة الذهب والمجوهرات فيها نحو 15 مليار ريال في عام 2004م.

شهدت الصناعة السعودية للذهب في السنوات الأخيرة تطورا كبيرا من ناحية التصنيع والإبداع والابتكار في التصاميم ودقة الصناعة, ولكن رافقه تدني في الكميات المصنعة حول ذلك يقول حسين محمد العبدالوهاب "شيخ الصاغة ورئيس لجنة الذهب بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية" لقد تطورت صناعة الذهب بشكل كبير من حيث الموديلات والمنافسة مع الدول الأخرى على مستوى الجودة والدقة والإبداع. ولكن يوجد انخفاض في الكم المصنع مضيفا منذ بداية عام 2005م شهد سوق الذهب السعودي انخفاضا واضحا في الكميات المصنعة محليا والسبب انخفاض عدد العمالة المدربة والخبيرة بنسبة 70 بالمائة مشيرا إلى تدني عدد العمالة في بعض المصانع من 200 عامل إلى 30 عامل فقط لصعوبة إيجاد تأشيرات بديلة من قبل وزارة العمل. التي أصبحت تتشدد في منح التأشيرات وفرض توطين الوظائف.

موضحا الأسباب لسفر العمال بشكل نهائي والبحث عن تأشيرات بديلة من وزارة العمل: إن العمال الماهرين في صناعة الذهب وبالرغم من رواتبهم الجيدة لا يستمرون كثيرا هم يعملون في حدود سنتين إلى أربع ثم يقرر السفر النهائي لأنه يستلم راتب جيد في بلاده وبين أهله.

وحول إغلاق عدد من محلات الذهب على مستوى السعودية أوضح حسين العبدالوهاب: ان للطفرة في الأسهم وتحقيق أرقام قياسية من الارتفاع في الأسعار دور في جذب تجار الذهب إليها للحصول على الربح السريع , وكذلك صعوبة الحصول على العمالة الفنية الماهرة.

ويرى عدد من المستثمرين السعوديين في صناعة الذهب أن الأنظمة والقوانين في البلاد لها تأثير سلبي على صناعة الذهب في السعودية من حيث التشدد في منح تأشيرات العمالة, وارتفاع الجمارك عن الدول المجاورة, وتكليف التاجر مصاريف عالية مثل دفع 6 آلاف ريال لشركة شموس التي تدخل البيانات وحركة المبيعات لمركز المعلومات الوطني, ودفع 300 ريال لشركة الأمن وفرض أجهزة للسلامة والأمن غالية الثمن بالإضافة لأسعار الإيجارات التي ترتفع سنويا وهذه المصاريف والتكلفة تساهم لها سلبيات على صناعة الذهب خاصة لأصحاب المحلات الصغيرة ويشير إلى البعض أن هذه الأنظمة غير موجودة في الدول المجاورة.

وحول معانات تجار الذهب يقول العبدالوهاب: لقد تقدمنا بعدة اقتراحات وأفكار لغرفة التجارة ولوزارة التجارة والصناعة ووزارة العمل للتحرك السريع لتسهيل المعاملات لأصحاب محلات الذهب بشكل عملي للمحافظة على هذه الصناعة المهمة وعدم انتقال المستثمرين إلى الدول المجاورة أو تغيير نشاطهم, وانه يأمل أن تبادر الجهات الخاصة بالتحرك لإنقاذ صناعة الذهب السعودية.

ويؤكد العبد الوهاب بان هناك حركة نشطة في انتقال بعض تجار الذهب السعوديين للاستثمار في الخارج خاصة دبي والبحرين وقطر نتيجة سهولة الأنظمة والقوانين مضيفا بان هناك عدد من التجار يتهيأ للانتقال وخاصة من أصحاب المصانع الكبيرة مما يمثل خطورة كبيرة.

ويرى بعض تجار الذهب ان زيادة أسعار الذهب في الأسواق العالمية حاليا لا علاقة لها بارتفاع النفط القياسي كما ان التاجر لا يتأثر بهذا الارتفاع لانه يشتري وبيع حسب سريع السوق ونسبة ربحه معروفة وإنما المستهلك هو المتضرر, وجاء في تقرير لمركز الذهب العالمي إن ارتفاع أسعار النفط في السنتين الأخيرتين أدت إلى خلق جو من التفاؤل لدى المستهلكين في السعودية ودول الخليج النفطية، وانعكس ذلك الارتفاع في استهلاك الذهب, حيث زاد استهلاك الذهب في السعودية بنسبة 13% ووصل الى 39.7 طن في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2004 م . وان السوق ستشهد المزيد من الإقبال على الذهب نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

ويعتبر مواسم الحج والعمرة و الأجازات المدرسية ومواسم الأفراح "الزواج" وكذلك الأعياد, أفضل المواسم لتجارة الذهب التي تشهد انتعاشا وارتفاعا في المبيعات في السعودية, وأسوء المواسم نهاية الأجازات وفترة العودة للأعمال والمدارس, وأشار بعض المتعاملين في السوق لازالت مواسم الطلب على الذهب ضعيفة لما يطمح له التجار, وذلك يعود لصعوبة الأحوال الاقتصادية للأسر الخليجية وانه يتمنى أن تتحسن بزيادة الرواتب.

وصناعة الذهب في السعودية تعتمد سابقا على الأيدي الوطنية التي تتوارث هذه المهنة من جيل إلى جيل, ولازالت ولغاية الآن محلات بيع الذهب في المنطقة الشرقية بالسعودية على سبيل المثال حكرا على السعوديين, ولم تتأثر هذه المحلات بقرار السعودة لأنها تطبقها, ولكن هناك الكثير من المحلات وخاصة في المنطقة الغربية مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف تعتمد على العمالة غير السعودية وخاصة اليمنية ولقد شهدت هذه المحلات تراجعا في عددها ومبيعاتها لفرض هذا النظام. ولقد قامت بعض الشركات الكبيرة بتوطين عدد من الوظائف لديها و أعلنت الجهات الخاصة أن المملكة أتمت سعودة (توطين الوظائف) تجارة الذهب والمجوهرات بالكامل لتأمين نحو 20 ألف وظيفة للمواطنين السعوديين.ولكن هناك من يرى أن صناعة الذهب في السعودية بالذات تواجه تحديات حقيقية لعدم رغبة جيل الشباب بالتخصص في هذا المجال وعدم حب المهنة والإبداع في تصميمها.

و تشير إحصائيات مجلس الذهب العالمي إلى أن حجم العمالة في مجال صناعة الذهب يتجاوز 100 ألف شخص. وتعتبر أسواق منطقة الشرق الأوسط احدى اكبر الأسواق المستهلكة للذهب على النطاق العالمي حيث يقدر استهلاك الذهب في المنطقة بنحو 800 طن سنويا مما يشكل ربع الاستهلاك العالمي, وان 60 بالمائة من الذهب العالمي يمر عبر مدينة دبي.