فواز بن حمد الفواز
تسجل أسعار النفط أرقاما قياسية يوميا في فترة وجيزة إلى أن وصل دخل المملكة إلى نحو مليار دولار في اليوم الواحد. كان هذا الارتفاع quot;مقبولاquot;، بمعنى التعويض عن التضخم العالمي إلى نحو 100 دولار، ولكن بعد ذلك تأتي الأسعار إلى مستوى يؤثر في الطلب في المديين المتوسط والبعيد، ويأتي بأموال لم نكن مستعدين لاستيعابها اقتصاديا أو إدارتها ماليا. في المديين القصير والمتوسط سيكون هناك معدل تضخم عال، نظرا لحاجة المملكة الماسة إلى تعويض ما فات في إكمال البنية التحتية والسيطرة على الدين العام.

أخذت المملكة بنموذج عام لإدارة الأموال على مدى العقود الثلاثة الماضية. أهم ملامح هذا النموذج ما يلي:

أولا: استثمار الأموال المتراكمة في سندات وودائع وأسهم عالمية لاستخدامها في سد عجز الميزانية.

ثانيا: الإسراف في الصرف في فترة الوفرة المالية ثم الحاجة إلى شد الحزام في فترة انخفاض أسعار النفط.

ثالثا: التذبذب الحاد في العوائد (حيث ارتفع سعر النفط من نحو عشرة دولارات في عام 1998 إلى 145 دولارا اليوم)، وبالتالي في الحركة الاقتصادية. رابعا: ضعف التخطيط الاقتصادي وابتعاده عن مواكبة التغيرات المالية. خامسا: يقابل هذه التغيرات رغبة ملحة في الثبات على سعر الريال مقابل الدولار.

سادسا: التزايد التدريجي في المعونات والإعانات والرواتب في الميزانية، ما يقلل المرونة في إدارة السياسة المالية. سابعا: ضعف الإنتاجية في القطاع العام وهروب الأموال من خلال التحويلات إلى الخارج - حقيقة إن كل ريال يصرف في الاقتصاد يجد نحو 85 هللة منه طريقها إلى الخارج. وأخيرا: أخلاقيات العمل الهشة لدى الناس الذين تعودوا على دعم حكومي دون مساءلة.

الملاحظة الأهم هي حول هذه الملامح وما تحمله من تناقضات بين الدوري والهيكلي وبين الاستثمار والاستهلاك ويبن الإنتاجية والاعتماد على الحكومة. هذه التناقضات تجعل من الاستمرار في هذا النموذج من إدارة الأموال والاقتصاد عملية مستحيلة دون حلول جديدة.

المشكلة الأساسية تكمن في عدم ربط هذه الملامح وإفرازات هذه المشكلات دورية كانت أو هيكلية من خلال نموذج اقتصادي واضح. وضوح الحل له معان تتعدى الاقتصادية وتصل إلى ما تحمله السياسات والإجراءات من رسائل إلى النخب والعامة. عدم وضوح الرسالة التنموية يجعل من تنفيذ البرامج الحكومية, مهما صفت النيات, مرتعا للبيروقراطية وقصور التنفيذ وحتى ضعف المصداقية.

تحدي التضخم والبطالة وزحمة المدن والضغط على جميع الخدمات وعدم وضوح نموذج التنمية تجعل الحكومة في وضع محرج في ظل هذا الدخل الكبير، ولذلك فإنه بعد كل هذه التجارب حان الوقت إلى نموذج تنموي اقتصادي آخر.

الحقيقة الأزلية عن الاقتصاد السعودي هي أن الظاهرة المالية هي الغالبة، وأن هذه الظاهرة ستستمر على المدى المنظور على حساب المهارات الاقتصادية. عدم الاعتراف بهذه الحقيقة والتعامل مع المصادر المالية دون تغيير جوهري يكرّس المشكلات ويجعل من تناقض الملامح الآنفة الذكر عملية مستمرة تعيد نفسها أثناء قلة الموارد أو وفرتها. الحل الأسهل والأكثر عدالة والأكثر فاعلية يأتي من خلال توزيع 25 في المائة من دخل النفط مباشرة لكل مواطن يحمل الهوية السعودية بالتساوي، وإزالة الدعم المباشر وغير المباشر للخدمات والمرافق الحكومية، واستخدام 75 في المائة من دخل النفط لإدارة الدولة والاستثمار في المستقبل.

الأخذ بحلول اقتصادية تقليدية مجربة في الخارج دون الإمعان في التجربة السعودية والعمل على حلول خاصة ليس إلا هروبا إلى الأمام.