بدأ قادة الدول الغربية يلمسون أخيرًا نتائج العقوبات الشديدة والصارمة التي فرضوها على إيران، بعدما بدأ المواطنون الإيرانيون بإلقاء اللوم على حكومتهم، لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي، محمّلين إياها مسؤولية التدهور الاقتصادي العسير الذي تتعرّض له بلادهم المصنّفة بين الدول النفطية الغنية.


القاهرة: في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في إيران على هذا النحو، بدأت أعداد متزايدة من المواطنين الإيرانيين تتجه إلى العمل في محطات مترو الأنفاق هناك من أجل بيع بضائع صينية رخيصة الثمن للركاب على أمل توفير أقل ما يمكنهم العيش عليه.

هي المأساة التي سردت تفاصيلها فتاة صغيرة تقوم ببيع تلك البضائع من أجل كسب قوت يومها، وهي إذ تبيع حلياً في إحدى محطات المترو، واجهت مضايقات من جانب الشرطة، على اعتبار أن ما تقوم به غير قانوني.

وقد لفتت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية إلى عويل تلك الفتاة وهي تصرخ بصوت مرتفع، أثار انتباه كل من كان في المحطة quot;ما الذي يجب عليّ أن أفعله؟، فأنا بحاجة إلى أن أعيش، أليس هذا صحيحاً؟. فهل يجب عليّ أن أبيع نفسي إذن؟، وإن لم يكن بوسعي أن أكسب مالاً بتلك الطريقة، فلن تكون أمامي وسيلة أخرى سوي بيع جسديquot;.

بعدها، انصرف رجال الشرطة، سامحين لها بمواصلة بيع بضائعها، بعدما هزت كلماتها مشاعرهم ومشاعر كل من شاهد الواقعة، ومن بينهم باحث صيدلي يدعى باريناز، أوردت عنه الصحيفة قوله quot;تبدو تلك البائعة المتجولة سيدة محترمة. وأنا متأكد أنه إذا كانت لديها أية طريقة أخرى لكسب المال، لما كانت اختارت تلك الطريقةquot;.

ومضت الصحيفة تذكِّر بالعواقب الوخيمة التي نجمت من مجموعة العقوبات الأميركية والأوروبية التي استهدفت صادرات إيران النفطية ونظامها المصرفي، على خلفية برنامجها النووي. ولعل من أبرزها تلك المتعلقة بتراجع قيمة الريال الإيراني، حيث انخفض بنسبة 40 % في مطلع الشهر الجاري، ووقف التضخم بشكل رسمي عند حوالي 24 %. فيما قال خبراء إن الرقم الحقيقي قد يكون ضعف ذلك أو أكثر.

وقال موظف على المعاش يدعى حيدر quot;سمعت مَثلاً شعبيًا من جدي يقول (ارتفاع ضغط الأسعار المتزايدة سوف يكسر ظهورنا). وبأمانة لم يسبق لي أن شعرت بتلك الأزمة، ولم أكن أتخيل حدوثها، لكنني أشاهد بكل سهولة هذه الأيام تكسر العمود الفقري لكثير من الأشخاص، وأنا منهم، أي من المنتمين إلى تلك الطبقة التي تعرف بالطبقة الوسطى. ويمكنني سماع أنين الناس بسبب صعوبة الظروف الاقتصادية حولهمquot;.

واعترف المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي قبل أيام قليلة بأنه في الوقت الذي قد تتسبب فيه العقوبات في إحداث مشكلات، فإن سوء الإدارة قد يزيد من حدة تلك المشكلات.

ورغم الثراء المفترض أن تكون عليه إيران، بفضل إنتاجها النفطي، في مرحلة ما قبل الحظر والعقوبات، والذي كان ينبغي أن يعود بالنفع على المواطنين الكادحين في مثل هذه الظروف، إلا أن إسراف الحكومة فيما تنفقه من مبالغ على مشروعات مكلفة وما تقدمه من صدقات نقدية قد حال دون تقديم يد العون إليهم في تلك الأوضاع الصعبة.

وقد وقَّع حوالي 120 برلمانياً على خطاب يطالبون فيه بالحصول على فرصة لاستجواب الرئيس أحمدي نجاد بخصوص سياساته الاقتصادية، فيما قال رئيس البرلمان علي لاريجاني، وهو خصم سياسي للرئيس منذ فترة طويلة، إن سوء الإدارة مسؤولة عن 80 % من المتاعب والمشكلات المالية التي تئن منها الجمهورية الإسلامية.

في السياق عينه، توقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي لإيران للعام 2012 بنسبة 0.9 %، لينجم من ذلك أول انكماش اقتصادي في البلاد منذ العام 1994.

وكشف تقدير، أعدته وكالة بلومبيرغ خلال شهر آب/ أغسطس الماضي، عن أن إيران تفقد 133 مليون دولار يومياً في صورة عائدات مفقودة بسبب العقوبات، وهي قيمة إجمالية قدرها 48 مليار دولار أو 10 % من الاقتصاد. فبعد شهر واحد فقط من تفعيل العقوبات التي تحظر بيع النفط الإيراني في الأول من تموز/ يوليو الماضي، تراجعت الشحنات الآتية من إيران بمقدار 1.2 مليون برميل يومياً أو 52 %.

وقال سعيد لايلاز، وهو خبير اقتصادي يقيم في طهران، quot;إن الفوضى الاقتصادية التي تشهدها البلاد حالياً هي نتاج المخالفات والفساد وإهدار الموارد، وليست نتيجة التأثير السلبي للعقوباتquot;.

وتابع بقوله: quot;السياسات الاقتصادية الحكومية تمر بحالة من الخلل. ولا أتوقع أن يحدث أي تغيير بالنظام نتيجة للفوضى التي تحدث بين الحين والآخر، ويمكن لأعمال الشغب هذه أن تتسبب في بث حالة من عدم الاستقرار، وليس في تعرّض النظام للانهيارquot;.

وقال مواطن إيراني يحاول دفع مصاريف دراسة ابنه في الخارج: quot;كلنا الآن فقراء معدمون. وهذا أمر رسمي ولا رجعة فيه. وقد جعلني الأميركيون فقيراً، فهل لي أن أحبهم لتجريدي من الأموال التي كانت بحوزتي؟، وهل يمكنهم أن يفوزوا لذلك بقلبي وعقلي ؟quot;.

من جانبهم، أكد القادة الدينيون أن تلك المشكلات المالية ليست سوى مشكلات عابرة، وأنها ستظل قائمة لبعض الوقت فحسب، لأنها ليست بتلك الخطورة المتصورة.

لكنهم استغلوا الفرصة كذلك في تحميل الرئيس أحمدي نجاد قدراً من المسؤولية. واتفق كثير من المواطنين على أن عدداً كبيراً من الأسر الإيرانية يشعر بتلك الظروف المعيشية الصعبة على نحو غير مسبوق، في الوقت الذي يرون أنه لا بد من تعديل مسار الاقتصاد، وجعله أكثر متانة، وهي المهمة التي تزيد العقوبات من صعوبتها.