في ( حفلة عيد الميلاد) …

خشبة مسرح Duchess

الكلمات، الكلمات، الكلمات...

يمكن للكلمات أن تشيع البهجة في النفس، مثلما يمكنها أن تجلب الحزن والعزاء والألم، لكنها، ، وبوسع الكلمات أيضاً، أن تصبح مصدراً للتهديد وبعث الهلع في النفس. أقول هذا لأن قوة اللغة وقابليتها على الأقناع والتغيير، تشكلان العصب الرئيسي لمسرحية بنتر " حفلة عيد الميلاد" ، فديالوجها المقتصد، الموجز والتلميحي، إلى جانب وجود الصمت والوقفات، العنصران اللذان يكملان إيقاع ومدلول الكلمات التي لم تقال، والتي عادة ما يتركها الكاتب لذهن المتفرج ومخيلته، كساحة رحبة للتأويل والتفسير. هذه العناصر جميعاً هي التي تشكل هيكل وبنية الدراما البنترية. يقول هارولد بنتر: "هناك نوعان من الصمت، الأول، حين لاتوجد كلمات لتقال، والثاني، حين يصبح سيل اللغة مثل سحابة دخان تمنعنا عن السماع. " حفلة عيد الميلاد" شيدّتْ على هذين النوعين من الصمت". إن اللغة البنترية، بتورياتها والتباساتها، تتخذ مسارات ومستويات تتوزع على حقول متباعدة ومتجاورة في آن، بدءاً بالواقعي مروراً بالسيكولوجي وإنتهاءً بالميثولوجي. مفرداته كسولة، مترنحة، مبتورة وملغزة حيناً، وفي الحين الآخر أشبه بشفرات حلاقة تقطع كل ما يعترضها!. أما المكان فهو يشكل أيضاً عنصراً جوهرياً في بناء دراماته، فهو الآخر يتخذ، إلى جانب بعده الواقعي، أبعاداً رمزية وأحياناً سوريالية. فالغرفة، مثلاً، تتكرر في جـل نتاجاته المبكرة، وهي توحي بفضاء الحلم وحيز المخيلة، إنها الملجأ أو الدرع الذي يقيك رعب وتهديد الخارج، وهي في حفلة عيد الميلاد، تتماهى ورحم الأم بدفئه وحنوه وأمنه، وستانلي، الشخصية الرئيسية في المسرحية، هو الآخر يتماهى وصورة الجنين، الذي تنتزعه أيادي غريبة لتقذف به إلى العالم الأجرد البارد القاسي.
كتب هارولد بنتر هذه المسرحية عام 1959، وقد أعتبرها النقاد يومها، إلى جانب " أنتظار غودو، الأم شجاعة، وأنظر إلى الوراء بغضب" بمثابة النبع الرئيسي الذي تدفقت منه في ما بعد كل أنهر الدراما البريطانية الحديثة للنصف الثاني من القرن العشرين. وقد شكلت كوميديا " حفلة عيد الميلاد" إلى جانب كوميدياته الثلاث ( الغرفة، الخادم الأخرس، الحارس) تياراً تجريبياً حديثاً عرف يومها بـ: ( كوميديا التهديد )/

حبكة الكوميديا

تجري أحداث المسرحية في منزل ساحلي " بانسيون" قذر ومنعزل، تسكنه عجوز اسمها ميغ وزوجها العجوز بيتر عامل البواخر في الماضي. ستانلي هو عازف بيانو، شاب في ثلاثيناته، قدم منذ عام إلى هذا المنزل ليسكن احدى غرفه، وهو النزيل الوحيد فيه، والذي لم يجتاز عتبته منذ لحظة وصوله!. هذه هي جل المعلومات التي يقدمها لنا بنترعن بطله، عبر ديالوغ هزلي لايخضع لمنطق يدور في أستهلال العرض على مائدة الأفطار، بين العجوز الخرفة المتصابية ميغ ( الممثلة إيلين أتكنز) وستانلي ( الممثل بول ريتر). هكذا، ومنذ البدء، نحن قبالة أنسان ذو ماضي غامض وراهن مشوش. الممثل بول ريتر، ومنذ وقت مبكر من العرض، جسّد لنا شخصية ستانلي، كما لو أنه رجلاً عقيماً، خائفاً ومحبطاً، معّوقاً، ودوداً وعدوانياً ولا يأتمن أحداً.
في تعنيفه وتوبيخه للعجوز ميغ بشأن نوعية الفطور، وزجره المتواصل لجارتهم اللعوب لولو " الممثلة سينيد ماثيوس " والتي تربطه بها علاقة ما ملتبسة، نقرأ في ستانلي شخصية عصابية تتماهى وسلوك كلب الوبت المفترس السريع العدو!. لكنه، مع ذلك، يشعر بالطمأنينة في هذا المكان المنعزل، بل يحس أنه هو سّيد المكان.
حين تقترح العجوز المولعة به أقامة حفلة عيد ميلاد له، رغم جهلها بتأريخ يوم الميلاد، نبتدأ بمتابعة مسار كوميديا يطبعها لونان متجاوران ومتعارضان، أحدهما فكه لامعقول، والآخر مقلق ومّهدد.
تجلب صاحبة المنزل ميغ هدية لستانلي هي عبارة عن طبل صغير أشبه بلعبة، وتبدأ الأستعدادات لتهيئة الحفل بهذه العفوية والبراءة وروح الدعابة، بعد أن تنضم إليهما لولو المغناج. فجأة ُتطرق الباب، ويظهر من خلفها رجلان قدما بحثاً عن غرفة للسكن، أحدهما يهودي انكليزي يدعى غولدبيرغ ، الممثل هنري جوود مان، والآخر إيرلندي كاثوليكي أسمه ماكـّان (الممثل فينبار لينتش) والذي يبدو منذ الوهلة الأولى شخصاً شريراً وأنطوائياً. حال دخول الغريبين البانسيون يشرعان فوراً ومن دون أي مقدمات في استجواب ميغ بشأن نزيلها الذي يجهلان حتى اسمه. يتقهقر ستانلي، لحظة سماعه حديثهما مع صاحبة المنزل، ليختبىء في ركن من أركان المطبخ، فتتسلل إلينا الجملة المرعبة الأولى في سياق حديثهما حيث يسأل أحدهما الآخر: "هل تظن أننا في المكان المعني؟ " يجيبه الآخر: " لا أعرف. لم أنتبه إلى رقم المنزل."!.
حين تخبر العجوز الغريبان بحفلة عيد ميلاد نزيلها، يتبرع الأثنان بعجالة وبشكل مثير للقلق، أن تقام تلك الحفلة على حسابهما الخاص. مع ذلك، ورغم رفض ستانلي الدعوة ولسبب منطقي هو أن اليوم الذي يسعون لأقامة الحفل فيه هو ببساطة ليس تأريخ يوم ميلاده، إلا أن الرجلين يصران على ذلك ويقام الحفل عنوة.
يبتدأ طقس الحفل بقيام الأيرلندي بتجريد ستانلي من عويناته وشد عينيه بعصابة ليلعبا لعبة الغميّضة، فيما ينفرد اليهودي بمغازلة لولو صديقة ستانلي، وويتواصل الحفل إلى ساعة متأخرة من الليل، عندذاك تنصرف العجوز في نهاية الحفل ووتتبعها لولو فينفرد الرجلان بستانلي، ويبدأ طقس الأستجواب الحقيقي!
إن الأسئلة التي يرشقونها بوجهه هي أشبه بشرر النار، سريعة،غير مترابطة، ولا تقدم لنا أية معلومة توضح طبيعة التهمة الموجهة ضده. فمن التهم التي توجه ضده، أنه كان السبب وراء موت خطيبته لأنه لم يتزوجها.. أو أنه لم يدفع الأيجار.. أو أنه نتن..أو لماذا ُكسر أنفك؟.. لماذا تظن أنك موجود؟..أو ماذا تظن نفسك؟ وهذا الأخير، كما يبدو، هو السؤال الجوهري في المسرحية.
وهكذا يتحول المكان فجأة إلى مايشبه صالة عمليات ولادة، أو غرفة تعذيب يخضع فيها ستانلي لعملية غسل دماغ قاسية، معذبة وقذرة، يفقد خلالها قدرته على النطق، وهذا هو بمثابة مجاز لسحق شخصيته وهويته وأنسانيته، ليولد في اليوم الثاني إنسان آخر، ستانلي آخر مرتدياً بدلة شبيهة ببدلتيهما، وبعدها يقودانه إلى الخارج دون أن تصدر عنه كلمة. أما حفلة عيد الميلاد، والذي هو عنوان المسرحية، فلم يكن القصد منه هنا، الذكرى السنوية لميلاد ستانلي، بل هو اليوم الذي سيولد فيه ستانلي الآخر، والذي يختلف تماماً عن ستانلي قبيل تلك الحفلة!. مع ذلك، فإن بنتر لايمرر الأمر هكذا دون تلميح ولو بسيط لشيء من المقاومة، وهذا ما يتجسد في جملة العجوز بيتر الأخيرة، تلك الجملة المرتجفة والخائفة وهو يهمسها لستانلي بنبرة حزينة خارجة من روح مسحوقة قائلاً: " ستانلي، لاتدعهم يقولون لك ماذا يجب أن تفعل." هذه الجملة سيظل صداها يرن في أعماقنا حتى بعد مغادرتنا القاعة. حين نتأمل هذا المشهد المرعب، تقفز إلى الذهن أسئلة عديدة:
من هو ستانلي؟
لماذا جاء ليسكن في هذا المنزل الساحلي المنعزل؟
ومن هما هذان الرجلان؟
بنتر لايجيب على أسئلة كهذه، بالطبع، بل يترك لنا هذه الصفحات الفارغة من النص لتستكمله مخيلتنا، والأصح أن مسرح بنتر، وبيكيت أيضاً، الجوهري فيهما هو ليس أن يجرّب المتفرج إدراك ما يجري أمامه على خشبة المسرح، بل هو نوعية وشكل إستجابات ذلك المتفرج أزاء ما يحدث.
يقيناً أن الرجلين قدما إلى هنا من أجل ستانلي، وواضح من هيئتهما وسلوكهما أنهما أشبه بقتلة مأجورين من النوع البربري والقذر جداً، أو أنهما أعضاء في منظمة دينية أو سياسية أو أرهابية و
" لا ننسى أن أحدهما أيرلندي والآخر يهودي !" قدما بحثاً عن طريدتهما!. بل أن خوف ستانلي وترقبه بوصولهما، يترك مسحة من الشك من أنه هو نفسه، ربما، كان عضواً في منظمة ما سرية، وكان قد هرب منها منذ عام، فجاء ليختبىء هنا، وهو السبب المنطقي لقدومهما من أجل إعادته بالقوة. أو ربما هو هارب من أحد المصحات العقلية.. من يدري! أو... أنه فنان معتكف في عالمه التخييلي الخاص، ُيقتحم من قبل رجلان مجهولان ـ هما بمثابة ترميز للواقع، بكل عنف ووحشية مؤسساته الدينية والمدنية ـ قدما من الخارج لأخضاع روحه وعقليته لتقاليد هو يرفضها.
كل شيء ممكن، لكن الشيء المؤكد حقاً، أن هذان الشخصان جاءا لتقويض ستانلي وقد نجحا في أنتزاعه من عالمه الخاص لغرض مسخ شخصيته وأنسانيته. ومع ذلك، ينبغي معرفة كيفية تقيّيم مفاهيم الهزيمة والأنتصار في معادلة كهذه؟
إن بنتر يمتلك رؤىً شعرية لموضوعة الهزيمة والأنتصار، فما كان أنتصاراً للرجلين يصبح هزيمة لهما، فهو، أي بنتر، لم يغفل من أظهارهما، وبشكل متزايد، في حالة من عدم الأمان والأطمئنان.فعلى الرغم مما حققاه من نجاح في أخضاع ضحيتهما، إلا أنهما شعرا بالهزيمة في الآخِر. فاليهودي غولبيرغ يعترف لصاحبه الأيرلندي في النهاية بقوله:" لا أعرف لماذا أشعر أنني هزمت." أما ماكـّان، فأنه يرفض الصعود مرة أخرى إلى غرفة ستانلي لأستئناف عملية الأستجواب، مما يخلق توتراً بينهما يصل حد التهديد، وهذا مايضاعف حدة الرعب في المسرحية، حيث توحي الصورة أن الجلادان غير آمنين على أنفسهما من الهجمات.
إن وظيفة هذين الرجلين في الواقع وكما ذكرنا، أنهما رموز للعنف والقوة والتهديد القائم خارج هذا العالم الخاص، وإذا أردنا أن نضيف لهما بعداً فلسفياً آخر نقول يمكن أن يكونا أشبه برسل الموت، وماشاهدناه، لم يكن سوى صورة لمجرى عملية الموت ذاتها، بشكلها التجريدي، وهما جاءا لنقل ضحيتهما إلى العالم الآخر، مدركين تماماً حقيقة أن الموت يصيب جميع الناس بمن فيهم رسله!.

التماهي والبطل الكافكوي

المخرج ليندسي بوسنر قرأ النص البينتري بمزاج كافكوي، وقد سعى العرض إلى نوع من لمقاربة بين ستانلي بنتر و بطل محاكمة كافكا جوزيف كاف. إن شخصيات حفلة عيد الميلاد وفضاءها يعيدان إلى الأذهان حقاً مناخ رواية المحاكمة، فستانلي يحمل الكثير من صفات وسلوك جوزيف ك، بل أن مصيرهما يكاد يكون واحداً، أما وظيفة سجانيّ جوزيف ك، فهي شبيهة تماماً بوظيفة الرجلين اللذين أقتحما عالم ستانلي، وهي جعل ضحيتهما تشك ببراءتها وأمنها، ومن بعد القيام بشل كامل ارادتها.
ستانلي يبدو لنا عصابياً حتى قبل حضور الرجلين، فالتهديد الذي كان يوجهه إلى العجوز ميغ سينقلب ضده حال وصولهما، وهو يبدو مستعد بشكل آلي لخوض تجربة الشعور بالأضطهاد، تلك التي تنخر أعماقه، بل يمكن القول أن حضورهما هو بمثابة مجاز للعنصر الخارجي الذي فجّر طاقة الرعب والتهديد الكامنتين في داخله، تلك التي تعكس شعوره المتزايد بالأضطهاد، وهي حالة تكاد تشبه نزاع الأنسان مع خطيئته الأولى، بمغزاها الوجداني والشعري والفلسفي، وهذا ما يمكن العثور على مرآة له في شخصية جوزيف ك نفسه. جوزيف ك وستانلي كلاهما يحاول تأسيس برائته عن طريق هجوم جنسي عقيم،الأول على الفتاة بوشنر، والثاني على لولو، وغرضهما، معاً، هو ليس المتعة، بل هدفاً في أثبات رجولتهما، التي هي في الآخر، شكلاً من أشكال براءتهما!.
جوزيف ك بأحساسه وهو يؤكد ذاته في محيطه المنزلي، يبدو إلى حد ما، كما لو أنه يشيّد جداراً واقياً ضد عالم الخديعة والجور المتمثلان بتلك المحاكمة.
بنتر وكافكا، كلاهما أرادا القول، أن لاوجود لعالم البراءة أو لأنسان بريء، والبراءة، مع وقف التنفيذ، تبيح لصاحبها أن يستأنف العيش في ظل تهديد دائم بأعتقاله وملاحقته من جديد. حين يأخذ الرجلان ستانلي في الآخِر ويذهبان به إلى وجهة مجهولة، نعثر على العجوزين ميغ وبيتر وهما يتناولان إفطارهما كما في مستهل العرض، بإنتظار ساكن آخر جديد. تحذف ميغ أسم ستانلي من سجل النزلاء، كما لو أنها تحذفه من الوجود، لتعود رتابة كل شيء كما في السابق، إلاّ إن جملة العجوز بيتر تظل ترن في الأعماق حتى بعد نزول الستارة: "ستانلي، لاتدعهم يقولون لك ماذا يجب عليك أن تفعل."!.

[email protected]

اقرأ: منح هارولد بنتر جائزة نوبل للآداب