يقولون من رأى بلوة غيره هانت عليه بلوته واحمد الله أن جعلني أرى بلوة الرئيس السوري بشار الأسد حتى تهون علي بلوتي وهي فشلي في تحقيق إحدى أمنيات الطفولة وهي أن أكون رئيسا للجمهورية، أي جمهورية بشرط أن تكون عربية وربما كنت متأثرا في حلمي القديم هذا بهول الصولجان والنفوذ والشعبية التي يتمتع بها الرؤساء العرب في زمن السبعينات والثمانينات قبل أن تتخلص أميركا من شريكها الاتحاد السوفييتي في صدارة العالم الذي تحول إلى قطع تبيع نفسها وصداقتها لمن يدفع أكثر ويتفرغ سادة البيت الأبيض لاصطياد الزعماء العرب المساكين بالغث والسمين من الأخطاء الزعامية العربية التي اعتدنا عليها.
لكن لأنني عشت وشفت ما الم برؤساء اغلب الدول العربية من هوان ومذلة على أيدي السيد بوش ورفاقه الذين بلغت بهم الجرأة أن يتدخلوا في صميم السياسات الداخلية والخارجية لدول عربية كثيرة وربما يحددوا لزعمائها ماذا يرتدون وأي طعام يتناولونه على الإفطار، أقول لأنني رأيت هذا بأم عيني فقد تحول إحساسي بالفشل في أن أكون رئيسا للجمهورية إلى مصر للسعادة والراحة ولا اخفي عليكم بعض الشماتة في رجال حصلوا على الكثير مما يستحقونه وما لا يستحقونه تحت شعار "لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون" التي استخدمها المغفور له الشيخ الشعراوي ذات يوم في إحدى جلسات مجلس الشعب المصري ليرد بها على النواب الذين طالبوا بمساءلة الرئيس الراحل أنور السادات عن سياساته الخارجية التي أضرت بمصالح مصر حسبما كانوا يرون وقتها، لكنني بعد أن أفقت إلى نفسي وجدتني اشعر بتعاطف شديد مع الرئيس السوري بشار الأسد في الموقف المتأزم الذي يعيشه نظامه في الوقت الراهن حيث يزداد المتربصين به يوما بعد يوم فيما تتجه سيطرته على الأمور الداخلية والخارجية تتحلل بمرور الوقت وبات الآن في موقف لا يحسد عليه خصوصا بعد صدور تقرير ميليس الذي وجه إدانة صريحة لسوريا في اغتيال الحريري.
والآن يجد الرئيس الأسد نفسه مطالبا بخوض امتحان سبق وان رسب فيه كل الزعماء العرب الذين دخلوه قبله وان كان بعضهم تأجل إعلان رسوبه لحين خوض امتحان الملحق، رغم أن هذا الامتحان لا يضم سوى سؤال واحد إجباري هو "كيف تستطيع إرضاء الإدارة الاميركية وفي نفس الوقت لا تفقد شرعيتك الداخلية أمام شعبك على اعتبار انك تستمد وجودك على رأس السلطة وتحكمك طويل الأمد في أقدار ورؤوس شعبك من كونك نظاما ثوريا على الإمبريالية العالمية وعلى الخضوع والخنوع إلى أخر هذه الشعارات التي كانت نجمة السوق يوما ما قبل أن تدخل إلى مخازن النظام العالمي الجديد؟"
وحتى أكون منصفا فأن العيب ليس في الدكتور بشار الأسد وإنما في أن السؤال من خارج المنهج إذ لا توجد أدوات محددة تساعد على الإجابة ولا نموذج يمكن القياس عليه ليعرف نسبة نجاحه في الامتحان الاميركي، فالرجل لا يستطيع الخضوع بسهولة إلى المطالب الاميركية وكلها تفقده بريقه الثوري الداخلي الممتد منذ زمن والده حافظ الأسد والذي اتاح له أن يحكم بلاده بالحديد والنار لعقود طويلة فضلا عن أن الخضوع إذا فعله لن يكفيه شر الاميركان وسيضمن بقائه في السلطة وإنما سيكون ذلك في الغالب مرحلة ضرورية لإزالته نهائيا بعد أن يخسر التأييد الشعبي له، كما أن الرئيس السوري لا يجد أوراقا يلاعب بها الاميركان مثلما كان يحدث أيام العز والقطبية الثنائية فلا قوة يمكن التعويل عليها لمساندة سوريا أو حتى الدفاع عنها من الهجمة الاميركية لان روسيا غارقة في مشاكلها وأوروبا وهي القوة الوحيدة التي كان يمكن أن تساعد اختارت السير في فلك العم سام أما العرب والتكاتف العربي فكما يقول المصريون "أيدك منه والأرض" ولن يسمع بشار الأسد من نظرائه العرب إذا حاول الاستنجاد بهم سوى نصائح بالانصياع التام لأميركا.
ماذا تفعل لو كنت مكانه؟! سؤال أصعب من السؤال الأول لكن الميزة النسبية فيه انه سؤال اختياري لست ملزما بالإجابة عنه، وعن نفسي فأظن أن الخطوة الأولى لتحديد طريقة تعاملي مع الأزمة الحالية أن أحاول تحديد ما الذي يريده الاميركان من التصعيد المستمر ضد النظام السوري في الشهور الأخيرة خصوصا، وهل المسألة يمكن أن تنصلح إذا ما أجريت الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة وتعاونت مع الهيئات الدولية وبسطت للمستر بوش جناح الذل من الرحمة أم أن طريق التنازلات لن يتنهي حتى يتحقق المطلوب وهو الهيمنة الاميركية ومن ثم الإسرائيلية الكاملة على مقدرات سوريا؟!.
ورغم أهمية الإجابة على هذا السؤال إلا انه لن يكون كفيلا بالنجاح في عبور الأزمة لان النظام السوري لن يجد في الغالب أوراقا أو كروتا يراهن عليه في صراعه مع البيت الأبيض وظني انه سيكون وقتها أمام واحد من خيارين اولهما أن يسلم مفاتيح دمشق إلى المندوب السامي الاميركي ويرحل سالما أو أن يتصرف بطريقة ثورية ويشعل المنطقة بأكملها على طريق شمشون "علي وعلى أعدائي".
- آخر تحديث :















التعليقات