الرفض التركي على سيل مبادرات المثقفين الترك والكرد والعرب،الداعية لوقف إطلاق النار وإنهاء حالة الحرب الدائرة في كردستان،جاءّ مزدوجاً: أولاً: رئيس الوزراء، والمسؤول الأول في حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان قالّ في سياق تبريره لصد مناشدات المثقفين هذه: "إن التعامل الوحيد مع الإرهاب هو الرصاص،ولايمكن لتركيا أنّ تحاورّ الإرهابيين وتتخذهم نداً لها أبداً". وجاءت تصريحات أردوعان هذه، خلال إجتماعه معّ سفراء دول الإتحاد الأوروبي، الذين عبروا له عن قلق بلدانهم من إستمرار وتصاعد العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في مناطق جنوب شرق تركيا(إقليم كردستان).الثاني: موقف المؤسسة العسكرية، وجاءّ على لسان قائد القوات البرية والرجل الأشرس في الجيش التركي الجنرال يشار بويكونيت، الذي قالّ خلال زيارة له لليونان: "إنّ العمليات العسكرية ضد قواعد الإرهابيين ستستمر"، وإنه "لاحد يملك الحق في منع تركيا من محاربة الإرهاب"، كما لا أحد يملك الحق، نفس الحق، في "تقديم النصح والإرشاد للأتراك فيما يتعلق بطرق وكيفية المعاملة مع التمرد الحاصل في جنوب شرق البلاد".
والحال إنّ المؤسسة العسكرية التركية بدأت ومنذ مطلع العام الجاري في تصعيد وتطوير حملاتها العسكرية الهادفة لضرب وإنهاء قوات حماية الشعب(الجناح العسكري لمؤتمر الشعب الكردستاني)، وترافقت حملات الربيع الدورية التي تقوم بها القوات التركية كل عام معّ تجييش وتجنيد عشرات الآلاف من الجنود المدربين، وأعضاء القوات الخاصة التركية السيئة السمعة وإحضار كل هذه الحشود إلى كردستان لمواجهة المقاتلين الكرد،الذينّ تقول تركيا إنّ قوتهم فاعليتهم قد أزدادت وإرتقت، لتصبح في نفس المستوى الذي كانت عليه قبل سبعة أعوام: أي قبل أنّ تعلنّ القوات الكردية عملية وقف لإطلاق النار من جانب واحد، وأيضاً قبل أن تختطف تركيا( بمساعدة من المخابرات الأميركية والإسرائيلية،كما ينبغي علينا التذكر دائماً) زعيم الحزب عبدالله أوجلان من كينيا، والذي روجتّ الصحافة التركية بعدّ عملية خطفه مباشرة، بتهواي الثورة الكردية التاسعة والعشرين، وإنطفاء جذوة الثورة، وللأبد...
ولم تتوقف الدولة التركية عند تصعيد وتوسيع عملياتها العسكرية في كردستان( معّ كل مايرافق ذلك من عنف و إعتقال للمدنيين، وتشويه وحشي لجثث المقاتلين الكرد: في وحشية مٌستعادة طبعت السلوك العسكري التركي على مر التاريخ). وعمدت الدولة التركية على تصعيّد حالة العزلة المفروضة على أوجلان، ولجئت إلى "شرعنّة" هذه العزلة بإستصدار قانون الجزاء الخاص الذي أصدره البرلمان التركي بخصوص أوجلان. حيثٌ صدرّ (قانون الجزاء) الذيّ يفرض مراقبة دائمة على أوجلان في سجنه الإنفرادي في جزيرة إيمرالي النائية، ويٌهيئ دركياً تركياً، يٌسجل كل شاردة وواردة تصدر عنه أثناء حديثه مع أهله ومحاميه طيلة مدة ساعة الزيارة الإسبوعية تلك،الأمر الذي دعى أوجلان للإحتجاج على هذا القرار الجائر، والطلبّ من محاميه تعليق زيارتهم له في حال دوام مثل هذه المعاملة المناقضة للقوانين الوضعية والشرائع الإنسانية.
كما أصدرّت الحكومة التركية قراراً تعسفياً آخراً، من محكمة الجزاء العليا في إسطنبول هذه المرة، وهو يقضي بمنع ثمانية من مٌحامييّ أوجلان من مزاولة مهنة المحاماة مدة سنة كاملة، وذلك بحجة "تجييرهم مهنة المحاماة للقيام بمهام تنظيمية وحزبية" حسب إدعاء المحكمة التركية الإستثنائية. وعليه، فقد قضت المحكمة بمنع المٌحامين آيسيل توكلوك، عرفان دوندار، أحمد أفشار، دوغان أرباش، خديجة كوركوت،آيدين أوروج، محمود شاكار، وتوركان أسلان، من مزاولة المحاماة مدة سنة كاملة.ناهيكّ بالطبع عن المضايقات الدائمة بحق الأحزاب والشخصيات والمؤسسات الكردية المرخصة في تركيا: فحزب (ديمقراطية الشعب) أكبرالأحزاب الكردية المرخصة في البلاد ينتظر قراراً بحله أمام القضاء التركي( الغير عادل أبداً)، وحركة المجتمع الديمقراطي الناهضة الآن بقيادة النائبة الكردية المعروفة ليلى زانا ورفاقها السجناء السابقون في سجون الدولة التركية، تتعرض لمضايقات يومية من قوى الأمن التركية ومجموعات (الذئاب الرمادية) المدعومة من (الميت) التركي لرصد التحركات الميدانية الكردية، وإجهاض أية محاولة بنائية كردية في المشهد السياسي الكردي المرخص في تركيا. فالحكومة التركية من جهة والجيش التركي ومؤسساته القمعية من جهة ثانية، يقودون ومنذ عدة شهور، حملة تصفية كبيرة للقوات الكردية في كردستان، وإجهاض أي بادرة كردية تأطيرية لتقدم وإرتقاء المشروع السياسي الكردي السلمي: المحمي من الإتحاد الأوروبي، والنامي تحت وطأة الضغوطات الأوروبية على تركيا...
في هذا الجو المشحون، برزت مبادرة المثقفين الكرد والترك الرامية لوقف الحرب الدامية في أقاليم كردستان. فقد بادرّ نحو مائة وأربعون مثقفاً كردياً وتركياً على التوقيع على مبادرة تطلب من قوات حماية الشعب إعادة النظر في قرارها إستئناف إطلاق النار، كانت قد أعلنت تجميده منذ عدة شهور، رداً على الحملات العسكرية التصفوية التركية، كما تدعو الحكومة التركية للعمل على إيجاد حل شامل للقضية الكردية عن طريق الحوار والتفاوض.
وجاءّ في نص الرسالة التي وجهها مثقفون وكتاب وروائيون ترك وكرد، والتي كشفوا مضمونها في مؤتمر صحافي عقدوه في فندق تاكسيم هين في مدينة إسطنبول منذ أيام، إنّ على قوات حماية الشعب الإعلان عن وقف إطلاق النار وتعليق عملياتها العسكرية ضد قوات الجيش التركي. كمّا دعت رسالة المناشدة حكومة حزب العدالة والتنمية التركية إلى وقف حملاتها العسكرية في كردستان والبدء في التفاوض من أجل حل القضية الكردية في تركيا حلاً ديمقراطياً شاملاً.
وجاءّ في الرسالة أيضاً، إنّ الفترة السابقة شهدت مصادمات دامية بين الطرفين أسفرت عن أعداد كبيرة من الضحايا،حيث بلغ مجموع من سقطوا في المواجهات في شهر أيار/مايو الماضي أكثر من خمسين شخصاً، ووردّ كذلك: "إننا ولكي ننهي هذا المشهد المحزن علينا بوقف العنف والإرتكان للحوار والتفاوض لحل المشاكل العالقة، للوصول إلى السلام الدائم الذي ينهي عملية إراقة الدماء في كلا الجانبين"...
وتابعّ الموقعون في بيانهم "إنّ الحل لن يكون بهجوم الجيش التركي على معاقل المقاتلين الكرد في جبال قنديل أو البدء بضربات عسكرية مستمرة، فبدل ذلك يجب البحث عن آلية حل مناسبة لهذه القضية، ولاباس باخذ تجارب البلدان التي تتشابه حالها مع الواقع التركي الحالي، للإستفادة من خبراتها في حل هذه المشكلة".
هذا والجدير بالذكر إنّ اللائحة ضمت أسماء مشهورة في عالم الثقافة والأدب في تركيا من بينها: أورهان باموك، توكتامش أتش، محمد باكارأوغلو، عدالت أغاأوغلو، موجده أر، فكري ساغلار، أكين بيردال، زينب اورال، وغيرهم.
ورغمّ الخلل البادي في "طلبية" البيان ومناشدته الجانب الكردي لوقف إطلاق النار،وليس هو البادي والمبادر،عكس القوات التركية،إلا إنّ المبادرة أتت كخطرة جريئة وجيدة إستقبلها المسؤولون السياسيون والعسكريون في (مؤتمر الشعب الكردستاني) بالترحاب وأبدوا حماساً في تطويرها وتفعيلها ودراستها دراسة جادة ومسؤولة.
وقد إنضمّ حوالي مائتين وثلاثة وستين مثقفاً كردياً بينهم وزراء و برلمانيون وفنانون معروفين لهذه المبادرة وناشدوا بدورهم قوات حماية الشعب والحكومة التركية على إعلان وقف إطلاق النار والبدأ في التفاوض والحوار لحل القضية الكردية.ومن هذه الأسماء الموقعة : الوزير السابق عدنان أكم، الناشرعبدالله كسكين، النائب السابق طارق زيا إيكينجي، الفنان كمال قهرمان، الصحافي فريد هايفا، وكمال بيرلك وغيرهم...
وقد تحدث السيد زيا أكينجي للصحفيين قائلاً: "إنّ لاأحد يستطيع إنكار وجود الشعب الكردي في تركيا، وإنّ هذا الشعب يرغب في ممارسة ثقافته وحقوقه القومية المشروعة بدون منع أو مصادرة كما هو حاصل الآن". وتابع أيكينجي إنهم "يضمون صوتهم لصوت مثقفي الشعب التركي لضرورة إعلان وقف لإطلاق النار ووجوب حل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً عادلاً، وعلى أساس المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين الجميع". بل تجاوزّ السيد أيكينجي بعضاً من خطوط أتاتورك الحمراء حينما ألمحّ في رده على سؤال أحد الصحفيين إذما كان العفو المقترح من قبل الموقعين سيشمل أوجلان نفسه، بقوله: "يجب أن يشمل العفو الجميع وفي مقدمتهم أوجلان أيضاُ، طالما ونحن نتحدث عن حل شامل للقضية الكردية في تركيا".
كردياً،و رداً على مبادرة المثقفين الكرد والترك، قالّ زبير آيدار رئيس مؤتمر الشعب الكردستاني في حديث لفضائية (روج تفي) ،إنّ المبادرة في حد ذاتها خطوة جيدة ومهمة في الوقت الراهن، وإنهم في مؤتمر الشعب الكردستاني يؤيدون مثل هذه المبادرات لتفعيل دور المجتمع المدني وقواه الحية في الحياة السياسية وللعب دور كبير في حل القضايا الكبرى العالقة في البلاد.
كمّا أيدّ تونجار باكراهان رئيس حزب ديمقراطية الشعب،كبرى الأحزاب الكردية المرخصة في تركيا، المبادرة. وقالّ إنهم بدورهم "مستعدون لتقديم كافة أنواع المساعدة والإسناد لتفعيل وتطوير المبادرة"، كمّا دعى باكراهان "كافة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنقابات الشعبية وغرف الصناعة والشخصيات المستقلة في البلاد للمساهمة في هذا الحراك السياسي".
في الأثناءّ، بادرّ المثقفون العرب في (التجمع العربي لنصرة القضية الكردية) إلى الإنضمام لزملائهم الكرد والترك في مطالبة الجيش التركي إنهاء حالة الحرب في كردستان(تلك الحرب التي قالت صحيفة الواشنطن بوست قبل بضعة أيام إنها كلفت الجيش التركي،وفي غضون الأشهر القليلة الماضية، أعداداً من القتلى فاقت أعداد القتلى في صفوف الجيش الأميركي منذ التدخل في العراق) والعمل على حل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً عادلاً. وجاءّ في بيان أصدره التجمع وصاغه الصديق الأكاديمي الفلسطيني د.أحمد أبومطر "إننا في التجمع العربي لدعم القضية الكردية ، نعلن عن دعمنا لمبادرة إنهاء العنف الصادرة عن لقاء المثقفين الأكراد والترك ، لأنه يكفي كل هذه العقود من التجاهل لحقوق الشعب الكردي وإرتكاب الجرائم والتعديات بحقه ، ونثمن كافة المواقف الكردية التي دعمت هذه المبادرة وأعلنت عن دعمها لها من أجل الوصول الى حل عادل للقضية الكردية يحفظ دماء الشعبين الكردي والتركي وفي نفس السياق ننوه بموافقة مؤتمر الشعب الكردستاني على دعم المبادرة ووقف إطلاق النار في حالة إلتزام الجانب التركي بذلك".
وأدانّ التجمع الذي يضم حوالي 400 شخصية عربية ثقافية وسياسية وفكرية صديقة للشعب الكردي، موقف الحكومة والمؤسسة العسكرية التركية الغير مسؤول وقالّ "جاءت المواقف الحكومية التركية المتشددة الرافضة لهذه المبادرة، دلالة على تمادي السلطات العسكرية التركية في كافة أعمالها لإرهاب الشعب الكردي ومواصلة التنكر لحقوقه القومية المشروعة،إننا في التجمع العربي لدعم القضية الكردية نعتبر هذا تعبيرا عن العقلية العسكرية التركية التي هي تخطط للسياسة التركية المتنكرة طوال العقود الماضية لحقوق الشعب الكردي ، والتي تسمي نضال مؤتمر الشعب الكردي إرهابا في حين أن ما تمارسه بحق الشعب الكردي هو الإرهاب بعينه".
والحال،إنّ هذه الموجة من المبادرات المنطلقة من لدن المئات من المثقفين والشخصيات الكردية والعربية والتركية، المطالبة بالتغيير في سياسة الدولة التركية حيالّ قضية الشعب الكردي في شمالي كردستان،إصطدمت، حتى قبل أنّ تأخذ حجمها الإعلامي المطلوب، بالرفض العسكري والحكومي التركي. فبنائية الدولة التركية بشموليتها المنغلقة والمستندة على مزامير أتاتورك وتابوهاته إزاء مجموعة من القضايا المتعلقة بأسس ومرجعيات تركيا الحديثة، تحولٌ دون التجاوب الحكومي والمؤسسي التركي مع كم هذه المبادرات.
وإذا كانّ الجانب الكردي يملك كل الشجاعة والمرونة في تقبل مناشدات المثقفين هذه،رغم كم الملاحظات المشروعة هنا وهناك، فإنّ الجانب التركي لا يتوافر فيه أحد يمتلك نفس الشجاعة التي تتجرأ لمناقشة، ولو لمجرد المناقشة فقط، لمحتوى هذه المبادرات، لأنه حينئذ يصبح(ذلك "الأحد"..) مناقشاً لأفكار ومرجعيات أتاتورك التي سنهّا منذ إثنين وثمانين عاماً:عمر الجمهورية التركية العلماينة/الإنكارية الحديثة!.
ولاينسى المرء هنا، مادامّ الحديث يدورعن تابوهات أتاتورك، ماجرىّ للرئيس الأسبق توركوت أوزال عندما فكرّ في عبثية قمع الشعب الكردي ومايجره ذلك من كوارث على الشعبين التركي والكردي وتركيا. فلوحّ بقبول بعض المطاليب الحقوقية الكردية، وأرسلّ رسلاً لأوجلان يطالبونه بوقف القتال "لتهيئة فرص السلام" ريثما يتمكن هو من إقناع العسكر بوجهة نظره. وحدثّ أنّ توفي أوزالّ بعدها مباشرة، في ظروف مازالّت غامضة للآن.
ويبقى الكلام،هل سينجح مجاميع المثقفين الكرد،الترك،العرب(مٌجتمعين..) في تقديم شيء جديد يٌساهم في وقف الدماء الغزيرة التي تراق في كرستان تركيا كل يوم؟.
والأهم،هل سيٌحصلّون شيئاً من مناطحة جدار أتاتورك الصلب، الذي تحطمت عليه كل المحاولات ومشاريع الحلول والتسويات في السابق، وبقيّ هو شامخاً، عالياً،فوق جميع الأفكار والخطط "التغييرية" لهذا الحزب "الإسلامي" تارة وذاك "العلمّاني" طوراً من الذين صدروا المشهد التركي هنا وهناك؟.
صحافي كردي مقيم في ألمانيا
[email protected]
الدولة التركية قد حكمت على زعيم حزب العمال الكردستاني بالإعدام في 28/6/2005 بتهمة الخيانة العظمى، ثمّ خفضّ الحكم إلى المؤبد رضوخاً لمعايير الإتحاد الأوروبي الذي تجتهد تركيا للحاق به. ولكن محامي أوجلان طعنوا في الحكم عند المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي أصدرت حكمها النهائي في 12/5/2005 بإنتفاء شرط العدالة في المحاكمة التركية الأولى، مما أفسح المجال لإعادة المحاكمة من جديد.
















التعليقات