1
على رأي الكثير من المهتمين بشؤون الكلمة، فما كان لجائزة نوبل، الأدبية، أن تسموَ بإسمها، المهاب، في عالم الكلمة، لوَ أنّ إسمَ الكاتب التركيّ، أورهان باموك، قد تمّ إستبعاده، لسببٍ أو لآخر، من حظوة جائزتها لهذا العام. إنّ تأكيدنا على المسألة quot;السببيّةquot; هنا، له صلة بتلك العنعنات، المعتادة، عن ما يُزعم quot;تسييسquot; الجائزة أو رهنها

أورهان باموك يفوز بجائزة نوبل
لحساباتٍ، غربيّة، غريبةٍ عن الأدب. بعبارة اخرى، ما يتردد في وسائل الإعلام لدينا، بشكل خاص، من مظناتٍ وشكوك، مألوفة، في كلّ مرة تذهب فيها هذه الجائزة إلى كاتب محظوظ، (ومبخوس الفأل، في آن)، من بلادٍ أو ثقافة لها ما لها من إشكاليات. لا ريبَ أنّ إعتبارات ما، ليست بالضرورة أدبية، تتلاعبُ أحياناً هنا وهناك في أجواء الأكاديمية السويدية. إلا أنّ الإيغالَ بهذا الإتجاه، غالباً ما يُشتط ُ في المبالغة به. ففي كلّ حين، وخاصة في عصر الحرب الباردة، كان صحفيونا يشمرون عن ساعد الجدّ، ما أن يتناهى لعلمهم أنّ أديباً غربياً (من الولايات المتحدة، مثلاً)، قد نالَ البركة النوبلية؛ ليبدأ هؤلاء بالتنقيب في سلالات الرجل، السحيقة، بحثاً عن quot;شبهةٍ!quot; يهودية، محتملة. أو ربما يكتفي أهل الصحافة، إياهم، بحقيقة أنّ كل كاتبٍ منحدر من أوروبة الشرقية، يفوز بتلك الجائزة، سيكون بالضرورة quot; منشقاً quot;، معارضاً لنظام حكم بلاده، الشيوعيّ : وكما لو أنه على اللجنة المختصة في الأكاديمية السويدية، في هذه الحالة وتلك، أن تتجاهلَ تقاليد بلادها، الديمقراطية؛ فتطبق quot; حدّ الشرع! quot; في كلّ مرشّح للجائزة، أو تكافيء كتبَة السلطة الديكتاتورية بميدالية quot; نوبل quot;، الذهبية، وشيكٍ مُعطر بقيمتها، المليونية.

2
لطالما شكا أهلُ الثقافة عندنا، من الإهمال الفادح الذي كانت تبديه الأكاديمية السويدية، تجاه الإبداع الأدبيّ في المشرق. وهم على حقّ؛ على الأقل في الجانب الظاهر، من المسألة . بيدَ أنّ الأمرَ، ليسَ بهذه المساهلة. لنتذكر الضجة، المغرضة، التي كانت قد صاحبتْ نيْلَ الروائي المصري، نجيب محفوظ، لنوبل الآداب في أواخر ثمانينات القرن المنصرم؛ حينما لم يجدَ الكثيرُ من حكمائنا حرجاً في إتهامه ببيع قضايا الأمة العربية ـ كذا ـ من أجل جائزة نوبل. ولنتذكر، أيضاً، ما ناله الروائي التركي، ياشار كمال، ـ المرشحُ المخضرم لتلك الجائزة العالمية ـ من quot; إحتفاء quot; مماثل، من لدن صحافة بلاده؛ عندما إرتفع صوته بوجه السياسيين والعسكريين، المغالين في تطرفهم القومي، التركي، والذين أوغلوا في الدم الكرديّ سفكاً وإستباحة ً بحجة quot; مكافحة الإرهاب الإنفصاليّ quot; : لقد أعيدَ وجهُ المسألة نفسها، إعتباطاً، ما أن تجرأ مواطنه أورهان باموك، الروائي المبدع، على ضمّ صوته إليه. هذا الأخير، ذهبَ إلى أبعدَ من ذلك، بطرقه بابَ موضوع آخر، محرّم، في تركية الحديثة؛ أيْ الجينوسايد الأرمنيّ. كلاهما، المعلم ياشار وتلميذه أورهان، تمّ التشهير به كساع لجائزة نوبل، الأدبية، من خلال quot; جواز سفر quot;، سياسيّ؛ على حدّ توصيف إعلام بلاده، العتيد. وما عتمَ أن تبادل المعلم والتلميذ أماكنهما، ثمة في المحاكم وعلى مرأى من أنظار محبي أدبهما في العالم أجمع؛ ليواجها الواحد إثرَ الآخر التهمة عينها : النيل في صحافة الخارج، من سمعة الدولة التركية..!

3
بغض الطرف هنا، عما أثير بحقّ أورهان باموك من لغطٍ ومغالطات؛ يبقى القولُ، أنّ هذا المبدع جسّدَ في أدبه، بحق، ما يُمكن وصفه بـ quot;الإشكالية التركيةquot;. قبل كل شيء، وعطفاً على إشارتنا للمعلم ياشار كمال؛ فالمعروف عن رواياته تميّزها بموضوعات، أثيرة، مجتناة الثمار من ريف الأناضول بيئة ً وأجواءً وأساطيرَ ورؤىً. إلا أنّ تلميذه النجيب، باموك، وبالرغم من إبتعاده عن تلك المواضيع وإستلهامه المدينة الكبرى، في أعماله جميعاً؛ إلا أنه شاركَ معلمه في نقطة مفصلية، غاية في الأهمية : وهيَ إبرازه التنوّع في الثقافات والعادات والأعراف، المكتنفة مجتمع بلاده؛ التنوّع المرفوض، بالمقابل، من جانب العقلية الإيديولوجية، الكمالية، الموجهة ذلك المجتمع، والمفترضة تجانسه في بوتقة القومية الواحدة وثقافتها الوحيدة. كذلك تفرّدت روايات باموك بتطرقها لثيمة مستجدة، على صعيد الأدب التركي؛ ألا وهيَ العلاقة بين عالميْ الشرق والغرب، على خلفية تاريخية وثقافية وحضارية. إنّ مسقط رأسه، إستانبول، بكونه السراط الواصل بين هذيْن العالميْن، ما كان له إلا أن يشكل المثابة التي تنطلق منها / وإليها، مواضيعُ أعماله الروائية : ها هنا، إذاً، تتمرأى ما وسمناها بـ quot; الإشكالية التركية؛ بلادٌ تتوسّط القارتيْن، اللدودتيْن، آسية وأوروبة ـ بلادٌ، ضائعة الإنتماء بينهما؛ ثقافة، هيَ مزيجٌ من ثقافات متعددة، محيلة إلى الجغرافية والدين واللغة ـ ثقافة ٌ، متغربة في الآن نفسه عن واقعها، ما فتئتْ تكون أحادية ً، مبتسرة، ضيّقة الأفق، منكرة ً للتنوع والتعددية.

4
ليسَ لنا، والحالُ ما عرضناه آنفاً، إلا أن نصدّقَ تلك الشائعة، المستغربة؛ والمفيدة بأنّ الدولة التركية، وربما عبرَ وسطاءٍ نافذين، قد سعتْ إلى منع حصول مواطنها، الروائي الموهوب، على جائزة نوبل. تلك الحقيقة، المخزية ـ لو صحّتْ ـ يعززها ما تناقلته وكالات الأنباء من تصريح وزير الثقافة التركيّ، الذي شدد على أنه يُهنيء بالجائزة : quot;أورهان باموك، الأديبَ، تحديداًquot;. وبعبارة اخرى، أنّ الوزير العتيد، غيرَ معنيّ بباموك الإنسان، والمثقف الجريء ذي الموقف الواضح سياسياً وإجتماعياً وثقافياً، والمثير للجدل بإختلافه عن السائد في موطنه، وبإعلانه جهاراً وعلى الملأ صوتَ الحقيقة، الحقيقية. الحالة التركيّة ـ كما عرضها لنا رواية ً إثرَ الاخرى، المبدعُ باموك ـ على جانب كبير من الإشكاليّة، وهيَ مهيأة دوماً لمزيدٍ من سوء الفهم داخلياً وخارجياً، على حدّ المساواة : فها هنا بلدٌ متعدد الأعراق والثقافات، آسيويّ الجغرافية، إسلاميّ الإنتماء والهوية، يُحاول جاهداً تملقَ المقام الأوروبيّ سعياً لمنافعَ إقتصادية وسياسية، بالدرجة الأولى؛ بلدٌ، جاهدَ طويلاً وعلى مرّ تاريخه الحديث في نفض اليَد من كلّ ما يربطه من أصَرَةٍ بثقافته، الأصلية؛ دونما أن يبدرَ منه، في المقابل، إشاراتٍ عملية على تقبله الحضارة الغربية كمفهوم ومسلكٍ وخيار : فأيّ حظ لهكذا بلدٍ في ولوج الجنة الموعودة، (الإتحاد الأوروبيّ)، فيما نظامه السياسيّ وثقافته وعقليته، ما زالت متأرجحة ً بين إيديولوجيةٍ أتاتوركية، شبه فاشية، منتهية الصلاحية منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وإيديولوجيّة إسلاموية، شبه عثمانية، موصوفة كبديل للأولى وبصفة مرجعيتها الإلهية، المفترضة..؛ وأيّ حظ لهذا البلد، نفسه، في العودة إلى محيطه الإسلاميّ، فيما سياسته الإقليمية، المشوشة، تتعارض هنا وهناك مع مصالح جيرانه، شعوباً على وجه التحديد.. ؟؟

[email protected]