قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو أن تداعيات الفكر العربي المؤسس سلفاً على مجموعة تناقضات إجتماعية وتأريخية صارت مرهونة و بدرجة كبيرة بحدة الصراع الناشب ما بين القومي والطائفي، أي أصبح الأنزياح إلى أحد هاذين العاملين مرتبط بدرجة الفعل ورد الفعل في ساحة سجال غير معلنة تعمل على تفعيلها مجموعة مفاهيم إقليمية وأخرى دولية، وتبدو حقيقة إنسجام الفكر العربي مع أحد هذين العاملين غير واضحة إلى حد يجعل من المتابع للكثير من المواقف المسجلة تحت مضلّة الفكر العربي يشك بتلك الحقيقة، ويتسائل أحياناً هل الفكر العربي قادر على إستيعاب كلا العاملين والتفاعل مع حتمية الصراع بينهما ؟ ربما كان هذا التساؤل غير وارد في الذاكرة قبل حرب إسرائيل وحزب الله، وكان المطلق العربي هو المهيمن على مساحة الممكن المعرفي وكل شيء ينتمي إلى المركّب الطائفي يعامل على أنه عامل ظلال وخديعة تمارس بفعل رغبات تنتمي بوجودها لفكر مناهض للفكر العربي .

ومثلما هو معروف للجميع فالفكر العربي الممثل بالثقافة العربية مازال يخوض في إشكالية البحث عن الهوية الخالصة التي تتكامل فيها كل التعريفات المؤدية إلى ترصين وتدعيم مصطلح (الفكر العربي)، بالرغم من جملة المواقف المسجلة سلفاً في رحلة تأريخية امتدت لمئات السنين ، والمتتبع لهذه المواقف والإفرازات أنها كانت تحارب المنتج الطائفي حتى وإن كان منتمياً في جوهره لسياق المنتج القومي، بل والاكثر من هذا كانت تصفه بالمنتج الشعوبي العنصري الذي لايخدم نهج وهدف تدعيم الفكر العربي، وبالتالي فإن جميع الحركات الفكرية وحتى الثورية التي كانت تقف بوجه السلطة الأموية و العباسية أو حتى العثمانية كانت تعامل على أنها طائفية ولاتنتمي إلى ساحة الفكر العربي لابمرجعياتها ولا بسلوكياتها حتى وإن كانت تقوم على أدوات ورموز عربية خالصة، وهذه واحدة من أخطر تداعيات الفكر العربي في مجال الغموض وعدم التمييز بين ماهو قومي وماهو طائفي، وعدم إدراك لحقيقة العلاقة مابين الطائفي والقومي في عباءة الفكر العربي، وكأن صراعاً أزلياً ناشباً بين الأثنين يهدد لوجود الآخر، واستمرت حالة الصراع تلك إلى حد ألغت جل المحاولات التي كانت تعمل على إيجاد مشترك بيئي وتاريخي وإرثي يستوطن كلا المساحتين من شأنه أن يؤلف بينتهما في صياغة مفهموم أيديولوجي يؤطر مصطلح الفكر العربي، وعملت أطراف كثيرة على الفصل العبثي بين ثقافة الطائفة التي هي في حقيقتها ثقافة قوم وثقافة عربية خالصة وبين ثقافة القوم (الجماعة ) التي هي الاخرى ثقافة عربية خالصة، وبدل أن تحيد الظروف والأسباب المعرقلة للإلتحام كانت تغذى بقصدية وقصور فكري واضح دفعت بتداعيات الفكر العربي إلى المضي في الكثير من التجاهل الذاتي لإرثه ولظواهره التي كان من الممكن لو احيطت بعناية بحثية واستنطاقية لساهمت في توسيع مساحة التنوير المصادرة في طبيعة الفكر العربي المصاب بخلل في تشخيص ذاته المعطوبة .

للمرة الاولى ومنذ قرون خلت تخلى الفكر العربي ولو بشكل جزئي عن مكابرتة وتعنته في قراءة الظواهر والتيارات الموسمة بالطائفية قراءة مغايرة أو لنقل قراءة مخالفة للبديهي المعلن، وتحت تأثير رد الفعل إزاء الآخر عمل على إستدراك خطابه وجملة تنظيراته المرتبطة بثقافة الطائفة (الشيعية) وتوجيهها وفق المنظور المؤدي لخدمة مصطلح الفكر العربي، واعتبار ممارسة الفكر (الشيعي ) المصادرة سلفاً ورقة تضاف لمكونات الفكر العربي مخالفاً بذلك تراكمات وتنظيرات وتأسيسات إستنزفت صراع الفكر العربي مع ذاته ازماناً طويلة، وبدا واضحاً من خلال رد الفعل المحكوم بالمصلحة أن الفكر العربي هو مساحة قادرة على إستيعاب البعد الطائفي والبعد القومي، وكان من الممكن تلافي هذا الخلل القاتل قبل قرون كثيرة لولا تجاسر القنوات المعرفية العربية إلى ممارسة سياسة الإلغاء المقصودة لكل الظواهر الفكرية العربية التي كانت تناهض مؤسسة الحكم والسلطة وتصفها بالشعوبية والطائفية لالشيء إلا لإسكاتها أولاً وإخراجها من ساحة الصراع ثانياً .

لم يختلف خطاب حزب الله في مناهضته للخطاب الإسرائيلي عن خطاب الحركات الفكرية التي كانت تناهض سلطوية الحكم الأموي وانتهازية الترف العباسي، لم يختلف من حيث المفهوم الإنساني أو الفكري، بل كان الإختلاف جهوي، أي في الجهة التي تمثل الآخر، الفكر العربي كان مع الجهة التي تمثل السلطة وبالتالي كان نصيب الحركات الفكرية والإصلاحية (الثورية ) هو الخندق الطائفي أو الشعوبي، وهكذا استمر الحال لم يشأ أحد أن يسأل عن حقيقة الصراع طالما هناك مفهوم محدد للهوية مرتبط بشكل أو بآخر بالسلطة والحاكم، ولم تكن هناك سمات واضحة لمصطلح الفكر العربي، وهذه تداعية أخرى من التداعيات التي أثّرت في تشخيص حقيقة التحدي الذي واجهه ويواجهه الفكر العربي للآن، فالسلطوي كان بمثابة القومي والفكري التحرري كان بمثابة الشعوبي الطائفي، فقط في حالة اختلف السلطوي وتم تعريفه على أساس خارجي عاد الفكر العربي يتخبط في تعريف مفهومه، الآن وبعد أن نشب صراع مباشر بين السلطوي الخارجي والطائفي الشعوبي وجد نفسه (الفكر العربي) أمام تحد جديد ألا وهو إعادة تعريف المفاهيم ومحاولة قراءة التعريف الطائفي على أنه أقل بشاعة مما كان، أو من الممكن تفعيل الطائفي في خدمة القومي في الوقت الذي حدث العكس، الآن وبعد مواجهة حزب الله الشيعي بأيديولوجيته المرفوضة من قبل دوائر تنظير الفكر العربي مع الفكر الإستعماري المتمثل بإسرائل صار الفكر العربي يعمل جاهداً على أن ينضوي تحت مظلة البعد الطائفي، متجاهلاً مواقفه وتأريخه ومضيفاً لتداعيات حرجه حرجاً آخر ألا وهو ممارسة التلون والنفاق الفكري في تبني مواقفه .

ترى هل يستطيع الفكر العربي بعد هذا المأزق ان يعيد قراءة تأريخه بعيداً عن تأثيرات القومي والطائفي؟