ما قاله غاي برنس، رئيس الأبحاث في Carbon Tracker Initiative، ليس موقفًا أيديولوجيًا ولا خطابًا بيئيًا عاطفيًا، بل توصيف علمي صريح. فالبترول الفنزويلي يتمتع بكثافة كربونية أعلى، ويستهلك طاقة مضاعفة في الاستخراج والمعالجة، وتنتج عنه انبعاثات تفوق بكثير تلك المرتبطة بالنفوط الخفيفة. هذه حقائق فيزيائية لا يمكن القفز فوقها، ولا تُحلّ بالإنكار أو بالشعارات.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إعلان وفاة هذا المورد أو التعامل معه بوصفه خطيئة أخلاقية. فالتعامل هنا ليس أخلاقيًا من الأساس، بل اقتصاديًا، تقنيًا، واستراتيجيًا، فالسياسة الذكية لا تسأل: هل النفط “نظيف” أم “قذر”؟ بل تسأل: كيف وأين ولماذا يُستخدم؟
من هذا المنطلق، يصبح حصر الاستخدام لا تعميمه خيارًا عقلانيًا، خصوصًا بالنسبة إلى أميركا. فهذا النوع من الخام غير صالح لأن يكون وقود المستقبل، ولا يمكن الدفاع عن حرقه الواسع في قطاع النقل أو توليد الطاقة. لكنه، في المقابل، قابل للتوظيف في الصناعات البتروكيميائية الثقيلة، حيث يكون الاحتراق أقل أو معدومًا. صناعات مثل الإسفلت، والكربون الصناعي، وبعض المدخلات الصناعية غير الوقودية تمثل مسارات استخدام أكثر اتزانًا وأقل ضررًا نسبيًا.
الاستثمار الحقيقي لا يجب أن يذهب إلى تلميع سمعة هذا النفط، بل إلى تقليص أذاه. فتقنيات الاستخلاص منخفضة الانبعاثات، وخفض حرق الغاز المصاحب flaring، وتحسين كفاءة المصافي، أو عقد شراكات مع مصافٍ قادرة على معالجة الخام الثقيل بفاعلية، كلها أدوات متاحة تقنيًا.
وهذا ليس تحديًا يفوق قدرات أميركا، بل اختبارًا لمدى جديتها في إدارة مرحلة انتقالية واقعية.
لن يجعل ذلك النفط الفنزويلي “نظيفًا”، ولن يحوله إلى بطل بيئي، ولكنه سيجعله أقل تلويثًا، وأكثر انضباطًا، وأقصر عمرًا في مزيج الطاقة. وفي عالم التحولات الكبرى، أحيانًا لا يكون الخيار بين السيئ والجيد، بل بين السيئ المُدار والسيئ المُنكر، والفرق بينهما هو مستقبل الطاقة ذاته.
























التعليقات