من يتأمل المشهد العالمي الراهن يدرك بعقله ويستشعر بحواسه أن العالم اليوم بات مثقلًا بالتوترات، بل إنه يقف على حافة فوهة بركان توشك على الانفجار. والسؤال الذي يتردد صداه الآن: هل العالم بصدد الدخول في حرب عالمية ثالثة؟ أم أنها بدأت بالفعل؟ أم أننا نعيش حربًا عالمية «تكتيكية» تهدف إلى إعادة تقسيم الحصص والنفوذ؟ وما هو موقع الشرق الأوسط من كل ما يجري؟
لتقديم فكرة مبسطة عما سيحدث، لا بد من العودة إلى بعض التسريبات التي يطلقها بعض أطراف الصراع، وعلى رأسهم إسرائيل، حيث خرج الصحافي الإسرائيلي إيدي كوهين منذ فترة قصيرة بتصريحات مستفزة وخطيرة بدت وكأنها تكشف ما يدور خلف الكواليس، إذ زعم أنه بسقوط النظام في فنزويلا سيتداعى النظام الإيراني، وتتبعه أنظمة أخرى بهدف تغيير معالم الشرق الأوسط. وفي سياق متصل، عُقد منذ أيام اجتماع أمني لمجلس الحرب الإسرائيلي استمر لأربع ساعات، تمحور حول الموقف من إيران ولبنان وغزة، وسط أحاديث عن تحضيرات لضربة عسكرية ضد إيران. وتعززت هذه التوقعات بتصريحات «ترامب» التي توعد فيها بتوجيه ضربة قوية لإيران، مما دفع الحرس الثوري الإيراني لإجراء مناورات عسكرية واسعة في عدة مدن ومواقع استراتيجية، على رأسها طهران وشيراز.
ومن خلال تاريخ الحروب الكبرى، يجب أن نفهم نقطة جوهرية، وهي أن هذه الحروب لا تبدأ فجأة دون مقدمات، بل هي كالجبال المترابطة تحت الأرض، تظل تتحرك بصمت حتى يقع الزلزال الذي يزلزل الأركان. فهل يعني هذا أن الحرب العالمية الثالثة باتت حتمية؟ الواقع يشير إلى أننا نعيش بوادرها بالفعل. فلننظر إلى خارطة التحالفات والصراعات الدائرة الآن، وعلى رأسها الحرب الطاحنة بين روسيا وأوكرانيا، التي يدعم فيها «الناتو» أوكرانيا بالمال والسلاح، بينما تتلاعب أميركا بروسيا لاستنزافها. أما إسرائيل، فهي تتمدد وتنفذ ضربات في دمشق بعد أن ضمت الجولان، منتهزة ضعف الدولة السورية، وهكذا في لبنان وغزة.
وفي المقلب الآخر، أحكمت الولايات المتحدة قبضتها على فنزويلا، وأعلنت شركات النفط الأميركية استعدادها لإدارة قطاع النفط هناك، وهي الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم. ومن الواضح أن هذه الخطة تهدف إلى السيطرة على البترول العالمي لخنق الصين، وتأمين مصدر بديل للطاقة في حال اندلاع حرب في إيران والخليج وتعطل خطوط الملاحة. وفي المقابل، تخوض الصين حربًا اقتصادية ضد الدولار من خلال اتفاقيات مجموعة «بريكس».
السؤال المطروح: أين ستبدأ شرارة الحرب العالمية الثالثة؟ هنا يجب أن نعرف أن الحروب العالمية لا تبدأ عادة في قلب القوى الكبرى، بل في «الأطراف الحساسة»، حيث تتصادم المصالح والتحالفات الصغيرة، تمامًا كما بدأت الحرب الأولى من سراييفو عام 1914، والثانية من بولندا عام 1939. ومن الواضح أن بؤر الاشتعال اليوم تبدأ من الشرق الأوسط، المرشح الدائم للانفجار بسبب تقاطع مصالح القوى الكبرى: الطاقة، الممرات البحرية، والعقائد. فأي صدام مباشر بين إيران وإسرائيل قد يجر أميركا وروسيا والصين إلى حريق عالمي.
أما أوكرانيا وأوروبا الشرقية، فتُعد منطقة احتكاك مباشر، حيث ترى روسيا النزاع مسألة وجود، ويراه الناتو خطًا أحمر. والبؤرة الثانية هي تايوان وبحر الصين الجنوبي، «الشرارة الصامتة» التي يمكن اعتبارها سراييفو العصر الحديث بنكهة نووية واقتصادية. والبؤرة الثالثة شبه الجزيرة الكورية، حيث تسود عقيدة «اضرب قبل أن تُضرب». أما أفريقيا، فهي تمثل ساحة استنزاف للموارد وصراعات نفوذ بين الشرق والغرب.
خلاصة القول إن المشهد الحالي يشبه إلى حد مرعب الأجواء التي سبقت الحربين العالميتين، من حيث طبيعة التحالفات، ولغة التهديد، وسباق التسلح المحموم، والشيطنة المتبادلة للآخر. إنما الفرق الوحيد هو أن الخطأ في الماضي كان يكلف ملايين الأرواح، أما الخطأ اليوم، وفي ظل السلاح النووي وتطور الأسلحة التقليدية، فقد يكلف البشرية وجودها بالكامل. ولا يخفى على أحد أننا نعيش الآن «توازن الرعب»، حيث تمنع المصالح المتشابكة المواجهة المباشرة حتى الآن، لكن انهيار الثقة وغياب الحلول السياسية يجعلنا أقرب ما نكون إلى لحظة «تساقط أحجار الدومينو». فالتاريخ يعيد نفسه، والاقتصاد المنهار غالبًا ما يفسح المجال لصوت المدافع، والخوف كل الخوف على من لا يملك أنيابًا أو اقتصادًا قويًا في هذا الصراع المجنون.
























التعليقات