هذا مبدع عراقي آخر يرحل بسبب وعكة صحية، بعد أن فشل الطبّ في معالجة هذه الوعكة القاتلة، فيما كانت ألسنة محبيه وأصدقائه الذين شيّعوه من باب اتحاد الأدباء تلهج بكلمات : الله معك حمودي !.
بغداد : ودّعت بغداد صباح أمس الخميس المذيع العراقي أحمد المظفر الذي وافته المنية في مستشفى مدينة الطب في بغداد، بعد وعكة صحية ألمّت به قبل يومين نقل على أثرها إلى مستشفى الشيخ زايد، وبعدها نُقل بواسطة سيارة إسعاف إلى مستشفى بغداد في مدينة الطب وأجريت له الفحوصات، لكنه فارق الحياة ... على نفقته الخاصة.
فاجعة أخرى تضرب الوسط الإعلامي والثقافي العراقي برحيل المذيع الكبير أحمد المظفر الذي ظلّ علامة فارقة في الأوساط الثقافية والفنية للكثير من المزايا النبيلة التي يحملها، ويمكن اعتباره الوجه المبتسم لبغداد المليء بالتفاؤل والأمل، والذي لا يعرف الإحباط والتشاؤم على الرغم من تعرضه للغبن حين أهمله الطارؤون القائمون على الفضائيات والإذاعات وتركوه مجرّد موظف بسيط في وزارة الثقافة، لكنه استطاع أن يؤسّس لنفسه مدارات من الحبّ جمع في فلكها العشّاق والذكريات والرواد من أهل التلفزيون والإذاعة، حين عمل على تأسيس الملتقى الإذاعي والتلفزيوني الذي دأب على أن يكون نجمه الحاضر دومًا والمستقطب للمحبين من مختلف مجالات الفن.
المظفر من مواليد البصرة التي تلقى فيها تعليمه وصولًا إلى تخرجه من جامعة البصرة التي كان عريفًا في كل الاحتفالات فيها حتى تخرّجه عام 1979.
كانت الخطابة وجوائزها دائمًا من نصيبه، عمل مدرّسًا لمدة ثلاث سنوات، ثم جاء إلى بغداد عام 1983 للتقديم إلى معهد التدريب الإذاعي فقبل في الإذاعة والتلفزيون، واكمل الماجستير عام 1989 في التاريخ الإسلامي من جامعة البصرة، واستمر في عمله مذيعًا ومقدّمَ برامج في تلفزيون العراق حتى عام 2003، حاول العمل بعد 2003 في بعض الفضائيات إلا أنه كان يصطدم مع إداراتها التي تريده أن يكون كما ترغب فتخلى عنها، أحمد المظفر رحل عن الدنيا تاركًا نجمتين مضيئتين في سماء الإعلام العراقي هما ابنتاه مروة وصفا، اللتان تعدّان امتدادًا لمسيرته النبيلة.
قال عنه المخرج الإذاعي فائز جواد : "اعذرني يا صديقي لأني اليوم أقف عاجزًا، أنت تعرف ما أقول وما لم أقول وما عجزت عن قوله. وداعًا صديقي، ماذا أبقيت لي يا صديقي : كلماتٌ شاحبةٌ، و حروفٌ مبعثرة وجملٌ مكسّرةٌ، وحزنٌ قاتم، وألمٌ ... وداعًا وداعًا".
أما المخرج المسرحي فاروق صبري فقال :& "لن أودعك أحمد المظهر. يا صديقي خدعتني، كلهم يودعونك ويقولون وداعًا، أنا لن أودّعك، هذه الكلمة تخرس بلساني، هذه الكلمة أكرهها، وقسمًا بدمعة عين أمي التي ما زالت تنتظرني، وأنت لم تنتظر حتى أصل بغداد، واركض بممر اتحاد الأدباء والباب مفتوح أنظر إلى آخر القاعة، كل الذين ودعوك ينظرون وفي عيونهم دمعات عيونك وحسرات روحك، كل كراسي القاعة تبكي ما عدا كرسيك مضاءً بشمعة وأصرخ أين أحمد المظهر، أينك أحمد أنا جئت وأنت خدعتني ورحلت".
وقال الشاعر هادي ياسين : "خبر فاجع وصادم ومؤذ، رحل إلى الأبد أعز وأحب وألذ وأطيب أصدقائي، المذيع التلفزيوني والإذاعي المتميز، أخي و حبيبي، أحمد المظفر، أبا مروة الحبيب. بالكاد أرى الحروف على شاشة اللابتوب، لغزارة دموعي عليك أيها الحبيب، أتذكّر عبارتك على صفحتك، يوم عدتُ من رحلتي إلى العراق وقد غادرتُ فجرًا : "اليوم غادر إلى كندا صديق عمري الحبيب هادي ياسين" ، لروحك النقية الطيبة السلام والطمأنينة والراحة يا أخي الحبيب".
أما المخرج السينمائي أسعد الهلالي فقال : "أية لعنة أنْ أفتح صفحتي فيواجهني من دون أي تمهيد خبر رحيل الرائع الطيب أحمد المظفر، تعرّفت إليه حين كنت مخرجًا في تلفزيون العراق لنشرة الأخبار خلال التسعينيات، وكان قارئًا لها مع ثلة من المذيعين والمذيعات، وسمعته شاعرًا فكان رقيقًا، واقتربت منه انسانًا فرأيت نبلًا لا تصادفه إلا نادرًا، لماذا نفقد الرائعين سريعًا، لمن تتركون هذا الخراب وما زلنا نأمل أن تزيحوا بعضه، لعل أروع ما شهدته في أبي مروة حضور الآخرين في ذاكرته ووجدانه، فقد كان يتذكر الجميع ويبادر إلى إكبارهم وإكرامهم، فهل سنرى من يكبر أبا مروة ويكرًمه، وداعًا أيها الوديع الجميل الشاعر الطيب، وإلى الملتقى".
أما الشاعر رياض الغريب فقال قصيدة عنه بعنوان "أحمد المظفر" جاء فيها :
"أرجوكم، إحملوه على مهل، ومروا به على كهرمانة، لا تغطوا وجهه، هو يحب شمس البلاد، من فضلكم
أيها المشيعون، لا تبكوا كثيرًا قرب رأسه، هو لا يحب البكاء، كان يضحك، يضحك كثيرًا، مثل دجلة حين يحتضن نورسة، في الصباح، من فضلكم، إسمعوه قصائد نثر، هو يحب النثر كثيرًا، إنه مغرم حتى نفسه الأخير، عاشق يبتكر جنونه، في آخر الليل، يسمع إذاعة صوت الجماهير، ليغفو. بين شفتيه تنام حمامات بيض، وأحلام في رأسه، تحتاج لعمر آخر، دعوه يكمل الحلم من فضلكم، أيها المشيّعون".
&












التعليقات