: آخر تحديث
"إيلاف" تستعرض مذكراته في سلسلة حلقات (10)

سمير خفاجي يؤسس فرقته وينطلق إذاعياً

"إيلاف" من القاهرة: يُعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته للنجوم ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي أصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داوود.
وتواصل "إيلاف" عبر عدة أجزاء سرد الحكايات كما رواها في مذكراته، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري، ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها ذاكراً الوقائع بأسماء أصحابها.

حفلات الاسكندرية 
ويتابع: أعددنا المسرح كما يجب وقمنا بعمل الدعاية اللازمة وكان محافظ الإسكندرية في ذلك الوقت هو حمدي عاشور وفي عصره كانت الإسكندرية فعلا عروس البحر المتوسط. فهو كان يعشق الإسكندرية رغم إنه من غير ابنائها، لكونه من مواليد دمياط. لكنه ساعد الفرق المسرحية وذلل لهاالعقبات ومنحها إعانات لتنشيط حركة الإسكندرية. 

قابلته وطلبت منه أماكن للإعلانات وطلبت منه كشافات نور من المحافظة لإنارة المسرح من الخارج ولم يمانع الرجل في أي طلب طلبته، جاءت ليلة الإفتتاح وبدأ المسرح متألقا وارتديت بدلة موهير سوداء في غاية الأناقة وجاء المحافظ ليحضر الافتتاح واكتظت الجماهير في الصالة وأنا في غاية السعادة بهذا النجاح والتنظيم. 
في الكواليس في حوالي الساعة العاشرة دخلت فوجدت بعض الممثلين يستعدون لأداء أدوارهم، ولكن جاءني مدير خشبة المسرح وقالي أربعة من المشتركين في العرض لم يحضروا، وكنا نقدم مسرحية (طلعلي في البخت) الذي لم يكن فؤاد المهندس وخيرية أحمد مشاركين فيها، فسألت من الذي تأخر والستار ترفع الساعة العاشرة ولابد من فتحها في موعدها؟ فأنا أقدس رفع الستار في موعده المحدد ولا بد من رفعها في هذه الليلة بالذات في موعدها إذ أن المحافظ يحضر العرض، فعلمت أن، المتأخرين هم أبول لمعة وبيجو ومحمد يوسف وأمين الهنيدي، لم أشك لحظة أنهم من الممكن أن يتأخروا، لكني مع ذلك كنت أشعر بالقلق والعصبية، وكلما مرت الدقائق أزددت عصبية حتى قاربت الساعة من العاشرة وأصبح الجميع في حالة من التوتر، لابد أن شيئا ما قد حدث قد يكونوا تعرضوا لحادث في الطريق، الساعة تعدت العاشرة ولم يصل منهم أحد بدأت ملامح القلق تنتقل إلى الصالة، الجمهور يسأل عن سبب تأخر رفع الستار، الساعة وصلت العاشرة والنصف ولم يظهر أحد ولم نتلق أي خبر ما العمل؟ الجمهور في الصالة بدأ يصفق احتجاجا على تأخر رفع الستار أرسل لي المحافظ ليستفسر عن سبب تأخر رفع الستار، لم أعرف بماذا أجيبه ولكنني أضطررت لإخباره بالحقيقة وما أن وصلت الساعة الحادية عشرة إلا ربع حتى ثار الجمهور مطالبا برفع الستار أو إرجاع التذاكر لم يكن هناك مفر من إلغاء العرض وأعلنا ذلك في الميكروفون من وراء الستار وطلبنا من الجمهور أن يتوجه إلى شباك التذاكر وإرجاع التذاكر والحصول على ثمنها أو تأجيلها إلى يوم آخر، واعتذرنا للسيد المحافظ الذي بدا عليه الضيق مما حصل اندفع الجمهور إلى شباك التذاكر وهو يشتم في الفرقة ويسب إدارتها.
صبت بحالة من الذهول لقد انهار كل شيء. فكرت أن آخذ عربة وأطلع بها إلى الطريق لأني متأكد أنهم تعرضوا لحادث لكن أي طريق أسلك؟ ربما طلعت إلى الطريق الصحراوي وكانوا هم في الطريق الزراعي، وبينما كنا في هذا التوتر نضرب أخماسًا في أسداس إذ بنا نجدهم يدخلون إلى الكواليس، ماذا حدث؟ هل تعرضتم لحادث؟ هل أصاب أحدكم مكروه؟ وإذا بأبو لمعة ينبري متحدثا بلسان الكل نحن لم نتعرض لأي حادث ولم يصب أحد منا بمكروه ولقد حضرنا إلى هنا ونحن لا ندري إن كنا سنعمل أم لا! يعلموا أم لا؟ ما هذا اللغو، أخبرني أبو لمعة أن لهم مطالب إذا استجبت لها فسنعمل وإلا سيعودون إلى القاهرة في نفس الليلة، ما هذا التهديد؟ قلت وما هي طلباتكم؟ فقدم أبو لمعة عريضة موقع عليها من الفرسان الأربعة، بدأت في قراءة الورقة وإذا بها سلسلة من الطلبات لا يمكن لعاقل أن يتقبلها، فأول مطلب هو رفع أجورهم من 40 جنيه إلى 150 جنيهاً، وهذا لا ينطبق على الأربعة بل ينطبق على جميع أفراد الفرقة علاوة على بدل السفر وكانت قيمتها جنيها واحدا كل ليلة، المطلب الثاني ألا يعمل فؤاد المهندس وخيرية أحمد وأن توزع أدوار فؤاد على أفراد الفرقة.

 

الحلقات السابقة من مذكرات المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الأولى: سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضي
الحلقة الثانية: سمير خفاجي العاشق لصوت "أم كلثوم": هكذا رحل نجيب الريحاني!
الحلقة الثالثة: سمير خفاجي يوثٍّق انطلاقة فؤاد المهندس وعلاقته بـ"الريحاني"
الحلقة الرابعة: سمير خفاجي: بشارة واكيم مات حزناً من الجمهور!
الحلقة الخامسة: سمير خفاجي: بديع خيري رفض التعاون مع فؤاد المهندس!
الحلقة الساددسة: سمير خفاجي: يوثِّق اللقاء الأول بين بليغ حمدي وعبد الوهاب
الحلقة السابعة: تحية كاريوكا تُلحِق الخسائر بفرقة المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الثامنة: سمير خفاجي: فؤاد المهندس وُلِدَ مجدداً على مسرح "ساعة لقلبك"
الحلقة التاسعة: "خفاجي" يوثّق أزمات المسرح مع انطلاقة التلفزيون المصري

 

مقلب فتلة
تأكدت أن وراء هذا الموضوع مؤامرة وأن ورائها لطفي عبدالحميد (فتلة) والتمرد بالإسكندرية هو ثاني تمرد فهذا أسلوبه يخطط ويدبر ما يريد ولكن لا يفصح عنه هو ويترك طرح ما يريد للآخرين.. بدأت أتناقش معهم في استحالة تلبية هذه المطالب فهذا معناه هدم كل شئ ونهاية لهذه الفرقة، وهم مصرون على موقفهم إن الفرقة اسمها (ساعة لقلبك) وهم أفراد ساعة لقلبك وهم يعلمون استحالة العمل بدونهم بدأ صوتي يعلو وبدأت أنفعل همس في أذني صلاح يسري وطلب مني أن أهدأ حتى لا أخسر كل شيء. بل أكثر من ذلك، طلب مني أن أوافق على طلباتهم. لكني قلت: هل أنا مجنون حتى أوافق؟ طلب أن ينفرد بي وجلسنا في إحدى غرف الممثلين.. وطلب مني أن أوافق على أن نتوجه صباحا إلى القاهرة ونقابل فؤاد المهندس ونعرض عليه الأمر، ونطلب منه أن يعمل الموسم بدون هؤلاء الأربع وخامسهم فتلة خصوصاً إن أغلب هولاء الأربعة من السهل الإستعاضة عنهم بممثلين آخرين، فإذا وافق سيحضر إلى المسرح وعلى هؤلاء أن ينحسبوا إذا أرادوا.

وافقت على هذه النصيحة وتظاهرت بالموافقة واتفقت مع صلاح أن نلتقي في محطة سيدي جابر كي نستقل قطار الثامنة صباحاً وانصرف الجميع من المسرح وظللت وحدي استرجع هذه الأحداث ولا أكاد أصدق، فكرت في إلغاء الموسم ولكن الإلتزامات التي ارتبطت بها والديون من أين أقوم بسدادها وأنا في هذه الدوامة ومخي يكاد ينفجر مرّ على بليغ حمدي بعد أن عرف الخبر من يحيى سليط وأخذني أنا ويحيى إلى بارٍ صغير في ستانلي يدعي الجرينوي (الضفدعة). شربت في هذه الليلة حتى كدت أفقد الوعي ثم أوصلني إلى منزل عمي بالإسكندرية حيث كنت أقيم دخلت المنزل واتجهت إلى غرفتي وارتميت على السرير بملابسي كاملة وحذائي منهك القوى. ومع ذلك لم يغمض لي جفن وكل 10 دقايق أنظر إلى الساعة خوفاً من أن يفوتني قطار الثامنة وفي الساعة السابعة والربع قمت خرجت من الحجرة بملابسي كما هي ولم اتجه للحمام لغسل وجهي. بل اتجهت إلى باب الشقة مباشرة وكان عمي يشرب القهوة استعداداً للنزول إلى المحكمة فهو كما سبق وذكرت، لم ألقي عليه حتى كلمة صباح الخير. وسمعت صوته إنت رايح فين بالشكل ده وفي هذه الساعة المبكرة، لم أستطع حتى الإجابة وفتحت باب الشقة وخرجت قابلت صلاح يسري بالمحطة ووصلنا القاهرة. واتجهنا فوراً إلى منزل فؤاد المهندس بالعباسية، دهش من قدومنا في هذه الساعة المبكرة وكان هو يستعد للسفر إلى الإسكندرية إذ أن المفروض أن يقدم مسرحية (ما كان من الأول) في اليوم التالي. شرحنا له ما حدث واستقر على رأيي أنا وصلاح. وفوجئت به يرفض هذا العرض وقال أنا لا أستطيع العمل في هذا الجو المتوتر. حاولت إقناعه، ولكنه قال أنا أعمل في مسرح في مش في حرب. وطلب مني أن أوافق على طلباتهم حتى ينتهي الموسم وبعد ذلك يتفق على وضع جديد في العمل، لم أكن في حالة تسمح لي بالتفكير ورجعنا إلى الإسكندرية نجر أذيال الفشل والخيبة، ولم أفكر حتى بالمرور على الأوتيل لاستبدال ملابسي. 
في المساء بدأنا العمل ولم أكن في يوم من الأيام مكتئباً كما أكتئبت في هذه الليلة فقد شعرت أني في مأتم وليس في مسرح، وفي اليوم التالي قدمنا مسرحية (ما كان من الاول) لأول مرة بدون فؤاد المهندس، وقامت بالدور الذي كانت تؤديه خيرية أحمد ماجدة الخطيب وفؤاد راتب ممثل جيد لكن من كثرة ما قدم الخواجة بيجو انطبعت عليه هذه الشخصية حيث كان يؤدي الدور وتلقائيا تنضح عليه شخصية الخواجة. 

 


كان كل همي أن أسدد ما على من ديون ومن أجل ذلك تحملت كل شيء. ولكني لم أكن استطيع الضغط على نفسي بالحديث مع الفرسان الأربعة وفتلة. فغالباً ما كنت أتجنبهم وكان يحيى سليط ملازمني وما خفف عني هذه الفترة هو أني تعرفت على صاحب المسرح محمد على كوتة وكان صاحب مدينة الملاهي المقامة بجوار المسرح في نفس المشروع وزوجته كانت إسبانية. تتمتع بخفة ظل وإقبال على الحياة. وكانت يوم أن تتأثر بمشاهدة إحدى المسرحيات ضحكتها عالية جداً فكان صداها ينتقل للمتفرجين، فتشعر أن المتفرجين يضحكون من قلوبهم في هذا الموسم بذل محمد عوض جهداً خارقاً، فكان فعلاً نجم الفرقة في هذا الموسم.

حضر إلى المسرح المخرج سعيد أبو السعد من قبل التلفزيون للإتفاق على تصوير المسرحيات والإعداد لها ومن سوء حظي أنه حينما حضر للمسرح لم أكن موجودًا فقابل أبو لمعة وسأله عن فؤاد المهندس فإذا أبو لمعة يجيبه أننا قد رفدناه وإذا كان التلفزيون سيصور المسرحيات من أجل فؤاد فلا داعي وإذا كان سيصوره بدونه فأهلا وسهلا.
انت المقابلة جافة، وانفعل سعيد أبو السعد، وقال له إن التلفزيون لن يصور هذه المسرحيات. علمت بهذه الكارثة الجديدة وأني فقدت من ضمن ما فقدت المبلغ الكبير الذي كنت سأتقضاه في حالة التصوير، ما هذا الحظ إن المصائب لا تأتي إلا تباعاً. 
لكني أشعر دائما أن الله يقف بجانبي دوما فقد استعطت في نهاية هذا الموسم رغم ما به من منغصات أن أسدد ديوني التي اقترضتها بفوائد باهظة ولكن لم يبقي معي أي نقود واستدنت من كوتة بك صاحب المسرح عشرون جنيها حتى أستطيع الرجوع للقاهرة مع يحيي سليط وكنت قد اتخذت مع نفسي قراراً خطيرا، فقد قررت أن أكون فرقة جديدة اسميها اسما آخر غير ساعة لقلبك، صحيح أنه كان اسماً كبيراً في ذلك الحين، إلا أنه مرتبط بأفراد الفرقة لأنهم أساس البرنامج. ومع ذلك لابد أن أغيّر الإسم فلا يمكن أن أسمح لأحد بليّ ذراعي وفرض إرادته وسيطرته على. 

عدت إلى القاهرة وهناك وجدت مفاجأة جديدة فما أن وصلت إلى مكان الأوتيل بشارع عدلي لم أجد الأوتيل وجدت أرضا فضاء بسور أين ذهب الأوتيل؟ ظللت أسأل حتى علمت أنه هدم لتقام مكانه عمارة ضخمة وأين أصحاب الأوتيل فقد تركت كل متعلقاتي به ماذا أفعل؟ وأين أضع حقائبي التي أتيت بها من الإسكندرية؟ أخيرا علمت أن أصحاب الأوتيل فد استأجروا أوتيلا جديدا وعلمت أنه في شارع رمسيس أمام معهد الموسيقي، ويسمي أوتيل مونت كارلو توجه إلى العنوان الذي أعطوني إياه وهناك وجدت مبني قديم ما إن دخلت مدخله حتى وجدت دكاكين لكل شيء وصعدت السلم فوجدت شققا ضيقة أغلبها محلات ترزية وكهربائية إن المبني ولا سوق العتبة، سألت على الأوتيل فقالوا في الدور الثاني صعدت فوجدت اوتيلا لا يصلح للسكن مجرد دخولي فيه شعرت بانقباض في صدري، عرف أن مدير الأوتيل إمرأة أعتقد أنها يونانية أو أرمنية لست أدري، إمرأة في الخمسينات من عمرها شعرها رزي ومنكوش. سألت عن حاجاتي فقالت أنها كلها موجودة بالمخزن وسألتني إن كنت اود أن أقيم في الأوتيل، أي أوتيل؟ معقول أن أسكن في هذا المكان الكئيب فقالت عندي حجرة كبيرة وجميلة ترددت لحظة قبل أن أنطق كلمة قادتني في دهليز طويل الإنارة فيه ضئيلة وفتحت غرفة هي حقا ليست مساحتها صغيرة ولكنها أشبه بالسجن، فلم أرى في حياتي لوكاندة شبابيك حجرتها تقترب من السقف وحجمها صغير جداً. فالإنسان مهما كان طويلا لا يستطيع أن يصل إليها ليفتحها وفي المكان المفروض أن تكون فيه الشبابيك وجدت باراً حديدياً طويلاً يحزم الغرفة بأكملها واكتشفت أنها مواسير المياه وأرضية الحجرة كانت بلاط وعفش قديم جداً، دولاب وسرير وترابيزة قديمة عليها مرآة المفروض أن هذه هي التواليت (التسريحة). سألتني عن رأي هل هذا سؤال؟ إنه سؤال وقح ولكني وقفت متردداً أين أذهب بكل هذه الحقائب فسألتها عن الإيجار فقالت بما أنك كنت زبون دائم فسأحسب لك الغرفة ب15 جنيها في الشهر، قلت في نفسي لن أجد لوكاندة آخرى بهذا السعر واستقر رأي على أن أقيم فيها إلى أن أبحث وأجد مكاناً آخر، لكنني لم استطع إخبار أحد أين أبقى، كما أني لم أكن استطيع أمكث بها أكثر من ساعات الليل وأحيانا فترة الظهيرة كي أستريح قليلا وأغيّر ملابسي. 

كان وديع "بارمان كازينو جامايكا" قد اختلف مع صاحبته واستأجر قهوة وبار في شارع الألفي بالقرب من العمارة التي بها نقابة المهن التمثيلية، كنت أخرج من سجني صباحا واتجه إلى شارع الألفي حيث قهوة وديع وآخذ معي أوراقي وأكتب هناك، وكان يضع على باب القهوة عربة للسندوتشات فكنت أفطر هناك وأشرب الشاي وأبدأ في الكتابة حتى الظهيرة وكنت أتغدي في أي مطعم صغير وأعود إلى المعتقل أنام قليلاً وأغير ملابس وأخرج، وإذا حلّ المساء أتجه مرة أخري إلى البار حتى إذا كانت الثانية صباحاً يكون صلاح منصور وحامد بك مرسي المغني القديم في فرقة على الكسار وكان دنجوان عصره. فقد كان متزوجاً من السيدة عقيلة راتب قبل أن أتعرف عليه. كنا نجلس ثلاثتنا على البار حتى إذا حان موعد التشطيب يقوم وديع بإنزال باب المحل ونظل نشرب وحامد بك يحكي لنا عن مغامراته، وكيف أن سيدة مجتمع غنية جداً أحبته لدرجة الجنون واصطحبته معها إلى باريس وهناك اكتشفت علاقته مع آخريات وفي العاصمة الفرنسية، فما كان منها إلا أنها مزقت باسبوره وجميع ملابسه وتركته وعادت إلى القاهرة. وهو لا يفهم أي لغة وله حكايات من هذا القبيل لاتنتهي. فإذا فرغ من الحكايات أخذ يتذكر المجد القديم فيبدأ في الغناء وهو يشرح لنا علاقته بسيد درويش وأنه كانوا يدخلون الغرزة يوم الثلاثاء مثلاً. وحين يسألون وهم خارجون منها عن اليوم يخبروهم أنه يوم الجمعة ونظل هكذا حتى الساعات الأولى من الصباح فأعود إلى  المعتقل على أن نلتقي في اليوم التالي. 

 


وكنت أمر بحالة نفسية سيئة رغم هذا السهر كل يوم فلم أكن استقريت على الخطوة التالية لي بعد هذا القرار الذي اتخذته بعدم التعاون مع اغلب المجموعة (ساعة لقلبك)، كذلك لم أكن فكرت كيف أستطيع تمويل هذه المرحلة وقد عدت من الإسكندرية وليس معي أي نقود جلست مع فؤاد المهندس جلسات طويلة واخبرته باستحالة التعاون مع هذه المجموعة مع من سنعمل؟ لم أكن أعرف وكانت نفسيتي تشلّ تفكيري حتى أنني لم أستطع أن أهتدي لموضوع المسرحية التي نقدمها في هذه الفترة.

بداية جديدة
في يوم من الأيام ذهبت لزيارة صحفي صديق بجريدة الجمهورية وهو أبو الحجاج حافظ وهو من أصدقاء الفرقة والمتحمسين لها ولجيل الشباب عامةً. وهناك وجدت الأستاذ محمد دوارة الصحفي الفني بالجريدة تعرفت عليه وفجأة قالي أنا عندي موضوع كوميدي جميل، ما رأيك لو كتبناه سويا؟ تواعدنا في قهوة فينيكس بشارع عماد الدين وطرح موضوع المسرحية فوجدت أنه موضوع ظريف ومختلف تماماً عما يقدمه المسرح في هذه الفترة. مجموعة من الشباب لم تعد تعجبهم أحوال المدينة بزيفها ونفاقها فقرروا عمل جمعية تنادي بالعودة إلى ما يشبه بالعودة للقديم ونبذ كل ما له علاقة بالمدينة فاستأجروا شقة وحولوها إلى ما يشبه الغابة وارتدوا ملابس الإنسان البدائي وحرموا استعمال الكهرباء وقراءة الصحف وكل ما يتصل بالعصر الحديث. وفي يوم من الأيام أخبرهم سكرتير الجمعية أن ابنة مؤسس الجمعية قد انحرفت واشتغلت ممثلة بالسينما عقدوا اجتماعاً عاجلاً وقرروا انتداب سكرتير الجمعية لاثنائها عن هذا المنكر، وإرجاعها إلى مبادئ والدها. يتعرض السكرتير إلى الكثير من المشاكل حتى يستطيع مقابلتها وبعد عدة مواقف يشعر أنه يحبها وتستطيع إقناعه بفوائد المدينة وفي النهاية، يعمل هو معها في السينما ويصبح نجماً لامعاً.

أُعجِبتُ بالفكرة وبدأنا في كتابتها وانتهينا منها في زمنٍ قياسي لحبنا للفكرة. وجدت المسرحية لكن من يقوم بأداء أدوارها وأين المسرح نقدمها عليه، وأين المال اللازم لظهور المسرحية بشكلٍ لائق؟ هذا ما كان يشغل تفكيري، تعرفت على رجل أعمال له ميول فنية. فعرضت عليه أن يشترك في إنتاج المسرحية. وهو يدعي سعيد الفقي. فوجدت منه ترحيباً بالفكرة، ذهبت لكوتة بك وكان له مكتب في القاهرة بشارع النمر (شارع النمر يوازي شارع سليمان باشا) ذهبت إليه لأرد العشرين جنيها التي استلفتها منه.

وبدأ يسأل عن الفرقة وأخبرته أني بصدد تكوين فرقة جديدة لكني لا أجد مكانا لعمل البروفات قالي الشقة دي تنفع؟ وجدت شقة كبيرة بها ممر به حجرة صغيرة وبجوارها حجرة كبيرة جدا وحجرة للمكتب علاوة على حجرتين منفصلتين مقفول عليهم باب عليه قفل، قال سأعطيك كل أماكن الشقة ما عدا هذا الجناح فإنه يخصني وحينما أحضر إلى القاهرة أقيم فيه على شرط أن أتولي أنا أدفع الإيجار كم يكون هذا الإيجار؟ قال 7 جنيهات ونصف، اتفقت وأعطاني مفاتيح الشقة، كانت الشقة مهملة وتحتاج إلى طلاء جدرانها حضر سعد الفقي وتولي مسؤولية توضيب الشقة لتكون مقراً للفرقة. 
بدأت اتفرّغ لتكوين الفرقة التي اسميتها (الكوميدية الجامعية) وكان فؤاد المهندس بطل الفرقة ومعه السيدة خيرية أحمد وأقنعت الأستاذ حسن فايق الذي كان قد ترك فرقة إسماعيل ياسين وكتبت معه عقدا وأعطيته عربونا 50 جنيها دفعة واحدة، وكدت أطير من الفرح حينما وقعت العقد ولم يمضِ سوي أسبوع إلا وقد أرسل خطاباً بعدم تمكنه من العمل نظراً لظروفه الصحية، وعلمت بعد ذلك أنه قد تم الصلح بينه وبين فرقة الريحاني وسيعود للعمل بها. ولما واجهته بذلك، قال إن صحته لا تحتمل عمل بروفات بالنهار والتمثيل في المساء وأن مسرحيات الريحاني معادة وهو لن يبذل مجهودا لأن أدواره أداها مئات المرات. طبعا كانت حجة واهية. فارتبطنا بالاستاذ استيفان روستي وكان هو الآخر ترك فرقة إسماعيل ياسين وكتبت معه عقداً بمبلغ 100 جنيه شهرياً، وكذلك ارتبطت بمحمد رضا بعد أن ترك فرقة المسرح الحر وعمل فترة في فرقة إسماعيل ياسين وكان عقده بمبلغ 80 جنيهاً، وحينما علم الإستاذ أبو السعود الإيباري باتفاقي مع محمد رضا بهذا المبلغ ثار جداً إذ أن هذا مبلغ كبير وقالي إنت كده هتبوظ الممثلين. 

واحتفظنا بالاستاذ فرحات عمر وأحمد الحداد ومحمد عوض فهؤلاء لم يكن لهم أي مشاكل في يوم من الأيام كذلك اتفقنا مع السيدة وداد حمدي وقدمنا الضيف أحمد لأول مرة على مسرح الإحتراف وأسند الإخراج للأستاذ عبد المنعم مدبولي. 
كانت سعد الفقي قد انتهى من تأثيث شقة شارع النمر وطلائها وأصبح شكلها جميلاً يوحي بالثقة. وأقمنا حفل شاي صغير بالشقة بمناسبة بدء التمرينات وتعارف الفنانين. حضر الجميع وهم في غاية السعادة وفجأة فتح باب الشقة ودخل كوتة بك وزوجته الإسبانية وفوجئت بالتغيير الكبير في الشقة وإذا بحالة عصبية تنتابها لما علمت أني استأجرت الشقة وظلت تصرخ وتقول لكوتة بك طلقني لازم تطلقني حالاً. إيه يا مدام ماذا حدث؟ فتجيب أنا متجوزة كوتة بك المليونير مش اللي بيأجر شقته بسبعة جنيهات ونصف وفجأة أغمي عليها يا ستي في عرضك في طولك ما تعمليش في نفسك كده، الشقة ممكن نسيبها من دلوقتي بس فوقي استمر هذا الموقف ما يقرب من الساعة والجميع في منتهي الحرج، ولما أفاقت بدأ كوتة بك في إقناعها إنها بموافقتها ستسدي للفرقة والفن جميل، وإذا أصرت على موقفها فستضع الجميع في موقف حرج جداً حتى اقتنعت وشاركتنا في احتفالنا وبدأنا البروفة. 

عُرِضَت المسرحية بمسرح الأزبكية الصيفي. كان نجاح مسرحية (البعض يفضلونها قديمة) مقبولاً. وكان من الممكن أن تكون عملاً مميزاً لولا أن الفصل الأول منها شعر فيه الجمهور بشيء من التغريب. فقد كان الفصل الأول يبدأ والديكور أشبه بغابة والممثلين يرتدون ملابس الإنسان البدائي ولو قدر لي إعادة كتابتها مرة آخرى لكتبت مقدمة تمهيدية عن كون هؤلاء الناس وسبب التغيير الذي حدث لهم ولا أترك هذا لكي يستنتجه الجمهور في سياق الأحداث.
يما بعد، صوّرت المسرحية تلفزيونياً وكان هذا أول عمل يصوّر لي تلفزيونياً وأذيعت مرةً واحدة، وبعد ذلك علمت أن الشرائط المسجلة عليها المسرحية قد مسحت. 
وفي الوقت الذي كنا نعرض فيه المسرحية على مسرح الأزبكية الصيفي كانت تُعرض فيه على مسرح الأزبكية الشتوي رائعة سعد وهبة (المحروسة) وهي أول عمل للأستاذ سعد وهبة وكان أحد طاقم إدارة التحرير في جريدة الجمهورية في هذا الوقت، كتب عن المسرحية في أغلب الصحف والمجلات فيما عدا جريدة الجمهورية رغم أن شريكي في التأليف محمد دوارة يعمل محرراً فنيا في جريدة الجمهورية التي كانت تكتب يوميا عن مسرحية الأستاذ سعد وهبة ما لا يقل عن خمسة مقالات في اليوم، ورغم أن عدداً من زملاء دوارة بالجريدة كتبوا نقدا للمسرحية ولكنه لم ينشر، وقد سأل دوارة الأستاذ سعد وهبة في هذا الموضوع الذي اجابه أنه لن ينشر لأي نقد لأي مسرحية طالما مسرحية المحروسة عرضها قائم.. والأستاذ سعد وهبة كان سكرتير تحرير جريدة الجمهورية.

العمل بالإذاعة.. 
كنت قد قرأت موضوعا في أحد الكتب يصلح لأن يكون مسلسلاً كوميدياً جميلاً. ولم أكن تعاملت مع الإذاعة من قبل ذلك على الإطلاق. ناقشت فيه الأستاذ محمد دوارة وبدأنا في كتابته سويا، ولما كنت جديداً في الإذاعة، لم يكن لي أجراً معتمداً. والمفروض أن يحدد أجراً لمبتدئ. ولكني كتبت مذكرة أطالب فيها بما إني كتبت المسلسل مع الأستاذ دوارة وهو يتقاضي أكبر أجر في هذه الفترة، وكان عشرون جنيها عن النصف ساعة، فطالبت المعاملة بالمثل وأجيب طلبي. وهكذا دخلت الإذاعة ولم أكن أدري أن الربع ساعة وهو مدة الحلقة لا يجوز عن ستة أفراد، ولكن لابد من استئذان مدير البرامج الأستاذ حمدي عبدالحميد الحديدي في ذلك الوقت، وكتب له المخرج مذكرة بذلك فأشر بالموافقة لكن التأشيرة كانت غريبة جداً. أشر الأستاذ الحديدي فقال (أوافق وكان الله في عون المستمع).
وتعلمت من هذه التأشيرة الكثير إذ كلما قلّ عدد الشخصيات ساعدت المستمع على التركيز ومن هذا المسلسل أصبح موردي الأساسي الذي أعتمد عليه هو الإذاعة. ولقد كان وجدي الحكيم بصوت العرب، وكان يفضل التعامل معي وقد قدمت معه للإذاعة رصيداً كبيراً جداً.


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


فيديو

تانيا قسيس تجمع أطفال المدارس الرسمية اللبنانية في حلم الوطن الواحد
المزيد..
في ترفيه