تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث
إيلاف تستعرض مذكراته في سلسلة حلقات(1)

سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضي

قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"إيلاف" من القاهرة: يعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود والتي وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي اصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داود.
وتنشر إيلاف بدءاً من اليوم وعبر عدة أجزاء حكايات المسرح المصري كما رواها "خفاجي" في مذكراته، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها، ذاكراً لوقائع بأسماء أصحابها.

طفولة هادئة
ويسرد الكاتب قائلاً: في بداية الاربعينات كنت أقيم مع أسرتي المكونة من والدي محمد محمد خفاجي، ووالدتي فاطمة المرقي، وشقيقتين أصغر مني، في شارع هادئ من الشوارع المتفرعة من شارع قصر العيني، كانت العمارة التي نسكنها تُطل علي قصر الأميرة شويكار (مجلس الوزارء حالياً). وكان اسم الشارع "الداخلية". ولقد تحول إلى شارع محمد سعيد. كنا نصعد فوق السطوح لمشاهدة حفلات الأميرة شويكار حيث كانت تقيم استعراضات في حديقة القصر يحضرها الملك كل عام. وكان أمام القصر قطعة أرض كبيرة تابعة له وفيها مبني استأجره شخص يدعي عبدالملك أقام عليه متحفاً للشمع على غرار متحف الشمع في لندن (مدام توسو) مع فارق الحجم طبعا والإمكانيات. أما بقية الأرض فكانت تستعمل لرياضة الكباتيناج. وكانت هذه الرياضة منتشرة في مصر في هذه الفترة، فكانت أغلب السينمات الصيفية تتحول في فصل الشتاء الي باتيناجات وكنت احد المشتركين في هذا الباتيناج مع عدد من الأطفال ساكني العمارة معي، فقد كانت هذه تقريبا الرياضة الوحيدة التي أمارسها. 
وكان يوجد بشارعنا عدد كبير من دور الصحف، فبعد ثلاث عمارات من عمارتنا كان مبني دار روز اليوسف، وعلي بعد خطوا كانت جريدة العمال وقرب نهاية الشارع كانت مجلة الصباح، وفي نهاية الشارع كانت توجد مطابع جريدة البلاغ، ومن ناحية شارع القصر العيني كانت توجد روضة اطفال الدوبارة التي قضيت فيها السنوات الأولى من عمري، والتي تحولت بعد ذلك الي جريدة المصري. 

كانت الشوارع هادئة ونظيفة تمر عليها عربات الرش يوميا، لغسلها بالماء والصابون، ويوجد موقف للتاكسي علي نواصي الشوارع، لا تستطيع أن تستقل أحدها إلا الذي عليه الدور (البرنجي)، الجيران تتزاور ويودون بعضهم البعض، يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم، فإذا حدث لأحدهم مكروهاً التفوا حوله يخففون عنه، واذا مات أحد الجيران وجدت باقي الجيران وقد ظهر الحزن عليهم جميعاً، بل أن الجيران كانوا يمتنعون عن فتح المذياع حرصا علي شعور جيرانهم، وكانت هذه سمة الحي الذي نشأت به. 

ولكن اذا مشيت قليلا حتي بداية شارع القصر العيني كان هناك ميدان الإسماعيلية "التحرير حاليا". فتجد الأمر مختلفاً بوجود العساكر من جميع الجنسيات، بريطاني، استرالي، هندي، إفريقي، حيث كان بالقرب من الميدان ثكنات الجيش البريطاني بجوار كوبري القصر النيل. في المساحة التي يشغلها الآن مبنى جامعة الدول العربية وفندق هيلتون والمناطق المحيطة به. بداية من ميدان الاسماعيلية كان هولاء الجنود يعيثون في الأرض فساداً، يشربون الخمر ويضربون النساء، ويضربون من يتصدي لهم، وهم يطاردون بنات الليل، وما أكثرهن في تلك الفترة، التي صاحبت الاحتلال والحرب العالمية الثانية، وكلما توغلت في وسط البلد تجد البارات انتشرت في كل مكان خصوصا شارع عماد الدين وشارع فؤاد والألفي والازبكية، خمارات من كل نوع ومن كل المستويات، تبيع أسوأ أنواع الخمور وأرقاها في هذه الفترة. في هذه الفترة كانت الاسر تتجنب هذه المناطق، كان الخبز الفينو يوزع فقط للإنجليز، أما الخبز الأسمر فكان لأهل مصر فقط.

 

 



 

سي نجيب الريحاني..
من حسن حظي إني نشأت في أسرة محبة لمسرح نجيب الريحاني، فقد كان أبي ياخذني إلى مسرح الريحاني على الأقل مرةً كل شهر، سواء كانت المسرحية جديدة أم قديمة. وبذلك أكون شاهدت أغلب مسرحيات نجيب الريحاني أكثر من مرة.
في البداية لم أكن مبهوراً بنجيب الريحاني شخصياً. لقد كنت معجبا بشرفنطح (محمد كمال المصري)، وبشارة واكيم، وماري منيب، ومع تقدم سني بدأت أشعر بالقيمة الحقيقة لنجيب الريحاني. لقد كان الريحاني مقلاً في عمله، فلم يكن موسمه بمسرح ريتس (الريحاني) يتعدى الأربعة شهور ثم يقدِّم أسبوعاً في مسرح محمد علي (سيد درويش حالياً) في الاسكندرية، يسافر بعدها للخارج ليمضي شهور الصيف في أوروبا ويطلع على أحدث المسرحيات.
كان موسم الريحاني الشتوي يبدأ عادة بمسرحية 30 يوم في السجن، لست أدري إن كان هذا من باب التفاؤل ام لا، إلا إذا كان يقدّم مسرحية جديدة فإنه يفتح بها الموسم، وكان عادة إذا قدم مسرحية جديدة يقدمها أولا لمدة شهر على مسرح دار الأوبرا الملكية. ولقد شاهدته بمسرحيتين في الأوبرا. الأولى (حسن ومرقص وكوهين) والثانية (إلا خمسة).

وكانت أسرتي تمنعني في هذه الفترة من النزول إلى وسط البلد وحدي، غير أن الأسرة كانت تصطحبني أحيانا إلي دور السينما وكثيرا ًما كنا نذهب قبل مشاهدة عروض الريحاني لأخذ بعض "الساندوتشات من محل الاكسيليسيور"، الذي كان موقعه عند تقاطع شارع فؤاد مع شارع عماد الدين (مكان عمارة الطرابيشي الآن)، فكنت أرى هذه المنطقة مليئة بالسكارى من جنود الإحتلال.
كان نجيب الريحاني مقلاً في تقديم المسرحيات فقد تمضي سنتين أو أكثر كي يقدم مسرحية جديدة ورغم ذلك كان مسرحه كامل العدد، وكان رده على الذين انتقدوا قلة إنتاجه أنه لو وجد في أي يوم كرسي واحد خال فهو مستعد لتقديم مسرحية جديدة في اليوم التالي. فقد كان مسرحه أنيقا جداً ونظيفاً يرتاده صفوف المجتمع.حيث كنت أرى النساء في قمة أناقتهن والرجال بالملابس الرسمية الكاملة، حتى إذا شاهدت رجلاً لا يرتدي الجاكيت أحسست كانه نغمة النشاز.

كان الإعلان عن مسرحيات الريحاني في الجرائد بسيط وصغير جداً في صفحة للإجتماعيات، الاعلان يقول فرقة نجيب الريحاني علي مسرح ريتس يقدم مسرحية كذا، تأليف الاستاذين نجيب الريحاني وبديع خيري يوم كذا، في بضعة سطور قليلة. ولم يكن يذكر اسم اي من الممثلين رغم ان فرقته تضم فطاحل نجوم الكوميديا. فكانت تضم بشارة واكيم، حسن فايق، محمد كمال المصري (شرفنطح) عبدالفتاح القصري، استيفان روستي، محمد الديب والسيدات ماري منيب، ميمي شكيب، زوزو شكيب، زينات صدقي، نجوي سالم، وفكتوريا حبيقة.
وكانت غالببة أعماله مقتبسة عن الفرنسية. بدليل أن أمين صدقي كان يقتبس بعض المسرحيات. وهو من كبار المسرحيين وكان يعمل مع نجيب الريحاني في فترة سابقة قبل أن يعمل الريحاني مع الأستاذ بديع خيري. ما دفع "صدقي" ليعمل مع الفنان الكبير علي الكسار. وأعتقد أنه لم يؤلف مسرحية هو وشريكه الأستاذ بديع خيري إلا مسرحية (حكاية كل يوم)، وقد كانت ملخص بصورة كاريكاتيرية عن قصة حياة نجيب الريحاني مع بديعة مصابني، كما قال لي الأستاذ بديع في فترة لاحقة.

ووكان الريحاني ملتزما في عمله، ويعتمد في مسرحياته علي الحبكة المسرحية وسوء التفاهم وسخونة الموقف. فلم يكن يسمح بأي إضافة على النص لأي من الممثلين، فالمسرحية تكاد تكون كشريط السينما اللهم إلا تجويد في الأداء. ولقد قال لي فيما بعد الأستاذ محمد الديب أنهم اثناء التمثيل أضاف جملة أثارت ضحك الجمهور، وكان الريحاني معه على المسرح. فنظر إليه غاضباً وقال له بصوتٍ منخفض (طب أرد عليك اقولك إيه؟)، وخصم له من مرتبه خمسين قرشًا. 

ولقد كان "الريحاني" مخرج مسرحياته بالإضافة إلى كونه شريكاً في كتابتها، ولم يكن يعتمد في إخراجه على الإبهار أو المؤثرات الضوئية. إلا فيما ندر ولم يكن يعتمد على ألحان وموسيقة تصويرية اللهم إلا بعض الألحان في مسرحية(الدنيا علي كف عفريت)، ولحن واحد في مسرحية (حكم قراقوش)، هذا طبعاً في فترة الأربعينيات. أما فترة (الميوزك هول) والتي كان يقدم فيها (كشكش بيه) فقد كانت في فترة سابقة لم أعاصرها. رغم أنه كان يقدم (الدنيا علي كف عفريت) في الأربعينيات وظل يقدمها حتي نهاية عمره، لا بل كانت آخر عرض قدمه في حياته، وهو كان يقدم فيها شخصية كشكش بيه، ولقد كما كان الديكور بسيطاً في كل مسرحياته وأغلبها كانت صالونات (فيرميه) أي مناظر داخلية مقفولة. حيث كان من الممكن استخدام الديكور في أكثر من مسرحية، ولم تكن إمكانيات مسرحه متقدمة، ولذلك حينما قدّم مسرحية (سلاح اليوم) لم تنجح النجاح المطلوب لانها تحمل 7 مشاهد مختلفة، فكان الجمهور ينتظر فترة طويلة في ظلام المسرح كي يغير المنظر مما أصاب الجمهور بالملل. 
 

 


 

مسارح محدودة
في هذه الفترة كان عدد المسارح التي تعمل قليلاً. فلم يكن يوجد إلا مسرح الريحاني ومسرح دار الأوبرا ومسرح الأزبكية، ومسرح صغير كان اسمه أوبرا ملك الذي كانت تقدم عليه المطربة ملك أوبريت (مدام باترفلاي) و(سفينة الغرق). كم كان يوجد مسرح (ليلاس) بروض الفرج وكان يعمل به على الكسار الذي لم أشاهده مع الأسف إلا في فترة متاخرة حينما كان يعمل بالمسرح الشعبي (شاهدت له رائعة موليير البخيل باسم سراقوا الصندوق).
أما مسرح الأزبكية فقد كانت تعمل به الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقي. وهي الفرقة الحكومية التي تضم أساطير التمثيل في العالم العربي، أمثال أحمد علاّم ونجمة ابراهيم، فاخر فاخر، زوزو حمدي الحكيم، أمينة رزق، جورج أبيض، فردوس حسن وحسن يوسف، وقدموا روايات منها (مجنون ليلى) و(عطيل شارك فيها جورج ابيض ويوسف بك وهبي وحسين رياض وفارخر فاخر وحسن البارودي وأمينة رزق وفردوس حسن) و(لويس الحادي عشر) وروايات من المسرح العالمي لعزيز أباظة (العباسية) و(غروب الأندلس) و(قيس ولبني).

وكانت دار الأوبرا تُقدم الفرق الأجنبية وفرق الأوبرا الإيطالية وباليهات البولشو، وفي الفترات الخالية من المواسم الأجنبية، كانت تعمل الفرقة المصرية فتقدم روائع المسرح العالمي، وكبار المؤلفين المصريين، واحيانا مواسم قصيرة مع فرقة جمعية أنصارالتمثيل الجمعية التي كانت تحصل على إعانة من الدولة وتقدم مواسم قصيرة، وكان مديرها سليمان نجيب بالإضافة لرئاسته للأوبرا، وكانت تضم النجوم الكبار منهم أمينة نورالدين، ومحمد توفيق وعدد آخرمن المشاهير.

أما يوسف وهبي في هذه الفترة فلم يكن له مسرحاً ثابتاً، بل اعتاد أن يستأجر سينما إيزيس في السيدة زينب. وينضم أحيانا للفرقة المصرية، فيقدم بها معظم مسرحياته، وللعلم فالفرقة المصرية تحولت بعد ذلك إلى الفرقة القومية للفنون المسرحية أو ما يُعرف اليوم باسم المسرح القومي.

وعلي عكس قلة المسارح، كانت الملاهي الليلة الصاخبة (الكباريهات) ودور اللهو كثيرةً جدا. فكان في وسط المدينة عدداً كبيراً منها مثل كازينو بديعة بميدان الأوبرا قبل أن تشتريه الراقصة الشهيرة ببا عز الدين ثم اشترته منها صفية حلمي عندما كانت تملك كازينو كوبانا بميدان مصطفى كامل. وهو الكازينو الذي قدم عليه الفنان محمد صبحي مسرحية تخاريف بميدان الأوبرا قبل هدمه وتحوله إلى عمارة سكنية.

 



ومن الطرائف أن يوسف بك وهبي ذهب لصفية حلمي ليستأجر منها الكازينو ويقدّم عليه أحد عروضه المسرحية. فاشترطت عليه القيام بدور البطولة أمامه فقال لها: (يعني تقومي بدور غادة الكاميليا؟) فردت عليه أن الدور ينطبق عليها فضحك يوسف بك وهبي وانصرف. 
وكان يوجد أيضاً كازينو فتحية محمود بشارع الألفي وخلف سينما ستديو مصر حيث كانت تدير مكان اسمه "اوبرج الترف"، وكان يتبع مقهى فوقه على مستوي اسمه الاسكرابيه، وعدد كبير جدا من الملاهي الأخرى فكان هناك الكيت كات والنيوسونال في سليمان باشا والحلمية بالاس، بالإضافة إلى كباريهات شارع الهرم قبل حريق القاهرة (كل هذه الكباريهات احترقت في حريق القاهرة ولم تفتح أبوابها بعد ذلك).
وكانت بديعة مصابني تقدّم برنامجاً حافلاً. وهناك الكثير من نجوم الغناء والرقص تخرجوا من مدرستها. فكانت منهم تحية كاريوكا وسامية جمال وفريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمد عبد المطلب وعبد الغني السيد وكثيرين. كما كان يعمل بها عدد كبير من كبار الممثلين أمثال بشارة واكيم وفهمي أمان. فهي كانت تقدم فاصلاً تمثيليا في كل ليلة وغالباً ما كان يكتبه أبوالسعود الأيباري وكانت تقدم حفلة أسبوعية ماتينيه للعائلات، تنقل في الصيف إلى كازينو بديعة الصيفي وكان يقع مكان شيراتون الجيزة، فيما كان الكوبري المؤدي له كان يطلق عليه اسم كوبري بديعة (كوبري الجلاء حالياً)، وفي حديقة هذا الكازينو كان يجتمع كبار نجوم الفن والأدب وكبار الصحفيين والأعيان في مصر.
سلسلة مذكرات المسرحي سمير خفاجي تستمر في حلقات نستعرضها تباعاً. والمزيد في الحلقة التالية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


فيديو

عاصي الحلانيي: إنضمام أولادي لي في عالم الغناء ظاهرة وإنتقادات البعض حسد وغيرة
المزيد..
في ترفيه