بيروت: للأسبوع الثاني على التوالي لم تعقد الأمانة العامة لقوى 14 آذار/ مارس اجتماعها الأسبوعي الذي تصدر بعده بياناً يحدد موقف هذه القوى من التطورات في لبنان وحوله. هذا الغياب الوعي رده أركان في الأمانة العامة عندما سألتهم quot;إيلافquot; عنه إلى عدم الرغبة في إرباك مسيرة رئيس الحكومة سعد الحريري من خلال التصدي لموضوع الإستدعاءات القضائية السورية أو غيره من المواضيع الشائكة والشبيهة.

يضاف إلى الرغبة في تحاشي إحراج الحريري، قبيل توجهه في زيارة رسمية يمكن وصفها بالتاريخية للعاصمة السورية، أن الأمانة تعتبر المرحلة الحالية التي تحكم لبنان والمنطقة انتقالية، وتفترض اعتماد أساليب مواجهة جديدة بدأ التحضير لها، وذلك من خلال خلوات فكرية وتنظيمية علمت quot;إيلافquot; أن إحداها عقدت مساء أمس الثلاثاء، والغاية منها ضمان استمرار التحالف المسيحي ndash; الإسلامي الذي أنتج قوى14 آذار وتحصينه.

وهذا التحصين هو مهمة المسيحيين خصوصا، وفق القيمين على الأمانة، وذلك لجملة أسباب أهمها أن انتقال المسلمين السنّة من موقع إلى آخر على غرار ما فعل رئيس quot;اللقاء الديمقراطي quot; النائب وليد جنبلاط هو احتمال غير ممكن، نظرا إلى ارتباطهم بتوازنات سنية - شيعية وعربية ndash; إيرانية. وبالتالي فإن العمل على فرط ١٤ آذار سيتركز على الجانب المسيحي فيquot; انتفاضة الأرزquot;، بغية إضعافه وضرب فكرة اللقاء بين اللبنانيين.

ويقول هؤلاء القائمون على الأمانة العامة، وأبرزهم منسقها النائب السابق فارس سعيد، والنائب السابق سمير فرنجية، إن المطروح اليوم هو البحث في إمرار هذه المرحلة الانتقالية من دون أن تترك أي انعكاسات على تحالف ١٤ آذار، في حين تكشف مصادر آخر أن مناقشات سياسية هادئة وعميقة تجري داخل هذه القوى في شأن التعاطي والتطورات الآنية.

وتشير إلى وجهتي نظر تتجاذبان الجناح المسيحي في هذه القوى، يدعو أولهما إلى إنشاء لقاء سياسي جديد على غرار ما كانه quot;لقاء قرنة شهوانquot;، وذلك لأسباب موجبة، أهمها أن quot;انتفاضة الاستقلال quot; ارتكزت على ثلاث قوى هيquot; تيار المستقبلquot; والحزب التقدمي الاشتراكي وquot;لقاء قرنة شهوان.

وفي حين حافظ كل من quot;المستقبلquot; والتقدمي الاشتراكي على شخصيته وحضوره، انفرط عقد لقاء قرنة شهوان وحل محله تعبير quot;مسيحيي ١٤ آذارquot;، وأن إحياء اللقاء لا يعني إعادة الفرز بين مسيحيي القوى التي يفترض أنها الغالبية ومسلميها، لأن quot;اللقاء الديمقراطيquot; قبل تموضعه الجديد بعد ٢ آب/ أغسطس الماضي وquot;تيار المستقبلquot; يضمان في صفوفهما مسلمين ومسيحيين، فيما فلسفة لقاء القرنة قامت على أساس لقاء مسيحي بخطاب وطني من أجل الالتقاء على مساحة مشتركة مع الشريك الوطني.

أما ثاني الأسباب الموجبة فهو فشل قوى ١٤ آذار لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية طبيعية في تحويل تجمعها جبهة سياسية واحدة، وكذلك خروج المكون الدرزي من صفوفها،مما يستدعي تعزيز الوضع المسيحي داخل ١٤ آذار وتمتينه، لأن التحديات التي تواجه استمرار هذا اللقاء باتت أكبر، لا سيما أن المسؤولية الكبرى في هذا المجال تقع على عاتق مسيحيي هذا التجمع.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن اللحظة السياسية الإقليمية التي فرضت علىquot; تيار المستقبلquot; تعديلا في خطابه لا في مساره، تتطلب توزيعا للأدوار مدروسا بين تكتل quot;لبنان أولا quot; الذي يترأسه الحريري ومسيحيي ١٤ آذار، وهذا التوزيع يفترض قيام لقاء مسيحي يؤدي المهمة نفسها التي قام بها لقاء قرنة شهوان عبر التمسك بالشراكة.

ويضيفون إن سلسلة الأحداث التي شهدها لبنان بين ٢٠٠٥ و ٢٠٠٩ من فشل الرهان على الديمقراطية بعد الفوز في استحقاقين انتخابيين، والفشل في الرهان على الدولة في حماية المواطنين في أحداث ٧ أيار/ مايو وقبلها وبعدها، وصولا إلى إعادة تموضع جنبلاط وتماهي quot;تيار المستقبلquot; بالتوجه السعودي، كلها عناصر تفرض مع غيرها قيام لقاء مسيحي لسببين على الأقل:

أولهما الدفاع عن التوجه المسيحي من موقع القوة التمثيلية والمتمسك بالشراكة المسيحية-الإسلامية التي من دونها يعني فتح الساحة اللبنانية مجددا أمام الوصايات الخارجية، والدفاع عن هذا التوجه المسيحي الذي استطاع بين دورتين انتخابيتين إعادة إثبات وجوده وحضوره، وهو يثبت يوما بعد يوم قدرته على تعزيز مكانته مقابل تراجع شعبية الطرف المسيحي الآخر المتمثل بـ quot;التيار العونيquot; وحلفائه، بدليل النتائج الطالببية والنقابية التي جرت أخيرا.

لكل هذه الأسباب وغيرها، تدعو وجهة النظر هذه إلى قيام لقاء مسيحي يحمل أهداف ١٤ آذار ويعكس الاطمئنان لدى هذه الفئة المعنية ، ويضع حدا نهائيا للتخويف بالعزل، ويحول دون اللجوء إلى خيارات سياسية أقل ما يقال فيها أنها إنتحارية، ومردها إلى اللحظة السياسية الإنتقالية التي تعيشها المنطقة ومن ضمنها لبنان.

أما وجهة النظر الأخرى، فترى أن أي إطار سياسي مدني أو مسيحي لا يخدم أهداف ١٤ آذار وتطلعاتها، إن من زاوية تجاوز الخصوصيات أو لجهة أن أي أطار سيتحول مع الوقت رديفا لتجمع ١٤ آذار، مما قد يؤدي إلى زيادة التناقضات وتعميقها. في وقت لا تجوز فيه العودة خطوة إلى الوراء مهما تكن الصعوبات والتحديات، وهذا أمر طبيعي في ظل الاصطفاف وحدة الصراع القائمين.

فلقاء قرنة شهوان هو تجسيد لمرحلة ما قبل ١٤ آذار، خصوصا أن الكنيسة لا تبدو في وارد إعادة استنساخ التجربة ذاتها أقله من زاوية ترؤسها هذا اللقاء، وما دون ذلك يعني الخلاف على مكان اللقاء ورئاسته، ناهيك بالتمييز بين مسيحيي ١٤ آذار، أي بين مسيحيي هذا اللقاء ومسيحييquot; تكتل لبنان أولاquot;، وكذلك رفض بعض المسيحيين المشاركة في هذا التجمع الطائفي شكلاً وإن حمل مضامين وطنية ، وذلك انسجاما مع تاريخهم السياسي.

ولا تغفل وجهة النظر هذه وجود أزمة فعلية داخل ١٤ آذار، لكن هذه الأزمة في رأيها لا تستدعي تشكيل أطر رديفة يتحول اهتمامها من الأولوية الوطنية إلى صراع على موازين القوى السياسية بين مسيحيي ١٤ آذار، ومن ثم بينهم وبين مسلميها. ويختم أصحاب هذه النظرة بأن طبيعة المعركة وظروف المرحلة تحتم التمسك بالأفكار وتطويرها، مع المحافظة على الأطر القائمة والآليات المتبعة للتنسيق.