سوريا ليست دولة فقط، ولا هي نظام حكم بالحديد والنار ومعارضة ممزقة بين ولاء للحرية وولاء للقاعدة، بل هي حضارة عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة، تتعرض اليوم للتدمير الممنهج، إنسانًا وحجرًا.

اتقاء البراميل القاتلة
أينما تولي في سوريا فثمة آثار رومانية وبيزنطية وآشورية. وثمة مدن أثرية عن بكرة ابيها، وكأنها ولدت في متحف تاريخي كبير. سرجيلا من هذه المدن. إنها مدينة أثرية في جبل الزاوية إلى الجنوب الغربي من إدلب، التي مرت عليها عهود رومانية وبيزنطية حافلة بالحروب والزلازل، فتركت فيها مغارات ومقابر أثرية تحولت اليوم مأوى للنازحين من قرى ريف ادلب، هربًا من براميل بشار الأسد القاتلة، يحتمون بحجارتها الصخرية، التي عاندت أشرس المعارك على مر التاريخ.
وتحدثت صحيفة الحياة عن هروب السوريين للاختباء في المغاور هربًا من براميل الأسد، ومن النازحين سيدة تدعى أم محمد، حملت أحفادًا سبعة إلى إحدى هذه المغارات، واثقة من أنها ستقيها ومن معها شر براميل متفجرة قتلت اثنين من أبنائها، وحولتها منزلًا، قوّضته غرفًا جدرانها بطانيات وستائر ممزقة، لكنها أبقته على "أثريته"، من دون كهرباء أو ماء أو نور الشمس. فالحطب وقود النار والنور، ينير المكان، فينفرج الظلام عن صورتين معلقتين على الجدار، فيهما رسمان شمسيان مكبران لإبني أم محمد المسلحين اللذين قتلتهما الحرب السورية، وفيهما حزن الحياة كلها.
&
ازدحام السماء
تتحمل أم محمد خطر العقارب والأفاعي السامة، لنها أرحم من طائرات الأسد، مستنكرة من دون توقف عدم وصول أي مساعدات إليها، بالرغم من سماعها كثيرًا بأمر هذه المساعدات "الخفية".
ولا تنكر أم محمد أن الخيّرين أمدوها بالخبز، لكن ليس بالخبز وحده يحيا النازح، خصوصًا أن الأمراض بدأت تصيب أحفادها بسبب ندرة الماء ونقص الغذاء.
إلى جانب أم محمد، هناك نازحون آخرون، منهم أحمد&الذي حمل في نزوحه هذا دجاجاته التي أنقذها بعدما خسر منزله وأرضه الزراعية. يقول: "عامان مرا على وجودي في هذا القبر الأثري المليء بالحشرات، ونحن ما زلنا على قيد الحياة لكثرة الموت وازدحام السماء بالأموات".
وفي مغارة ثالثة اجتمع طلاب في صف مدرسي بسيط، تطوع أحدهم لتشكيله إنقاذًا لأطفال من الأمية. وفي رابعة، رجل ترك عمله في لبنان طمعًا في قتال جند الأسد، متطوعًا في الجيش الحر، لكنه وجد نفسه هنا، بلا منزل وبلا عمل، وبلا سلاح، بسبب عدم وجود السلاح الكافي للجيش الحر والجبهات المقاتلة.&
&