قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

باريس: الصمت الحذر في مواجهة حالة الغليان الكامل منذ عدة أشهر في الجزائر، هكذا اختارت فرنسا، التي تربطها علاقة وثيقة وصاخبة مع مستعمرتها السابقة، عدم التعليق على الاضطرابات لكنها تراقب ما يحدث من كثب.

"لا أريد أن أشعل النار" ، "لم أخبركم بأي شيء"، "سنتعرض مرة أخرى للتأنيب" ...هكذا كانت ردود المسؤولين الفرنسيين والدبلوماسيين وأحيانًا حتى الباحثين عندما يتعلق الأمر بالجزائر.

وذلك بسبب الماضي الاستعماري، الذي لا تفوت السلطة الجزائرية أدنى فرصة لتذكير باريس به، ولكن أيضًا وبصورة خاصة بسبب الرهانات الهائلة حول الأزمة الجزائرية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وفرنسا هي الشريك الاقتصادي الثاني للجزائر، كما يعيش على التراب الفرنسي أكثر من 700 ألف جزائري - دون احتساب مزدوجي الجنسية - كما انها تدخلت عسكريا في منطقة الساحل، لذلك تراقب باريس بقلق الوضع في عملاق شمال إفريقيا، حيث يطالب الشارع منذ أكثر من تسعة أشهر برحيل "النظام" ويرفض الانتخابات الرئاسية المنتظرة في 12 كانون الأول/ديسمبر.

وقال أحد خبراء المنطقة طلب عدم الكشف عن هويته: "يعمل الدبلوماسيون وأجهزة الاستخبارات على جميع السيناريوهات، لكن الأمر معقد للغاية".

وأوضح ان المعادلة معقدة، فمن جهة هناك "نظام" جزائري معروف بغموضه، حيث يلعب الجيش الدور الأساسي، ومن جهة أخرى "حركة احتجاجية سلمية ومُتحكّم فيها، لكن تجد صعوبة في تحقيق أهدافها كما أن قادتها غير معروفين".

وتابع المصدر "إذا أدلينا بتصريحات يبدو أنها تسير في اتجاه السلطة، فنصبح مرفوضون تمامًا من قبل الشارع الجزائري، وإذا فعلنا العكس، فإن السلطة تتهمنا بالتدخل وتتهم الحركة الاحتجاجية بالتبعية للخارج".

ويلخص المؤرخ بيير فيرمورين الوضع قائلاً: "لا تستطيع فرنسا قول أي شيء لأن كل شيء تقوله سوف يُحسب ضدها"، مع الإشارة إلى صمت أوروبا البارز حول المسألة الجزائرية.

وتابع "الغائب الحقيقي في الواقع، هو هي (فرنسا). وبالنظر إلى مخاطر الأزمة الجزائرية على المنطقة المغاربية والبحر الأبيض المتوسط وفرنسا وأوروبا، سيكون من الجيد أن يُذكّر شخص ما، حتى في السرّ وبأدب، ببعض المبادئ والقيم".

ومؤخرا أثار قرار غير ملزم صادر عن البرلمان الأوروبي يدين "الاعتقالات التعسفية" للمتظاهرين أو الصحافيين أوالمدافعين عن حقوق الإنسان غضب السلطة في الجزائر، والتي ندّدت بـ "التدخل الأجنبي في شؤونها" وما عدته "استفزازاً".

ومن جهته تمنى وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، بانتظام أن "يجد الجزائريون معًا طرق الانتقال الديمقراطي". في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر، طالب باحترام حرية التظاهر.

ورغم الإقرار بأن الأرض "مزروعة بالألغام"، إلا أن الحذر الفرنسي الشديد عندما يتعلق الامر بالجزائر، يؤرق الباحثة في تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية كريمة ديرش. وهي ترى أن حجة الماضي الاستعماري هي "خطاب قومي شعبوي عفا عليه الزمن، وهي حيلة قديمة من السلطة (الجزائرية) لشلّ فرنسا".

ولكن الأخطر من ذلك، بالنسبة لها، هو سوء الفهم الفرنسي، و"عدم الوضوح" بشأن الزلزال الذي يجتاز المجتمع الجزائري، والذي، بعد حصوله سلمياً على استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في نيسان/أبريل، لن يتنازل عن رغبته في التغيير.

و"في الجزائر، يوجد اليوم عالمان متوازيان: نخبة سياسية تستمر في الاهتمام بشؤونها في غياب تام لأي عقاب، ومجتمع يشق طريقه ويتنظم ويعبر عن نفسه بكل إبداع، مع تمسكه الشديد بالهوية العربية الإسلامية" حسب ديرش.

وتابعت المؤرخة "أجد أنه من المأساوي تفويت هذا الموعد التاريخي، والجزائر تسير بمفردها، والجميع يراقب، والجميع ينتظر" متأسفة من أن باريس "شديدة التخوف".

وتصر قائلة "يمكننا أن نقول ما يجب أن نقوله دون المرور عبر القنوات الرسمية، وتمرير الرسائل، فالدبلوماسية قادرة على الإبداع".

وضربت مثالاً على تخوف فرنسا إلغاء عرض فيل "بابيشا" في المعهد الفرنسي بالجزائر العاصمة في أيلول/ سبتمبر. ويروي هذا الفيلم الجزائري مصير الشابات خلال "العشرية السوداء" للحرب الأهلية (1992-2002) والإرهاب. كما مُنع الفيلم من العرض في كل القاعات بالجزائر.

وقالت: "كان من الممكن أن يكون عرض فيلم بابيشا إشارة بسيطة، فقد حان الوقت لقلب الصفحة وجعل الدبلوماسية تعمل من الأسفل إلى الأعلى بدلاً من القمة".