رغم ما كان يبدو ظاهريًا من عداء بين أميركا والسودان إبان فترة الرئيس السابق عمر البشير، إلا أن الطرفين كانت تربطهما علاقات سرية وطيدة، تتميّز بالتعاون الجاد، ووصلت إلى حد إنشاء أكبر مركز للاستخبارات الأميركية المركزية المعروفة بـ"سي آي إيه" في القارة الأفريقية.

إيلاف من القاهرة: شكل التعاون السري بين نظام عمر البشير والاستخبارات الأميركية الداعمة الأصلية لاستمراره في الحكم، وعدم السماح للانتربول بالقبض عليه، وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم تنقلاته المستمرة خارج السودان، شرقا وغربًا، إلا أنها لم تستطع تقديم أي دعم له في مواجهة التظاهرات الشعبية الحاشدة التي خرجت ضده في شهر ديسمبر من العام الماضي، ولم تهدأ حتى تدخل الجيش، وعزله، وإلقاء القبض عليه، وتقديمه إلى المحاكمة.

في شهر يناير 2019، أي قبل سقوط البشير بأشهر عدة، تحدثت وسائل إعلام غربية عن أن "وكالة الاستخبارات الأميركية لا تسعى إلى تغيير النظام في السودان، لكنها في الوقت عينه لا تدعم الرئيس عمر البشير بشكل مطلق".

وقال موقع (إنديان أوشن نيوزليتر)، إن تعاون حكومة السودان مع المخابرات الأميركية (سي آي إيه)، يرتكز على التزوّد بمعلومات استخباراتية قيّمة عن حركة الشباب في الصومال وليبيا وجماعة الإخوان المسلمين بوجه عام.

كشف الموقع عن تقرير سري أعدته سفارة دولة خليجية في واشنطن، أشار إلى أن الاحتجاجات الحالية التي يشهدها السودان إذا أضعفت البشير بشكل خطير، فإن وكالة الاستخبارات الأميركية ستعمل على تسريع مغادرته السلطة، واستبداله بمدير جهاز الأمن (صلاح قوش).

شكل رئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق صلاح قوش حلقة الوصل بين نظام عمر البشير والاستخبارات الأميركية المركزية.

وقال في مقابلة صحافية مع جريدة أفريقيا اليوم في العام 2014، إن العلاقات مع المخابرات الأميركية كانت بمعرفة البشير. وأضاف: "علاقتي مع المخابرات الأميركيّة كلّفت بها من النظام، والرئيس (عمر البشير) شخصيًا كان مطلعًا عليها، وعلى تفاصيل علاقتنا بها وبالغرب، ولم تكن هناك صغيرة ولا كبيرة إلا وكان الرئيس على علم بها، فالقيادة كانت مطّلعة على كلّ التفاصيل، والملف كان يدار مع الرئاسة مباشرة، ولست الوحيد الذي يدير ذلك".

وأوضح: "صحيح كنت مدير الجهاز، (المخابرات السودانية)، لكن كانت هناك مؤسسة تدير ذلك، وأيضًا كان لي دور مؤثر وفاعل في الحوار المباشر معهم، أدّى إلى نتائج في تقديري كانت طيبة، والمؤسّسة الأميركيّة الوحيدة التي كانت تدافع عن السودان داخل أميركا هي الـ(سي آي إيه)، وأثّرت حتّى في البنتاغون في ذلك الوقت، وصدرت كل القرارات الفنية اللازمة من المؤسسات الأمنية برفع السودان من الدول الراعية للإرهاب، ولكن القرار السياسي، الذي أثرت فيه المجموعات المعادية للسودان، والتي كانت تضغط على الإدارة الأميركيّة هو أن يظلّ السودان كما هو، لكن من حيث التوصيات الفنيّة للمؤسسات التي ترفع التوصيات الفنيّة البنتاغون والـ"سي آي إيه"، رفعت توصيات بأنّ السودان ليست له أية علاقة بالإرهاب ولا يرعاه".

حول تسليم الشخصيات المتهمة بالإرهاب من الإسلاميين إلى أميركا، قال قوش في مقابلة قبل خمس سنوات: "لم يحدث أن سلّمنا أي إسلامي إلى أي دولة، نحن إسلاميّون، فكيف نقدّم إسلاميين إلى أعدائنا، كان لدينا رأي في الإرهاب كوسيلة للعمل السياسي، يعني انتهاج العنف في العمل السياسي – سواء أكانوا إسلاميين أو غير إسلاميين – كان بالنسبة إلينا إرهابًا، كنا مقتنعين بمكافحة الإرهاب.. كل الخلايا الإرهابية التي تنتهج الإرهاب لحسم الخلاف مع الآخرين كنا لا نقتنع بها، وهذه كانت سياسة الدولة في كل مؤساستها، وكنا نعمل من أجل قناعتنا، وليس من أجل قناعة الأميركيين، وهم لا يريدون أكثر من ذلك، يريدون أن يطمئنوا إلى موقفنا في مكافحة الإرهاب، وقتل العزل الأبرياء من أجل قضيّة سياسيّة نحن ضدها.. هذا ما تم بيننا".

وحول كيفية التعاون مع أميركا واتهامات بالعداء للسودان في الوقت نفسه، قال قوش: "الجانب الأميركي ليس طرفًا واحدًا. السياسة في أميركا تقوم على أعمدة، فيها المؤسسات الأمنيّة، والتشريعيّة، والبيت الأبيض، وفيها مجموعات أخرى تؤثّر على هذه المجموعات؛ من مؤسسات مجتمع مدني وإعلام ولوبيهات مختلفة، وهناك مجموعات منهم تعادينا أيديولوجيًا، ولن تقتنع بنا مهما فعلنا، وحتّى لو نقّطنا لهم عسلًا، وستظل تعمل ضدّنا، وهي تحاول باستمرار تأليب الإدارة الأميركية علينا، وهي التي دعمت تحالف إنقاذ دارفور، ووجّهته في الآخر إلى عداء ضد السودان، هذه لن ترضى عنا ولن تتركنا، ونحن كجهاز استطعنا أن ننجح وأن ننفذ إلى المؤسسات النظيرة لنا، ولذلك اقتنعوا بهذه المسألة، وأعتقد أن هذا كان نجاحًا كبيرًا يحسب لنا، لم يفعله صلاح قوش وحده، بل صنعته المؤسسة بتوجيهات ورعاية الرئاسة، والآن لم يقطعوا الصلة بالأميركيين، لكن الأداء ربما كان مختلفًا، فهي سياسة وضعتها المؤسسة، والرئاسة قادتها، وما زالت موجودة، ولست أنا المدير الأول الذي بدأ هذه العلاقة، فالمدير الذي سبقني كان ينفّذ هذه السياسة، حتى من قبله في عهد قطبي والمصباح، كانت لهم علاقة بالأميركيين ويعملون معهم، هذه ليست سياسة جديدة عملتها أنا، فهي سياسة موجودة أصلًا من قبلي ومن بعدي استمرت".

وكشف الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، محمد مختار الخطيب، عن أن الرئيس السوداني السابق عمر البشير، سمح لها بإنشاء أكبر مركز للاستخبارات الأميركية في قارة أفريقيا في العاصمة السودانية الخرطوم.

وقال: النظام السابق فتح الطريق للدخول في محاور، مثلما تشارك قواتنا في "الأفريكوم" تحت إمرة وزير الدفاع الأميركي لحماية مصالح واشنطن في أفريقيا، ومثلما تستقبل بلادنا أكبر مركز لجهاز "سي آي إيه" في القارة. من هنا حدث هجوم على الانتفاضة من بعض القوى الخارجية لينحرفوا بها إلى ما يخدم مصالحهم. نحن مع علاقات جدية مع الشعوب ودول العالم، ونمد أيادي الصداقة في سبيل تبادل المنافع والخيرات، لكن هذا لا يعني أن نفرّط في السيادة الوطنية أو في مواردنا. لا نوافق أن تكون أرضنا أو أجواؤنا نقطة انطلاق للهيمنة أو إيذاء الشعوب حولنا".

دعا الخطيب إلى تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقال: "نحن مع المحكمة الجنائية الدولية، لأنه ارتكبت جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. اعترف الرئيس المخلوع بأنهم أبادوا عشرة آلاف شخص في دارفور، والعالم يتحدث عن 300 ألف. ليس من حق أي جهة أن تعفي هؤلاء".

وأضاف الخطيب في مقابلة صحافية مع جريدة الأخبار اللبنانية أمس الأربعاء، "أهل دارفور عندما زارهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك كان مطلبهم تسليم البشير وآخرين إلى المحكمة الجنائية. محاكمتهم في هذه المحكمة تعني صفة الدولية، وأنهم سيدانون عالميًا، فالمسألة ليست انتقامًا. هذا ليس فيه إهانة لقضائنا، الذي لم يصل إلى هذه المرحلة. حتى قوانيننا لا توجد فيها هذه المحاكمات، إلا إذا وضعنا قوانين جديدة. يجب أن يوصموا عالميًا مثلما حدث للنازيين والفاشيين".

يذكر أن الجيش السوداني تدخل وعزل الرئيس السابق عمر البشير من الرئاسة، بتاريخ 11 أبريل الماضي، تحت وطأة احتجاجات شعبية بدأت في شهر ديسمبر 2018، ضد سوء الأوضاع الاقتصادية.

وفي 21 أغسطس الماضي، بدأ السودان مرحلة انتقالية تستمر 39 شهرًا، تنتهي بإجراء انتخابات، يتقاسم خلالها السلطة كل من المجلس العسكري (المنحل)، وقوى إعلان الحرية والتغيير، قائدة الحراك الشعبي.