قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الرباط: تنقل رواية "مؤنس الملك" للكاتب والفنان التشكيلي المغربي ماحي بنبين لـ "حكاية تفيض بسحر الحكايات الغابرة"، فيما "تغرق في كابوس مأساة إنسانية". هي أكثر من رواية تنحصر أحداثها ومصائر أبطالها بين دفتيها. رواية بقدر ما هي ممتعة بمضمونها، يمكن اعتبارها "وثيقة" يستعيد من خلالها القارئ أحداثا ووقائع وشخصيات مؤثرة طبعت التاريخ المعاصر للمغرب، خصوصا ما ارتبط منها بحكم الملك الراحل الحسن الثاني، من قبيل المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1971 أو حدث المسيرة الخضراء في 1975.

شاعر الحمراء
لا تستعيد رواية "مؤنس الملك"، فقط، علاقة الفقيه بنبين بالملك الراحل الحسن الثاني. في واقع الأمر، تبقى علاقة المؤنس بالملك حصيلة علاقات سابقة، لعل أبرزها علاقته بالشاعر محمد بن إبراهيم، وهي العلاقة التي يقر السارد أنه قد كان لها دور مؤثر في حياته، حيث يقول: "بدأ كل شيء بصداقة لا تخطر ببال"، في إشارة إلى علاقته بـ"شاعر الحمراء"، الذي يقول عنه إنه "كان ومن دون أي منازع أكبر شاعر عرفته بلادنا"، قبل أن يقترح علينا لمحة عن الوجه الآخر من شخصية وحياة هذا الشاعر، حيث يتوسع في استعراض بداية صداقتهما، قبل التوقف عند "العلاقة التجارية" التي نشأت بينهما، حيث يقول: "كيف أقول ذلك من دون أن أبدو في نظركم نصّابا؟ كنت أحفظ تماما كل القصائد التي ينشدها وهو في حالة سكر . وحين يستعيد وعيه في اليوم التالي في مطبخ الباشا، أبيعه إياها بسعر باهظ".

يواصل السارد استحضاره لابن إبراهيم، "الرجل الاستثنائي" الذي، بغير معرفة منه، ترك في مسار حياة الفقيه بنبين "أثرا عميقا". يقول موضحا: "يمكنني أن أقول اليوم، برغم شعوري بشيء من الخجل، إن هذا الرجل هو صانع ثروتي بكل ما في الكلمة من معنى. برؤيته تعلمت أن أعيش وأضحك وأغني. وأخذت عنه دهاءه. تعلمت كيف أباغت من يناقضونني، فأهاجمهم وأحول حججهم الواهية إلى موضوع هزء، حتى إنني أحيانا كنت أثير صدمة الآخرين من دون اكتراث، راسما على فمي ابتسامة زهو كابتسامته".

يحسب لرواية "مؤنس الملك" احتفاؤها بشاعر كبير لُقب بـ"شاعر الحمراء"، وهو اللقب الذي سمى به نفسه، في مختتم قصيدة "من المغرب الأقصى أتتك تحية"، التي ألقاها، خلال زيارة للبقاع المقدسة، في 1937، أمام الملك عبد العزيز آل سعود، حيث نقرأ: "من المغرب الأقصى أتتك تحية / يبلغها عن أهله شاعر الحمرا".

غلاف رواية "مؤنس الملك" لماحي بنبين

لم تكن لبن إبراهيم، كما يقول الدكتور أحمد شوقي بنبين في مقدمة "روض الزيتون .. ديوان شاعر الحمراء"، مكانته المميزة وبصمته الخاصة بين معاصريه، فقط، بل كان نمطاً وحده في شعراء المغرب الحديث. ردد أشعاره وتملى بنوادره الكبير والصغير، والمثقف والعامي، ففاقت شهرته حدود مسقط رأسه، وذاع صيته في مدن المغرب، وامتد إلى دول المشرق".

يستعيد أحمد شوقي بنبين، الذي قام بالضبط والتنسيق والتعليق على "روض الزيتون"، ضمن منشورات الخزانة الحسنية بالرباط، ما ميز حياة بن إبراهيم، فيقول إن "المتتبع لحياة شاعر الحمراء والواعي بما أحاط بها في كل مراحلها من دقيق المناسبات والظروف، يجد أنها سلسلة جلسات من السهر والسمر، وحلقات من لقاءات متواصلة مع الأحباب والخلان، يتبادلون خلالها النكتة البارعة، والمثل الشارد، والبيت المأثور، ويتجاذبون فيها الأحاديث الرائعة، والألغاز المعبرة، وقد تتمخض أحياناً عن مساجلات للشعراء غالباً ما يكون بن إبراهيم الموحي بها، أو الداعي إليها. فراجت أشعاره، وذاعت نوادره في الناس حتى نسب إليه الكبير من الملح".

عاكس ابن إبراهيم، الذي ولد سنة 1900 بمراكش حيث حفظ القرآن في صغره بروايتي ابن كثير وأبي عمر البصري كما حفظ كثيراً من المتون العلمية قبل أن يتابع دراسته في ابن يوسف والقرويين، رغبة والده، الذي كان يريده أن يصير رجل دين. يقول أحمد شوقي بنبين: "كان أبوه شديد التدين، متمسكاً بالشرعيات، فأراد أن يكون ابنه محمد فقيهاً، وربما متسماً بما يتسم به الفقهاء من الورع والوقار".

في هذا، كتب الوزير والأديب أحمد التوفيق، عن "شاعر الحمراء"، في تصدير "روض الزيتون": "شاعر تأدب بين الفقهاء ولكنه أبى أن يسمع الفقيه الذي هو تحت برنوسه، لأنه آثر أن يكون نائماً عندما يستيقظ الواعظ، وأن يكون ثملاً عندما ينام الناسك (...) كان له في تقاليد الشعر الذي استلهمه أجداد من المستهترين والقلقين والمجانين والوصافين والمداحين والهجائين والبكائين ذوي الحنين المملقين، ولكنه استقل بأسلوب خفيف طريف نقل به هذه الأغراض إلى عصره وبيئته، فهو شاهد عن البيئة والوقت بحق، وهو لسان ذلك الوجع ومرآة تلك المحنة في الفهم. وهو كأي شاعر أصيل محشو بالمتناقضات المنطقية، لأنه أنبوب شديد التوصيل، يحمي وطيس نفسه ويبرد بسرعة ناشزة عن التوقعات".

كوكب الشرق
يحضر "شاعر الحمراء"، الذي يشير السارد إلى أن شعره بقي، بعد موته يوم 27 سبتمبر 1954، محفوظا في ذاكرة الناس وبعض الأوراق التي توزعت هنا وهناك، حين سيأتي السارد في رواية "مؤنس الملك" على ذكر زيارة كوكب الشرق أم كلثوم إلى مراكش، نهاية ستينيات القرن الماضي، حيث يقول: "تسنى لي شرف أن أكون دليلا لها. تلوْت على مسمعها كثيرا من قصائد ابن إبراهيم، "شاعر الحمراء" – كانت مراكش، التي ينتمي إليها كلانا، تلقب بالمدينة الحمراء. تأثرت المطربة الكبيرة بهذا الشعر الفريد من نوعه، والذي جادت به قريحة رجل استثنائي". وزاد السارد أنه بعد أيام قليلة ستحيي "الست" حفلة غنائية خاصة للملك. يقول: "في تلك المناسبة أتت على ذكر ابن إبراهيم الذي بقيت أعماله مبعثرة وضحية الإهمال.

الباشا الكلاوي رفقة ونستون تشرشل بمراكش

كما عبرت للملك عن إعجابها بذلك الشاعر الذي يضاهي عمر الخيام برأيها، وعن رغبتها في أن تغني قصائده وتحتفي بعبقريته الفذة. شعر الملك بالمفاجأة وبشيء من الصدمة، فوعدها بأن يعالج بسرعة هذا الخطأ الذي لا يغتفر. وبعد رحيلها، استدعى في الحال كل الذين اطلعوا من قريب أو من بعيد على أعمال ابن إبراهيم الأدبية. وسمح لهم بدخول مكتبة الباشا التي صادرتها السلطات، وأمرهم بأن يجمعوا في أسرع وقت أعمال الشاعر المبعثرة. وهو ما تحقق في الأشهر القليلة التالية. ولا شك في أنني كنت أحد الذين أوكلت إليهم هذه المهمة. حين قدم ديوان ابن إبراهيم إلى الملك، أقام على شرفنا مأدبة عشاء فاخرة. كان جلالته يشعر بالسعادة والضيق في الوقت عينه، لأن الشاعر قد ألق قصائد كثيرة جدا في مدح الكلاوي، الذي كان ألد أعداء الملكية. في خلال العشاء خاطبني الملك:
- أسمعني هجاء نظمه ابن إبراهيم بحق ذلك الباشا المتعاون.
ساد صمت القاعة.
- يا صاحب الجلالة، أجبته، لا أتذكر أنه فعل ذلك، ولا أظن أن ثمة قصيدة هجاء بحق الباشا. ولكن لو فعل ابن إبراهيم ذلك، لما حفظت قصيدته.
- ولماذا؟، سألني الملك مستهجنا.
- لأنني أكلت في منزل ذلك الرجل، ونشأت في ظل حمايته. لقد مات طبعا، ولكنني لن أكون من يلطخ ذكراه.
آنذاك ساد القاعة صمت أشد وقعا. أيقن رجال الحاشية الذين يعرفون الملك أن نهايتي وشيكة. ثم علت همهمات احتجاج سرعان ما أخرسها الملك فجأة. والتفت إلى زمرة المتزلفين المحيطة به، وقال لهم:
- هذا رجل مخلص، ولن يكون أحد منكم مثله أبدا.

غارت الرؤوس بين الأكتاف، وارتسم في تلك الوجوه التي اعتادت تغيير ملامحها بسرعة تعاطف مفاجئ. لقد أكسبني إخلاصي خمسة وثلاثين عاما في القصر. رافقت الملك ليل نهار في مدن المملكة كما خارجها".

الشاعر محمد بن إبراهيم بالزي الأوروبي سنة 1937

ما جاء على لسان السارد في "مؤنس الملك"، يحضر في مقدمة ديوان "روض الزيتون"، الذي أعيد نشره، في طبعة ثانية، من جزأين، في 2002، متضمناً عدداً من أشعار "شاعر الحمراء"، بالإشارة إلى أنه جمع وطبع بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني. يقول أحمد شوقي بنبين، في ذات المقدمة: "إن قصة جمع ديوان شاعر الحمراء ترجع إلى سنة 1968، حينما قرر جلالة المغفور له الحسن الثاني أن يجمع ديوان شاعر الحمراء الذي ما فتئ الناس يرددون شعره، ويتندرون بنكته في المجالس والمنتديات وفي المنتزهات والأسواق. فانتدبت للقيام بهذا العمل لجنة علمية من علماء مراكش وأصدقاء الشاعر، وهم على التوالي: أحمد الشرقاوي إقبال، والطيب المريني رحمه الله، ومبارك العدلوني، ومحمد بنبين، وعلي بلمعلم التاورتي رحمه الله، وبعد جهد كبير استطاعت اللجنة جمع ما بقي من شعر الشاعر عند الخاصة، وما كان منشوراً في الصحف والمجلات، وقدمته ديواناً مخطوطا لجلالة الملك في أبريل 1969، وحفظ بالخزانة المولوية(الملكية). وبعد مرور حوالي ثلاثين سنة ارتأى جلالته أن يطبع الديوان، فأنيطت بي مهمة إعادة قراءته، وتخريج مضامينه، والقيام بكل ما تدعو إليه عملية الضبط والتنسيق والتعليق من جهد علمي مضن يعرفه ذوو التجربة في هذا المجال".

الدخول إلى القصر الملكي
يخبرنا السارد في "مؤنس الملك" أن "الدخول الى قصر ملكي قد يُفقد أي شخص ثقته بنفسه"، قبل أن يواصل: "في الأروقة الواسعة حيث تتالى الأبواب إلى ما لا نهاية، يسود جو يشبه الحرب يجسده حراس يقفون بملابسهم وعدتهم الفخمة، ووجوههم الخالية من أي تعبير، وحولهم جيش من العبيد بجلابياتهم البيضاء وأغطية الرأس الحمراء. عمالقة مثيرون للخوف، ومختارون بعناية من بين أفضل رجال أفريقيا، ينظرون إلينا نحن الأقزام بازدراء. وكلما مر بتلك الأروقة أحد أفراد العائلة المالكة، تدوي أصوات مبحوحة معلنة عن اقترابه، بإيقاع مضبوط تماما وبقوة تثير القشعريرة في الأبدان. بالنسبة لي أنا الذي نشأت في باحات قصر الباشا، لم تكن خطواتي الأولى في قصر سيدي اكتشافا كبيرا. كنت معتادا أبهة الباشوات والضجيج الذي يرافقها وشعرت بأنني في مكان مألوف".

سيتساءل السارد عن علاقته الجديدة بالقصر الملكي، فيقول: "هل كنت مأخوذا، وبدون علم مني، بطبقة الحكام؟ أي أولئك الذين يرفعون الإنسان إلى مكانة عالية، إلى حيث يرى باقي البشر كحشرات صغيرة تافهة. هل يجري في عروقي ذلك الدم الأسود الذي يثبت أقدام رجال السلطة؟ أولئك الذين ينتهون بطريقة أو بأخرى إلى عقد صفقة مع الشيطان؟ تلك الفئة من الناس التي تبدو للوهلة الأولى عادية، ولا توحي بأنها سيئة، ولكنها تضطر إلى اتخاذ قرارات رهيبة يمليها عليها منطق أكبر منها؟ هل سأصبح بدوري دمية تحركها الصراعات المميتة التي يخوضها الملائكة والشياطين بشكل دائم، لم أكن أملك جوابا. ترقيت في ذلك المنزل الكبير كحشرة يجتذبها الضوء. وكان الفرح والخوف يتصارعان في ذهني وأنا أخطو خطواتي الأولى في قصر سيدي. لم يكن قلقي وجوديا، ولا تحت عنوان الماورائيات. كنت فقط أطرح على نفسي أسئلة بسيطة، عادية، براغماتية. كيف أضمن وظيفتي وأحميها من المصاعب والهفوات؟ هل كنت سأسحر الملك بعلمي أو سأخيب أمله؟".

الشاعر محمد بن إبراهيم في شبابه

بعد حيرة الأسئلة، ستسير الأمور على خير ما يرام، حيث نقرأ: "أصبحت "الفقيه محمد"، أو ببساطة "الفقيه". ولم أعد الشخص العادي الذي يعمل كالباقين في القصر الملكي، بل أصبحت عالما في خدمة الملك. واكتسبت في ثلاثين ثانية مكانة تليق بالوظيفة التي أنوي ممارستها لدى سيدي. مؤنس طبعا، ولكن لا مجرد مؤنس عادي، ولا في كل الظروف. وبأمر من الملك اعترف بمكانتي الثقافية كل من في القصر".
يضع السارد القراء في صورة يوميات الوظيفة التي كان يقوم بها داخل القصر، فيقول: "كنا نملأ وقتنا ووقت مولانا حتى صلاة الفجر، باذلين قصاري جهودنا لننسيه متابع يومه، ونرفه عنه بألف حيلة غريبة عجيبة، محولين هذا القصر المهيب الذي تخرج من بين جدرانه أخطر القرارات إلى مكان هادئ تحلو فيه الحياة".

أُذْنُ الملك
يذكر السارد أن "الملك لم يكن ممن يمكن توقع ردّات فعلهم، فقد كان قادرا على إنزال قصاص عنيف لأتفه الأسباب، كما على المسامحة على أفدح الأخطاء"؛ قبل أن يعترف بأن قربه من الملك كان يمنحنه غرورا لا يمكنه إخفاؤه، ونوعا من السلطة كان يرى قوتها في نظرة خصومه الملتمعة. يقول: "الواقع أنني كنت أملك السلاح الأكثر إثارة للخوف في نظام الملكية المطلقة، أي أذن الملك. فالثناء على حسنات شخص ما أو القضاء عليه رهن بتلميح بسيط أدرجه في جملة عابرة. وملاحظة واحدة كانت تكفي لزرع الشك في ذهن سيدي. الوقت في وسط كهذا ضيق جدا ولا أحد يكلف نفسه التدقيق في تفاصيل الأمور. القرار يتخذ بسرعة، وغير مهم ما إذا تدرج رأس أو وظيفة في جزء من الثانية. من يملك أُذن الملك يساو الملك قوة. لذلك فهذا القرب الميمون من جلالته هو ما صنع مني ما أنا عليه اليوم. والله يعلم أي جهد بذلته على نفسي لئلا أسيء هذه الحظوة".

يشدد السارد على أن المكانة التي صار يحتلها بالقرب من ملك البلاد لم تكن محظ صدفة، قبل أن يشير إلى أن للنجاح متطلباته ومتاعبه، أعداؤه ومخاطره. يقول: "الموهبة شيء، أما استغلالها فشيء آخر. لعل بيع نفسي بقيمتها الحقيقية كان أولوية بالنسبة إلي في بداية مهنتي، لكنه لم يعد كذلك مع تقدمي في العمر. ومع هذا ظلت ثقافتي تورطني في المتاعب. لم يكن تعييني في وظيفة "مأمور نوم الملك" - التي رغب الكثيرون - هدية، ولا حتى تسمية لوظيفة تخلو من الجهد. فقدرتي على سرد الروايات بطريقة أفضل من رفاقي سببت لي المتاعب الكثيرة، وأججت غيرة لا يمكن تخيلها. كان غيظ أفراد الحاشية يحتدم لمعرفتهم بأنني في غرفة واحدة مع الملك، فينسبون إلي أغرب المكائد، أو طرد موظف مجهول، أو الموت المؤسف لأحد القادة العسكريين على الطريق، أو سقوط حاكم إحدى أبعد مقاطعات الصحراء ... كنت محط لوم الجميع، فبطريقة أو بأخرى خيم ظلي على كل القراءات الصارمة والعنيفة التي اتخذها الملك. وكانت تلك القرارات متعددة. نسب إلي شرف عظيم وهو أنني أؤجج دائما غضب سيدي. كان ذلك ظلما كبيرا. ومهما سعيت إلى المصالحة وتجنب الصراعات، فقد كانت الصراعات تلاحقني وتقض مضجعي".

محاولة انقلابية
يعود بنا السارد إلى فترة قال عنها إنها كانت الأشد ظلمة في حياته كأحد رجال الحاشية، تتمثل في انقلاب الصخيرات الفاشل وتداعياته على مستوى أسرته الصغيرة. يقول: "في بيت الملك لا وجود للحصانة، ولا أحد بمنأى عن أشد العقوبات. لطالما رفعت إلي مطالب في الأزمات الصعبة، وغالبا ما نجحت في تفادي المتاعب. ولكنني مع ذلك، تعرضت كالجميع إلى نصيبي من العقاب. دام ذلك عدة أشهر، وتلك كانت الفترة الأشد ظلمة في حياتي كأحد رجال الحاشية، بل في حياتي كرجل".

غلاف الجزء الثاني من ديوان محمد بن إبراهيم "روض الزيتون"

يشير السارد إلى أنه عوقب بسبب خطأ ارتكبه شخص آخر، هو ابنه. يقول: "نزل علي العقاب الشديد كالصاعقة غداة محاولة الانقلاب، حيث حام الشك حول مشاركتي في الجريمة. أتذكر ذلك اليوم المشؤوم حين أخذني السيد بريك من ذراعي، مبتعدا بي عن بقية أفراد المجموعة، قادني إلى غرفة مكتبه القريبة من جناح الملك، والتي تشبه صاحبها في برودتها وغياب أي طابع شخصي عنها، يكسو أرضها وجدرانها الخشب الفاخر، وتوحي بأنها محكمة عسكرية. كان بيننا مكتب يليق بشخص مهووس، ليس على سطحه المصقول أي ورقة أو ملف. قال لي السيد بريك: هل تعرف أنني أحبك يا محمد؟ لو كان علي أن أحتفظ بشخص واحد من بين أفراد الحاشية لما ترددت لحظة في اختيارك. هذا أمر يصعب عليك تصديقه، أليس كذلك؟ الثرثرة ليست نقطة قوتي، ومع ذلك فلدي من الفكاهة أكثر مما تتخيله. أنت رجل طيب يا محمد. عرفت ذلك منذ وصولك إلى هذا المنزل. وما يشغل بالك حاليا سيتبدد في نهاية المطاف، بدون أي شك. كلنا نعرف أن لا شأن لك في هذه القضية. لو أنك كنت مطلعا على أي شيء، لتمارضت وغبت عن القصر ليلة الهجوم. المنطق يقول هذا. لكنك كنت حاضرا في المجزرة شأننا كلنا. وكانت حياتك في خطر، مثلنا كلنا. سينصفك التاريخ لأنني كنت حاضرا حين واجهنا الموت، كلنا. كيف أنسى تلك القاعة الصغيرة في الطابق السفلي حيث أحطنا سيدي، وبقينا أسرى لساعات، متراصين، فيما أصوات الرصاص والقذائف الجهنمية تدوي بلا توقف في الطابق الأعلى؟ رأيتك ترتجف يا محمد، مثلنا رأيت الملك مرتبكا، يكاد يكون غائبا عن الواقع، فيما نحن نتلو آيات القرآن. وحين رأيت سيدي يفقد عزيمته ويعجز عن التفكير، قمت بواجبك لإعادته إلينا، فقلت له:
- سيدي !
- الأسياد هم من يطلقون علينا النار !، أجابك.
- أود التعبير عن رغبتي الأخيرة قبل موتي ...
- عليك أن تتوجه إلى المتمردين يا محمد ! مليكك لا يستطيع شيئا لك.

- سيصغون إليك يا مولاي ! الملك مسموع الكلمة دائما ! قبل أن يطلقوا علي النار، قل لهم ألا يصوبوا إلى رأسي المسكين، فلا ذنب له. ليفرغوا رصاصهم في بطني الضخم، فهو وحده المسؤول عما يجري لي ! هذه المعدة التي لا تشبع أبدا تستحق أن تمزق إربا. وهي التي قادتني إلى هذا القبو حيث أختبئ كجرذ !
أجهل ما إذا كانت ضحكة الملك عصبية أو لا، لكنه قهقه ضاحكا، فأثار ذعر الموجودين لأن أمرنا يكاد ينفضح. بعد فترة قصيرة، وكمن عاد إلى صوابه، قرر سيدي أن نغادر مخبأنا، خلافا لرأي أحد الضباط ... وكان في ذلك القرار نجاتنا.
نعم لقد قمت بعملك حتى النهاية. وأنا مقتنع تماما بأن تدخلك أنقذنا. تحل بالصبر يا محمد، ودع العاصفة تمر".

في خدمة الملك
في "مؤنس الملك"، يخيم طيف عزيز بنبين كما تحضر سيرته في علاقة بوالده، وخاصة حين تصل القراءة إلى لحظة المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي ضربت العائلة الصغيرة للفقيه بنبين، وطبعت بتداعياتها التاريخ المعاصر للبلد.
في "مؤنس الملك"، نكون مع استعادة لما رافق التجربة التي مر منها عزيز بنبين، مع رصد لوجهة نظر الوالد، الذي أعطاه الكاتب فرصة تبرير موقفه، بخصوص طريقة تعاطيه من تورط نجله في المحاولة الانقلابية.

عزيز بنبين رفقة شقيقه ماحي بنبين (تصوير: أحمد بن اسماعيل)

مع "مؤنس الملك"، لا يمكن للقارئ إلا أن يستحضر رواية أخرى رصدت تداعيات المحاولة الانقلابية على عائلة بنبين. يتعلق الأمر برواية "تلك العتمة الباهرة" للكاتب المغربي الطاهر بن جلون، التي قال عنها إن أحداثها واقعية، استلهمها من شهادة عزيز، التي نكون فيها مع وجهة نظر المعني بالاعتقال بصدد موقف والده من تورطه في المحاولة الانقلابية، ومشاعره نحوه بعد موقفه منه. نقرأ، على لسان عزيز في رواية الطاهر بن جلون، متحدثا عن والده، وهو يقاسي تجربة السجن في تازمامارت: "لم أكن حاقدا عليه. لم أحقد عليه يوما".

يظهر عزيز في رواية بن جلون وهو يلتمس الأعذار للوالد، حيث نقرأ له: "كنت أقول في سري، في سكون الحفرة: ماذا بوسعه أن يفعل؟ لقد أسأت التصرف وإن كنت لم أخطط لشيء. لم أعصَ الأوامر. دخلت القصر من دون أن أطرح على نفسي أي سؤال. وبذلك كنت أهين الملك والثقة التي أولاها لأبي. المفترض أني كنت هناك أنفذ أوامر رؤسائي. كان بإمكاني أن أرفض الالتحاق بالآخرين، فيتم التخلص مني برشقة رشاش. أو كان بإمكاني أن أنحاز إلى الجهة الأخرى وأدافع عن الملكية. لكني لم أفكر في مثل هذا الخيار. ربما شلني مشهد المجزرة. كنت جامدا في مكاني، جاحظ العينين، جاف الحلق، ثقيل الرأس. كانت أشعة الشمس تعمي بصيرتي. لم أر سوى صور متسارعة وكنت عاجزا عن الحركة. جاء الحكم بالسجن عشر سنوات قاسيا، لكنه بدا يسيرا نظير ما كنا نكابده في معتقل الموت البطيء. أكان بمستطاع أبي أن يستقيل؟ لا. فعندما يكون المرء في خدمة الملك لا يستقيل، بل يرضخ ويطيع ويردد على الدوام: "أجل يا مولاي". يجعل نفسه ضئيلا، ولا يضطر إلى تكرار كلامه حتى لو لم يسمع أمره جيدا. يقول: "نعم سيدنا" وليتدبر أمره في تخمين ما قاله. كان والدي في مثل ذلك المناخ وكان فخورا بذلك وسعيدا". ثم يقول في مكان آخر: "لم يكن والدي مستعدا للدخول في الغيبوبة من أجل أحد، كائنا ما كان. فهو ليس من صنف الرجال الذي يشعرون بالمسؤولية عن خِلفَـتهم، فما الداعي إذا إلى تكرار هذا السؤال؟ فإذا قال هو، كما بلغني، "ليس لدي ابن"، أو "هذا الولد ليس ولدي"، فأنا، من جهتي، ما كنت لأقول قط: "ليس لدي أب"، أو "هذا الرجل ليس أبي"".