ناديا هاشم العالول
حينما تدفق نبع الحياة لاول مرة في هذا العالم تنبهت جزيئاته من سباتها العميق متخذة اشكالا وصنوفا مختلفة، حيث ترعرع الانسان متفاعلا في احضان طبيعته الخلابة فأوحت له موسيقى الكون بتقليدها واضعا الحانا رقصت لها روح السامع متجاوزة حدود المكان والزمان.
ونتعجب من تلك النداءات المطالبة بتحريم الموسيقى وكافة الفنون وادراجها تحت قائمة الممنوعات والمحرمات فعالم بدون موسيقى هو بمثابة جسم بلا روح... الاتكفينا اهوال الحروب والانفجارات؟ لقد اصبحنا نتعامل مع ادوات وتكنولوجيا متطورة تساعدنا في حقل الا انها تدمرنا في حقول اخرى. ناهيك عن امتصاصها التدريجي لارواحنا بسبب الحملقة الطويلة في الشاشات متقوقعين طويلا بين جدران مقفلة.
يفضل البعض التلفاز وجهاز الحاسوب على التعامل مع الناس! قد يكون في هذا شيء من الصحة ولكن لو عرفنا السبب وراء هذا التراجع في العلاقات الانسانية لوجدنا بأنه يعود للقحط الذي يعيشه البشر بعيدا عن الجماليات الحقة والمضامين الرائعة، فترانا نلهث دوما وراء اقتناء الاشياء من اجل تكديسها فقط، دون ان ندرك بأن هذا الصخب المادي بضجيجه الموسيقي والشكلي والغذائي والترويجي... الخ من سلسلة مادية يتم الانفاق عليها بجنون، لا بد وان تتمخض محصلته النهائية عن صخب بشع يخلق قحطا في الروح وجفافا في المضمون وتراجعا في الثقافة وفقرا في الابداع..
الا يكفينا هذا الطوفان الزاحف الذي يغلف ارواحنا ببرودة مادياته وقساوة تقنياته ودمويته الفائضة التي باتت جزءا لا يتجزأ من مشاهداتنا اليومية؟ فالموسيقى ترقي الانسان وتحميه من التغول فلماذا نريد ذبح هذا العنصر الجمالي؟ ولماذا يحرم الاسلام الموسيقى والرسول الكريم هو من ادخل الموسيقى الى الاسلام من خلال صوت مؤذنه الشجي بلال بن رباح؟
الم يستقبل الانصار الرسول على قرع الدفوف منشدين له: طلع البدر علينا؟ حتى لو تمت مصادرة الموسيقى في عالمنا العربي فلن ينالنا سوى الغاء جزء كبير من تراثنا وثقافتنا لينصرف شبابنا الى الموسيقى المستوردة... ومن اجل هذه النداءات المطالبة بالغاء الغناء والموسيقى سمعنا عن عقد مؤتمر (حرية التعبير بالموسيقى) فالعالم يحتاج الى صمام امان يتمثل بحرية التعبير بالكلمة والصورة والنوتة ايضا... فاذا اختزلنا الموسيقى من حياتنا فكيف سنقنع الحضارات الاخرى التي تسيء فهم الاسلام والعرب بأننا شعوب راقية نقدر الجمال ولنا من التاريخ الفني والثقافي العميق مما يؤهلنا لأن نقف على نفس المستوى الحضاري؟ فلماذا لا نحارب فننا الهابط الذي بدأ يفرض نفسه على الفضائيات بانواعها مشكلا القاسم المشترك الاعظم في ساعات بثها، فالحداثة ان كانت تعني تراجع الذوق فنحن ضدها لاننا لسنا مع تداول الفن المتردي اذ لا بد من وضع حد له، ولكن هذا لا يعني بأن نلغي معه ايضا اغاني ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب والموشحات الاندلسية ورباعيات الخيام وغيرها... لماذا يندرج الطائع تحت مظلة العاصي؟ فالخطأ ليس في الفن بل في بعض صناعه ومحترفيه من اصحاب الذوق المهلهل والمصالح الآنية؟ فلنبحث عن الاسباب التي تجعل الغث يطرد السمين ونحاول اختزال العناصر السلبية حتى نفسح المجال امام فن حديث يتميز بالرقي.
لا شك باننا ندرك بأن فنون الشعر والموسيقى والغناء هي شكل من اشكال التعبير، ولا عجب ان النبي عليه الصلاة والسلام قد فرح بايمان الشاعر سعد بن مالك وهلل لاعتناقه الاسلام، فشاعر القبيلة آنذاك كان مكسبا لها فهو اداتها المؤثرة ، تماما كالاعلامي والمثقف في وقتنا الحاضر وان من البيان لسحرا، وقد حدث ذات مرة ان النبي عليه السلام كان يحاول شرح فروض الصلاة لاعرابي تعذر على الاخير فهمها وحفظها، فاقترب الشاعر سعد بن مالك مستأننا الرسول كي يفسرها للاعرابي بطريقته الشعرية الخاصة فقال: «للصلاة اربع فاربع، ثم ثلاث يتبعها اربع، ثم صلاة الصبح لا تضيع». ففهمها الاعرابي في الحال!
كما كان يعرف عن الشيخ والعالم الفقهي والحنفي عبدالغني النابلسي بعزفه للعود وانشاده للقصائد الصوفية وتلحينها.. وهو معروف في كافة الزوايا وقبره موجود في مسجد النابلسي بدمشق.
حتى جماعة الصوفية عندنا فهم مشهورون برقصة (الدرويش) لانهم يعتقدون بأن الموسيقى توصلك للحضرة الآلهية... هذا بالاضافة الى ان الصوفيين الاتراك يعزفون الناي اثناء تأديتهم للاغاني الصوفية...
والآن وبعد هذا كله هل ما زلنا نريد اختزال الموسيقى من حياتنا لنختزل معها ركنا كبيرا من حضارتنا وكينونتنا متناسين بأن الله جميل يحب الجمال؟ وان كان لا بد من الاختزال فلنختزل كل ما هو هابط ورديء!















التعليقات