طاردوه روّعوه جرّدوه من وثيقة سفره ثم فجّروه
سمير قصير شهيد 14 آذار
اعداد: يقضان التقي، كوليت مرشليان، جهاد الترك،
ريما المسمار، وسحر طه
سمير قصير، الزميل اللامع، والمثقف الذي حمل الثقافة معاني الالتزام، والكاتب الصحافي الشغوف، والمنخرط بشجاعة في مهنته بنبل وتفان، الى حد المجازفة والخطر، ليواجه، بقلمه، معاصي النظام الأمني وفساده وارهابه، وترويعه، وقمعه، وتبعيته، سمير قصير، كان له، ان يختار شهيداً جديداً، من أجل الحقيقة، والا ستقلال، الحرية والديموقراطية.
هكذا جُعل ضحية جديدة بعد الضحايا ـ الشهداء في القائمة الطويلة: كمال جنبلاط، المفتي الشيخ حسن خالد، الرئيس رينه معوض، سليم اللوزي، رياض طه، ورفيق الحريري وقبله محاولة اغتيال (مروان حمادة). ذبيحة أخرى ينحرها بوحشية النظام الأمني المشترك اللبناني ـ السوري المفجوع بهزيمته، والمضروب بتداعيه وتساقطه، والقاتل حتى في لحظات احتضاره.
سمير قصير، طارده طويلاً، أهل النظام الأمني (لا سيما جميل السيد)، وروّعوه، وانتزعوا منه وثيقة سفره، ثم وكما حال الجبناء، والكلاب المسعورة، فجروه. فكان التفجير، تفجير الناس والعباد، سمة النظام الأمني ـ المخابراتي المشترك، بل رمزه وعنوانه ومضمونه واشاراته.
هنا شهادات في الشهيد ممن عرفوه وتابعوه وناضلوا معه، قبل 14 آذار، وحتى الآن.
رضوان السيد:
سمير قصير ومصائر حريتنا
لا نستطيع البقاء مع اغتيال سمير قصير عند القول ان ما كان انما هو جزء أو حلقة في مسلسل الاغتيالات التي بلغت ذرتها في استشهاد الرئيس الحريري. فسمير قصير ليس جزءاً من تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، بمعنى انه ليس داخلاً في الصراع على السلطة، ثم انه ما كان يملك برنامجاً لطرائق اخراج السوريين، وتفكيك النظام الأمني ـ وان اشتهر فعلاً بمعارضة الوجود السوري، ومعاداة النظام الأمني الكاتم للأنفاس ـ ، انما ملك ما هو أهم من ذلك: الرؤية الأخرى الثقافية والسياسية، للتحرير والتطوير والتقدم والبناء الديموقراطي. فهو مثقفٌ وأستاذٌ قادمٌ من هناك الى التعليق السياسي، والتعليق السياسي الحادّ الذي يمضي الى هدفه بطريقةٍ مباشرة. والذي قرأ كتبه الثلاثة (وأحدها عن بيروت) يعرف أنه مؤرخٌ وسوسيولوجي بارز، لكنه قبل ذلك وبعده ذو ثقافة عميقة بالمعنى الحديث للكلمة، ويملك موقفاً مؤدّاه ارادة تغيير العالم، وليس بثوريات الستينات والسبعينات، بل بالمعرفة الجادة والحادة والمحرقة. وأرى أن تلك الرؤية لديه للمثقف ودوره، هي التي دفعته باتجاه المجال السياسي الفلسطيني، ومن ثمّ اللبناني. كما أرى أنه فاقنا جميعاً، نحن المثقفين الذين نكتب تعليقات سياسية، في اتقان العبور من الكتابة الأكاديمية الى الكتابة الصحفية السياسية الراقية.
كتب سمير قصير في القضية الفلسطينية بتعمق وحماس. لكن ذروة تألقه الاعتراضي باعتباره مثقفاً وطنياً، بلَغَها في كتاباته في جريدة النهار ضدّ الوجود السوري في لبنان، وضد الأجهزة اللبنانية /السورية، وعلى هذا الملفّ الذي افتتحه بعد أواسط التسعينات، تفرعت ملفات أخرى كثيرة فلسطينية وسورية ومصرية، تدور كلها حول قضايا الحريات، وبناء الدولة العصرية الديموقراطية ـ مع ميل للمقاومة السريعة، والعرض السريع للمسارح الأخرى والحقيقية للاحداث المتجمعة من حولنا في الولايات المتحدة وأوروبا. يبدأ سمير قصير مداخلاته الاعتراضية بالاشارة الى واقعة محددة، ثم يمضي كالسهم الى استنتاجات واضحة، تولد استنتاجات أخرى بعيدة المدى، ليعود في القسم الثالث من مقالته لتوليفته الثقافية المحبّبة، والتي تعبّر بمقالة أخرى تصل الى الأفق نفسه: أفق الحرية، وأفُق الديموقراطية، وأفُق ارادة هدم الاستبداد العربي، والتخثُّر العربي.
في السنوات الثلاث الأخيرة، ومع اتّساع ذلك الأكف كالنصل الحاد في كتابات سمير قصير، تبلورت لديه أطروحة متمايزة بعض الشيء، ومن ضمن اعتراضيته وليس خارجها: كيف يكون البناء الجديد، وما علائق ذلك بالمتغيرات العالمية؟ لقد اتسعت مساحات النقد والنقض، والأنظمة ومنها النظام اللبناني محاصرة، ولا نقص في ارادة التغيير، وانما المشكلة في الآليات والوسائل من جهة، وفي السياقات الدولية من جهة أخرى. وكانت أطروحته البنائية: استنهاض قوى المجتمع المدني، والتلاؤم مع المتغيرات دونما خطأ الرهان عليها. ولذلك فقد خاض نضالاً مباشراً مع الأجهزة الأمنية، وتقدم صفوف المثقفين في الحملة على الوجود السوري في لبنان، ومن ضمنه من وجهة نظره رئيس الجمهورية. وقد اعتقد أن التجرؤ على ذلك كفيل بوضع الحصان أمام العربة، وبخاصة أن النظام الأمني السوري/اللبناني المُححاصر، ستتزايد أخطاؤه، وسيحمل ذلك سائر الفئات على تحديه مثلما يتحداه هو، وبعض المثقفين والسياسيين الآخرين. وقد تردد للحظات عندما اغتيل الرئيس الحريري ـ وقد كان صديقه وموضع أملٍ كبير لديه في إحداث التغيير ـ ثم صمد في طليعة تحرك 14 آذار، وقد حدث الانسحاب السوري، وبدأ النظام الأمني بالتهاوي.
لا ديموقراطية في رؤية سمير قصير إلا بالحرية. وهو مثل يساريي السبعينات ذو إيمان عميق بالحركة الشعبية. لكنه توصل في التسعينات الى قناعة موداها أن الفئات الاجتماعية الحديثة تملك قدرات تنظيمية ومصالح تتلاقى مع فكرة المثقف الثوري، لكنها لا تنتهي عندها. وأحسب أن هذه "التركيبة" في تفكيره وعمله بين المصالح العامة، والطبقة الوسطى، وثقافة التغيير الحديثة، هي التي ميّزته، وأزعجت الأجهزة والنظام المُغلق، وكل كارهي التطوير.
سمير قصير أول شهداء مثقفي التغيير الجذري في هذه الحقبة من المخاض اللبناني والعربي. ومع أن التسرع في الاستنتاج غير محمود، فإنني اعتبر مقتله بداية اخرى في تهديد المجتمع المدني العربي البازغ، وليس ضمن سلسلة الاغتيال والتفجير السياسي وحسب. رأيته في القاهرة قبل بضعة شهور، وكنت ما أزال مشغولاً بدلالات الحدث العراقي. وتجادلنا طويلاً، ثم فضّ سمير قصير النقاش بالقول: إن اختلفنا على التغيير العراقي، فلن نختلف على التغيير في لبنان، لكنني لا أريدك أن تصبح سلبياً تُجاهه إذا حاولوا إرعابنا بالاغتيالات، فاغتيال واحد أو أكثر مع التغيير، أفضل بما لا يقاس من اغتيال ولا تغيير. وعندما رأيته عشية 14 آذار سبقني الى التعليق، لا تقل لي إن خيارنا هو بين فقد الرئيس الحريري أو استمرار النظام الأمني، فنحن والرئيس الحريري كافحنا كل على طريقته ضد هذا النظام، وقد استشهد الرئيس وعلينا متابعة النضال أو نموت جميعاً!
غازي العريضي:
مسلسل ارهابي
سمير قصير علم من أعلام الصحافة اللبنانية والاعلام اللبناني. صاحب رأي جريء وقلم حر. محلل ومفكر ومدرس في الجامعة، مميز بحضوره وشجاعته وصدق التزامه. اغتياله استهدف الحرية في لبنان والديموقراطية والكلمة الحرة وكل الجسم الاعلامي.
طاردته الأجهزة الأمنية لسنوات. حاصروه تعقبوه هددوه، تدخلوا في حياته الشخصية.
صادروا جواز سفره. لكنهم لم يتمكنوا من مصادرة رأيه أو من اخضاعه واسكاته والتنازل عن قناعاته.
لم يتمكنوا منه في الفترة السابقة فقتلوه اليوم في سياق المسلسل الارهابي، الذي يستهدف لبنان منذ ما بعد التمديد للرئيس اميل لحود، الذي شن هجوماً عنيفاً جديداً على الصحافيين في لبنان، متهماً اياهم بسهولة شراءهم وإستخدامهم.
هذا المسلسل الارهابي استهدف الذين عارضوا التمديد والذين رفضوا تكريس النظام الأمني في لبنان. بدأ بمحاولة اغتيال مروان حمادة، تمكن من اغتيال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما واليوم تمكن من اغتيال سمير قصير.
نتمنى ان يضع هذا الملف بين أيدي لجنة التحقيق الدولية، التي تجري جريمة الاغتيال الجديدة، بعد أيام من وصول رئيسها الى بيروت وفي ظل إعتقاد عند اللبنانيين أن مسلسل الاغتيال السياسي سيتوقف.
سمير فرنجية:
تواصل مع قوى التغيير العربية
اغتيال سمير قصير ليس اغتيال مثقف فقط ولا صحافي فقط. بل هو اغتيال مناضل مثقف واغتيال عضو قيادي في حركة اليسار الديموقراطي بما يشكله من رمز أساسي في حركة 14 آذار. سمير قصير أدخل على السياسة مفاهيم وممارسات جديدة وهذا ما دفع بالنظام الأمني الى مطاردته منذ أكثر من خمس سنوات. والدور الذي لعبه سمير قصير لا ينحصر في صفوف الشباب اللبناني أو في الثورة التي تشهدها اليوم، انما دوره اساسي في عملية التواصل مع القوى التغييرية في العالم العربي وبالتحديد في سوريا. وهو كان باستمرار يعتبر أن التغيير في لبنان هو نموذج لما يجب أن يكون عليه التغيير في العالم العربي.
استشهد سمير قصير في لحظة الثورة المضادة التي يقوم بها النظام الأمني والتي تستهدف في الأساس كل انجازات 14 آذار وتستهدف المعارضة.
ويتحمل مسؤولية اغتيال كل من ساهم عن وعي أو غير وعي في ضرب حركة 14 آذار.
الياس عطاالله:
بيان الحلم
الجريمة واضحة واستهدافاتها واضحة لرجل قائد، لرجل قيادي في حركة اليسار الديموقراطي، ومؤسس للحركة، قلم من أجرأ الاقلام من الصحافة اللبنانية، هذا هو الشهيد.
اما القاتل فهو رأس النظام الامني في سوريا الى رأس النظام الامني في لبنان وتركيبة الاجهزة التي تتلطى وراء التغيرات الجزئية والماكياج الذي حصل أخيرا، وهذا نتاج الجريمة المنظمة.
هذا درس جديد، ولكنه مكلف جدا وذهب ضحيته رجل من ابرز رجالات الثقافة والحرية وقيادة الحركات السياسية وقيادة انتفاضة الاستقلال.
هذا الواعد
هذا الذي كتب بيان الحلم
لا يمكن ان يكون هناك جواب حقيقي الا عبر مظاهرة سلمية تتوجه الى قصر بعبدا والى معاقل المخابرات لتقتلع الاجرام وآلية الارهاب السياسي ولو اخترنا هذه القواعد سابقا لما اغتيل اليوم سمير قصير.
نأمل من المعارضة ان لا تكرر الكلام نفسه، لان الكلام في السياسة يواجه بالجريمة والنتيجة ضحايا من خيرة شباب لبنان ومثقفيه ومفكريه.
نختصر بالقول بان اللبنانيين بحاجة الى حل جذري يجب ان نبادر الى هذا الحل وهو ان يستقيل رئيس الدولة وان تفكك الاجهزة نهائيا.
جميل السيد طارد سمير قصير لمدة خمس سنوات من منزله الى المقاهي وأماكن طعامه لم يتمكن الرئيس الحريري من حمايته لان السلطة كانت حينها بيد الاجهزة الامنية.
اليوم نفذوا اغتيالهم بحق الرجل اللماع، المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني والمتضامن مع الحقوق الديموقراطية في العالم العربي وفي سوريا تحديدا.
مع هذا الاغتيال البشع نقول ان الحلول الجزئية لا تنتج حلا.
هاني فحص:
جدل الجليل وحرمون
سمير قصير الفلسطيني لبناني بقدر ما كان فارس الخوري اللبناني سورياً، وبقدر ما كان جو جمال السوري مصرياً. سمير قصير اللبناني فلسطيني بقدر ما كان شكيب ارسلان اللبناني فلسطينياً"، وبقدر ما كان ميشال شيحا العراقي لبنانياً وفلسطينياً". سمير هذا الجميل المركب من أجمل عاصمتين من القدس وبيروت ومن أكثر شعبين رغبة في الحرية وصبراً وعطاء من أجلها. من هنا يأتي بهاؤه. أحبه كثيرون من اللبنانيين لأنه فلسطيني، وكرهه أشرار كثيرون لأنه لبناني وفلسطيني. وهذا جدله العظيم. جدل الجليل وحرمون. هذا الكاتب قصير اليد طويل القلم بعيد الرؤيا غامق الحبر، زكي الدم شفاف العيون والدموع. له أيدينا تحييه وأقلامنا تكتبه. ورجاؤنا يحل رجاءه بقيامة لبنان. ولدمه من دمنا حبر أخضر. ولعينيه من عيوننا عيون تفيض دمعاً كثيفاً كمعنى لبنان عميقاً كمعنى فلسطين. كان شاهداً موعوداً بالشهادة، ومن كانوا يعرفون سره وشجاعته ربما يقدرون انه تأخر عن موعد شهادته، ربما ليستمتع بعمارة الحرية والسيادة التي جبل بيده طين اساساتها في الليل والنهار حتى صار ليلهم في النهار ونهارنا في 14 آذار.
رفيق خوري:
اغتيال رجل قلم
كل اغتيال مدان فكيف إذا كان اغتيال رجل فكر مثل سمير قصر؟ هذا الاغتيال يثير الحزن والغضب لأسباب عديدة، أولها انساني وثانيها سياسي وثالثها وطني. سمير قصير رجل قلم وليس رجل ميليشيا ولا رجل سياسة بمعنى الكلمة، واغتياله جاء في لحظة لافتة جداً هي الانتقال من النظام الأمني الى الديموقراطي، وجاء أيضاً خلال وجود لجنة التحقيق الدولية في بيروت وهذا يعني أن الطرف الذي قام بارتكاب الجريمة اراد ايصال مجموعة رسائل الى كل المبتهجين بثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال والديموقراطية. لكن تاريخ الصحافة هو الى حد كبير تاريخ مغامرة واستشهاد وليس عن عبث ان اختارت نقابة الصحافة عيد الشهداء ليكون عيد الصحافة، فالقافلة من شهداء الصحافة طويلة منذ 1916 حتى اليوم واغتيال سمير قصير لن يوقف مسيرة الحرية في لبنان ولا أحد يستطيع الوقوف في وجه تيار الحرية المتدفق والذي هو دم لبنان الحقيقي.
وائل ابو فاعور:
رسالة
اغتيال سمير قصير رسالة ليست فقط للقلم الحر والمناضل في المعارضة اللبنانية وفي التيار الديموقراطي الذي انتج انتفاضة الاستقلال بل في رسالة دموية اي كل من وقف ضد مشروع عسكرة النظام الذي قاده اميل لحود، ومن يريد ان يعرف لماذا قتل سمير قصير عليه ان يعود الى كل مقالاته ومواقفه، منذ بداية عهد اميل لحود وكل المضايقات والتهديدات، التي تعرض لها والوفاء لشهادة سمير قصير يكون عبر اعادة توحيد صفوف المعارضة ونبذ كل الخوارج الذين انقلبوا على المعارضة وثوابتها وتحالفوا مع ما تبقَ من رموز المخابرات وباستكمال مشروع تفكيك النظام المخابراتي بدءاً من رأس هذا النظام في قصر بعبدا.
وليد شقير:
شجاعة العناوين
هذا اغتيال لشجاعة العناوين واسكات بالجريمة لقلم شجاع. والمطلوب من وراء اسكاته والهدف الاساسي رسالة الى جميع الاعلاميين.
هي رسالة للاعلاميين اولاً، قبل ان تكون رسالة الى السياسيين.
عبده وازن:
لا أصدق
انه لحادث اليم غياب هذا الصحافي الكبير الذي كان ينبئ بالمزيد من العطاءات سواء في حقل التأريخ الثقافي أم على مستوى الكتابة الصحافية. فهو استطاع أن يؤسس ما يشبه المدرسة الصحافية في معالجته للقضايا والشؤون السياسية، مرتكزاً على ثقافته الشاملة والعميقة. لقد خسرنا كاتباً كبيراً استطاع ان يخلق نوعاً من الثورة في عالم الصحافة اللبنانية. أما كتبه التاريخية ولا سيما كتابه عن بيروت فهو من الكتب الممتعة التي تجمع بين منهجية التأريخ وسلاسة التعبير. واعتقد ان كتابه الذي يتناول فيه تاريخ بيروت هو من المراجع المهمة باللغة الفرنسية التي تعمقت في قراءة هذا التاريخ ثقافياً وسوسيولوجياً. ومثلما كتب بالعربية معتمداً لغة بسيطة وموضوعية كتب ايضاً بالفرنسية مقالات وأبحاثاً جميلة وعميقة. انني حتى الآن لا أصدق ان هذا الكاتب قد قتل. أهكذا يكافأ الكتّاب في عالمنا؟
سمير عطا الله:
شغوف الحرية
كان سمير قصير (لقيط) الصحافة المعاصر، فقد كان مزيجا من الناشطين والمفكرين والمثقفين والكثيري الاجتهاد، لم اعرفه جيدا عن قرب لكنني كنت ادرك عن بعد كم هو مشغوف بالحرية ومثلها وقيمها، وهذا الشغف كان يأخذه بالضرورة خلف حدود لبنان. وعندما قرأته في المرة الاولى كان يكتب في "اللوموند ديبلوماتيك" معرفا بحقوق واحزان القضية الفلسطينية التي هو ابنها الاصيل. ولم يتخل عن احزان فلسطين بالرغم من تحوله في السنوات الاخيرة نحو الشأن اللبناني وقضايا الدكتاتورية والاستبداد. لذلك لم اصنفه يوما في خانة الصحافيين الذين يتئكون على المصادر ويتوكلون على المصادر المعاكسة وعلى الاثبات والنفي، فالحقيقة بالنسبة اليه كرجل ليبرالي يساري كانت واحدة لا تقبل التجزئة ولا التفاسير وكنت دائما اتساءل كيف يمكن لمفكر ان يكون لبنانيا وفلسطينيا بمثل هذا الحماس من دون ان يكون فاسدا او ملطخا بروح التسوية ونفسية الصفقات. واعترف بأنني كنت كلما رأيته ادعوه الى المهادنة والهدوء فيضحك دون اجابة ولعله كان يذكرني بما بلغت من عمر او بما كنت عليه ذات يوم من شباب يوم كنا جميعا في "النهار" نكتب ايضا بشغف عميق في قضايا الحرية والديموقراطية وما يتعين فيهما من مثل وقيم وأخلاق. لا، لم يكن سمير قصير صحافيا كما نُعي، فالصحافة تعني التوليف والمسايرة والتسوية، وهو كان مناضلا بالمعنى النبيل للكلمة، اي كارهاً للعنف والفظاظة والشدة ولكن حريصا حتى الشهادة على حرية القول ومبدأ القبول بالآخرين وتسخيف هذه الظاهرة التافهة التي تريد ان تكون كل شيء في كل الاوقات وفي كل الأزمان.
زاهي وهبي:
حبر يوازي الدم
مثلما تحلو صداقته تحلو مشاكسته ايضا، لذا يحق لي المفاخرة بأنني اختلفت مع سمير قصير مرات ثلاثا، وفي كل مرة كنت اشعر بنوع الزهو باختلافي مع رجل شجاع تمحو شجاعته كثيرا من اسباب الاختلاف، لذا لم استغرب اتصاله الهاتفي بالصديق الشاعر يحيى جابر عقب استضافتي للاخير في "خليك بالبيت" قائلا له: "قل لزاهي لقد أحببته هذه المرة".
شاكست سمير قصير وشاكسني على روجيه غاروودي ومحمود درويش وفخري كريم واختلفت معه على قضايا فكرية وثقافية وأدبية، لكني لم اختلف معه ابدا على رفض السلطة البوليسية والنظام الامني او على التمسك بحرية الرأي والتعبير وهو المتقدم بين المدافعين عن الحرية والديمقراطية والمتقدم بين الرافضين لكل اشكال القمع والديكتاتورية وهو الشجاع في اشهار كلمته سيفا بوجه القتلة السفلة الذين كان دائما اقوى منهم ومن تهديدهم ووعيدهم ولعلهم لم يجرؤوا على قتله الا حين يئسوا من امكانية اسكاته بالترهيب والتنكيل والترويع. سمير قصير الذي كان حبره يوازي الدم بجرأته وشجاعته حمل حبره على كفه كمن يحمل دمه وها هو الان يكتب مقالته الاخيرة بدمه الطاهر المضيء ليكشف النقاب مرة أخرى عن الوجه البشع للنظام الامني ولسيده القاتل وليعيد تصويب المعركة في الاتجاه الصحيح، اتجاه اسقاط ما تبقى من النظام الامني بدءا من رأسه الفارغ حتى اضحص رزالاته وجرائمه التي لن تزول الا بزواله الى الابد.
سمير قصير المناضل الكاتب المثقف بحبره او بدمه على عادته شجاعا ومغايرا، يكتب لأجل لبنان، له انحني وللعزيزة جيزيل اقول: "انني احبه وسوف اشتاق اليه، الى مناكفاته الجميلة الى قلمه الحر الشجاع ولكِ باقة من الدموع والشموع والعزاء.
جورج ناصيف:
عاشق القدس
كان سمير الصديق الحبيب منذ ربع قرن، مفخرة للاعلام اللبناني، بجرأته وثقافته واتساع افقه وعمقه التحليلي.
كان سمير لبنانيا وفلسطينيا في آن، عشق القدس دون ان يعرفها، وعشق لبنان الذي نشأ فيه.
كان عربيا حضاريا مؤمنا بالتجدد العربي وبالحداثة وبالنهضة. وفي الوقت نفسه كان صوتا صلبا دفاعا عن السيادة والاستقلال.
سمير لم يكن كاتبا فقط، كان منخرطا في النضال السياسي في مشاركته في تأسيس حركة اليسار الديموقراطي وكان كاتباً ثقافياً لامعاً، وكان مؤرخاً وأستاذاً جامعياً.
في جميع تجلياته كان سمير صوت الجرأة النبل والشفافية. لن القي نظرة عليه شهيدا، فهو باق في القلب، سمير الحبيب الأبدي.
علي حمادة:
الفكر الحر
غياب الزميل الصحافي سمير قصير احد قادة الفكر الحر في لبنان بهذه الطريقة الارهابية هو خسارة ليس فقط للبنان ولصحيفة "النهار" وللصحافة ككل بل هي خسارة على مستوى العالم العربي. فسمير قصير عمود من اعمدة الفكر الحر في العالم العربي وخاصة في محيطنا المباشر حيث تعشعش الديكتاتورية على مرمى حجر. لقد توعده بالقتل اكثر من مرة ومثلما نعرف من قتل رفيق الحريري فاننا نعرف من قتل سمير قصير. انها الجهة نفسها. وسمير قصير الفاعل والمؤثر في محيطه المباشر وفي المنابر الدولية كان عدوا مباشرا لهذه الحالة الظلامية التي ترفض ان تدع اللبنانيين يعيشون بسلام.
انه الانقلاب المضاد او الثورة المضادة على ثورة الارز وعلى انتفاضة الاستقلال وبوادرها اغتيال سمير قصير.
يحيى جابر:
شعلتنا
سمير قصير هو اول شهيد لليسار الديموقراطي، هو شهيد 14 اذار، كان شابا مغوارا مقاتلا في سبيل الكلمة الحرة، هو شعلتنا، دافع عن شرف المهنة وشرف المهنة يعني الجرأة ووضوح الرؤية، كان مطاردا ولم يخف. افتقده على المستوى الشخصي، فقد رافقته في 14 آذار يوما بيوم. لا استطيع قول اكثر من ذلك.















التعليقات