آخر الستالينيين ، آخرممثلي الأممية الثالثة ، أقدم أمين عام لأيّ حزب شيوعي عرفه التاريخ ... لا هذه الصفات المعلنة، ولا تلك الخافية في انتظار جلائها ذات يوم، بقادرة علي اختصار شخصية خالد بكداش (1912 ـ 1995)، الذي تحلّ الذكري العاشرة لرحيله يوم 24 من تموز (يوليو) الجاري. ويكفي أن السجلّ الرسمي المدوّن يعجز حتي اليوم عن تثبيت الملابسات والتاريخ الحقيقي لتولّيه منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوري (1932 ـ 1936 ـ 1937)؛ مثلما تعجز عن ذلك ذاكرة الأفراد. ولا يقع هذا العجز في سياق الإلتباس الموضوعي حول التواريخ الدقيقة فحسب، بل في سياق أعرض وأشدّ تعقيداً يتجاوز الفردي والجماعي في آن، ويندرج في هيولي سرّية شبه صوفية وشبه مقدّسة لرجل كانت الأهزوجة شبه الرسمية للحزب تصفه هكذا: خالد يهدي خطانا، في طريق الخالدين!

بيد أن التاريخ يسجّل لـ عسال الورد ، القرية السورية الصغيرة الرابضة في حضن جبال القلمون، أنها شهدت في عام 1930 لقاء بالغ الخصوصية بين ناصر حدّة، المهاجر مع أسرته من بلدة يبرود المجاورة، والفتي خالد بكداش الكردي الدمشقي الذي يعمل مع والده ملاحظاً لورشات إصلاح الطرق. كان هذا اللقاء أوّل عهد بكداش بفكرة حزب شيوعي كما سيتذكر بكداش. (في كتاب خالد بكداش يتحدّث ، إعداد وحوار عماد نداف، طباعة خاصة ـ دمشق). أولي حلقات الغموض تبدأ من ههنا، عند عودة بكداش إلي دمشق. التاريخ يسجّل أن فؤاد الشمالي (المصري من أصل لبناني) ويوسف يزبك (اللبناني) ويوسف بيرغر (ممثل الحزب الشيوعي الفلسطيني) وضعوا اللبنة الأولي لقيام حزب الشعب اللبناني ، والذي سيتوحد مع حركة سبارتاكوس الأرمنية لتأسيس الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني في عام 1925، وتشكيل أوّل لجنة مركزية مؤقتة من يوسف يزبك وفؤاد الشمالي وآرتين مادويان وهيكازيون بويجيان والياس أبو نادر.
رواية بكداش تسكت عن هذه الواقعة لصالح أخري: في عام 1931 أسّسنا الحزب في دمشق ، يقول ببساطة، مختصراً في ذاته صيغة الجمع. في عام 1933 سوف يحصل علي عضوية تامة في الكومنترن، أو الأممية الثالثة في صيغتها الستالينية، وعلي الإسم الحركي الرفيق رمزي . وسيسافر إلي موسكو سرّاً عن طريق باريس، ويمكث هناك حتي عام 1936، حيث سيسقط ـ مرّة وإلي الأبد ـ في الطاحونة الستالينية، أي الماركسية الوحيدة التي ستتيح له تطبيق مبدأ الإنضباط الحديدي عند عودته إلي سورية، وعقد اجتماع الكادر الذي سينتخبه أميناً عاماً بصفة رسمية ونهائية.

وفي محطته الباريسية سوف يكتب أولي مقالاته المبكرة في صحيفة لومانيتيه ، لسان حال الحزب الشيوعي الفرنسي، تحت عنوان إن الشعب السوري ينتظر ؛ وسيقيم صلات بين موريس توريز ورياض الصلح، القادم إلي باريس في عداد الوفد السوري. والحال أنّ انتظار الشعب السوري طال كثيراً، دون جدوي. ذلك لأن الوفد السوري ذهب يستصرخ فرنسا الجبهة الشعبية وليون بلوم، بعد عزل الشيخ تاج الدين الحسيني علي يد المفوّض السامي الفرنسي دومارتيل، واندلاع حركات الاحتجاج الشعبية التي أسفرت عن صدامات دامية مع قوات الإنتداب. وبالفعل، وقّع بلوم اتفاقية معاهدة 1936، ولكن الجمعية العمومية الفرنسية لم تصدّقها، وسقط بكداش أسير حرج سياسي سيصِمُ خطّ الحزب الشيوعي السوري ويجثم كالكابوس علي سياساته الوطني: تأييد الجبهة الشعبية الفرنسية علي حساب الشارع الوطني المطالب بالإستقلال، واعتماد الشعار القاتل إن تحرّر الطبقات الكادحة في سورية مرتبط أشدّ الارتباط بمصير الطبقة العاملة في فرنسا !
هذه، بدورها، واحدة من القواعد الذهبية ضمن ما سيُعرف في الحركة الشيوعية العربية بـ النهج البكداشي . إنها تلك القائلة بإخضاع الداخلي للخارجي حين يتصل الأمر بالتضامن الأممي مع حزب شيوعي شقيق (هو في العادة شقيق كبير في الواقع، من نوع الحزب الشيوعي السوفييتي أوالفرنسي أو الإيطالي)؛ والإضطرار إلي إلصاق تهم العمالة للإمبريالية بكل مَنْ يطالب بموقف وطني حتي إذا تعارض (لأنه لا بدّ أن يتعارض، هنا وهناك) مع موقف الكومنترن أو أيّ حزب بارز فيه. وتصويت الإتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة لصالح تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية، ثم الإعتراف السريع بدولة إسرائيل، كان مثالاً ساطعاً علي اصطفاف الحزب الشيوعي السوري وراء القرار السوفييتي، بصرف النظر عن عواقبه الداخلية.

وتلك قاعدة يستكملها عجز فكري منهجي عن ربط الطبقيّ بالوطنيّ والأمميّ بالقوميّ، استناداً إلي التأويل الستاليني لنشوء الأمم والقوميات، والذي ارتطم علي نحو دراماتيكي بسياسات كونية يومية عاجلة توجّب علي الكبار اتخاذها دون كبير اكتراث بمصالح وحساسيات الأشقاء الصغار. والموقف البكداشي من الناصرية ملفّ أساسي قياسي في تطبيقات القاعدة الذهبية السابقة. ولقد تخبّط الحزب طويلاً في تقييم سلوك عبد الناصر، واستبدّت به حيرة عجيبة في الموقف من الإصلاح الزراعي، ثم بلغ الأمر حدّ اعتبار تأميم قناة السويس بمثابة نقل لهذا الممر الحيوي الهام من اليد الفرنسية ـ البريطانية إلي اليد الأمريكية، وصولاً إلي اعتبار عبد الناصر عميلاً للبرجوازية المصرية والإمبريالية الأمريكية. في الحقبة ذاتها (1954 ـ 1956) كان خالد بكداش يتحالف بقوّة مع خالد العظم، أحد كبار ممثّلي البرجوازية السورية، من منطلق قناعته بإمكانية قيام الثورة البرجوازية الديمقراطية (بوصفها تشكيلة اجتماعية إلزامية لابدّ أن تمرّ بها كلّ المجتمعات حسب المادية الديالكتيكية في ابتذالها الستاليني)، الامر الذي سيمهد الطريق لوصول حزب العمال والفلاحين إلي السلطة. وكان يحلو لبكداش أن يختصر علاقته بالعظم في المعادلة التالية: كنت أنا ممثلاً للطبقة العاملة، وكان خالد العظم ممثلاً جدياً للبرجوازية الوطني. كانوا يقولون بعد الإنتخابات: نجح الخالدان !

وثمة، في هذا الطور، أكثر من مؤشر واحد علي الهوّة التي كانت تضع خيارات بكداش بعيداً عن نبض الشارع السياسي وإيقاع الحركة الشعبية، وذلك رغم إنجازات الحزب الملموسة في المستوي القاعدي. ففي انتخابات 1954 ذاتها أقام الحزب علاقة وطيدة مع محمد الأشمر، أحد أبطال ثورة 1925 والوجه البارز في حيّ الميدان الشعبي العريق، وبلغت العلاقة ذروتها حين حاز الأشمر علي جائزة ستالين للسلام وخاض الانتخابات بتأييد من الحزب الشيوعي السوري. ويذكر أهل الميدان، بكثير من المرارة والحيرة، أن بكداش رفض آنئذ دعوة الأشمر له لأداء صلاة الجمعة معاً في الجامع الأموي بعد أحد اللقاءات الانتخابي. وفي التسعينيات اعترف بكداش أنه روي هذه الحكاية للزعيم الصيني ماو تسي تونغ عندما التقي به في بكين عام 1959، وأن الأخير قال له: ولكن لماذا لم تذهب إلي الجامع؟ كان عليك أن تذهب معه دون تردد !

علي الوتيرة ذاتها ترتسم مواقفه المتقلبة من انقلابات الخمسينيات، ومن أديب الشيشكلي وصبري العسلي بصفة خاصة، فتتعدي التكتيك والسيكولوجية الشخصية إلي قرار هو الأخطر في تاريخ الحزب: الوقوف ضدّ الوحدة السورية ـ المصرية. وتوجّب علي قواعد الحزب أن تدفع ثمناً سياسياً وتنظيمياً باهظاً جرّاء موقف اتخذه الأمين العام، ثم غادر سورية علي عجل إلي موسكو ليترك المئات من كوادر الحزب لقمة سائغة في يد المباحث وعبد الحميد السراج. وهو موقف ـ انعطافة حاسمة لأنّ السجون شهدت بذور الحوار الراديكالي المعمّق حول آفاق خط الحزب وجموده العقائدي وانعزاليته، وفي الزنازين سيدور الحوار الأكثر جرأة في تقييم سلوك الأمين العام وعبادة الفرد والستالينية، سيما وأن خروتشوف كان قد وضع المسمار الأخير في نعش الماركسية ـ الستالينية، معلناً ولادة الماركسية ـ اللينينية ومسقطاً ـ بصورة مباشرة وغير مباشرة ـ أصنام الكومنترن الكبار. وهذه هي الأجواء التي كانت حاضنة خصبة لأفكار أناس من أمثال رياض الترك في السياسة والتنظيم، والياس مرقص وياسين الحافظ في النظرية والتثقيف، ومعايير تنامي هذه التيارات النقدية سوف تتوالي بسرعة: تذويب فرج الله الحلو بالأسيد علي أيدي مباحث السراج نتيجة إصرار الأمين العام علي استدعاء الحلو إلي دمشق دون تغطية أمنية كافية، مفارقة زيارة خروتشوف إلي مصر، تأييد الإنفصال، غياب الأمين العام عن الساحة...

وحين عاد رسمياً في عام 1964، فإنه فعل ذلك لكي ينفّذ طلب السوفييت، بإقامة تحالف مباشر مع حزب البعث الحاكم، في سياق تنظيري جديد هو الثورة الوطنية الديمقراطية أو طريق التطوّر اللارأسمالي . ولكنّ حوارات السجون التي انخرطت فيها كوادر الحزب، ومرارة الإحساس بانعزالية الحزب وتبعيته لموسكو، وغياب برامجه السياسية والنظرية، وتعطش قواعده إلي حياة داخلية ديمقراطية، واستحقاقات هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وصعود المقاومة الفلسطينية... سرعان ما أعطت أكُلها في مؤتمر الحزب الثالث (1969). حينذاك لم يجد الأمين العام مفرّاً من الإنحناء أمام العاصفة والقبول بسلسلة إصلاحات، كان بينها اعتماد نظام داخلي جديد، وانتخاب لجنة مركزية (هي الأولي المنتخبة ديمقراطياً في تاريخ الحزب بأسره!)، وصياغة مشروع برنامج سياسي.

ولكن ما من أحد كان في وسعه إعادة الحزب إلي الوراء، فالوثيقة البرنامجية تعتمد خطاباً غير مألوف في أدبيات الحزب السابقة، وهي تفتح ملفات أقرب إلي الديناميت في الموقف من القضية الفلسطينية والسلطة، وطريق التطور اللارأسمالي، والحياة الداخلية الحزبية، والعلاقة مع الأحزاب الشيوعية الشقيقة والصديقة، واستقلالية الحزب في خطه وسياساته عن الخطّ السوفييتي، وما إلي ذلك. ولم يكن من اليسير أن يتصالح النهج البكداشي، بوصفه مدرسة فكرية وسياسية وتنظيمية كتيمة في ذاتها وبذاتها، مع هذه السلسلة من الإنقلابات التي لا تشبه في شيء تلك الخضّات العابرة التي توجّب فيها علي الأمين العام أن يطهّر الحزب من المتطرفين و التحريفيين و المغامرين و العملاء ، أمثال فؤاد الشمالي، رفيق رضا، رشاد عيسي، هاشم الأمين، الياس مرقص، ياسين الحافظ، ونجاة قصاب حسن...

وتكرّس الإنقسام الأكبر والأخطر في تاريخ الحزب، حين أصدر بكداش بيان نيسان (أبريل) 1972، الذي رسم الطلاق النهائي بين خطّ خالد بكداش ـ يوسف فيصل وخطّ رياض الترك، عمر قشاش، ظهير عبد الصمد، دانيال نعمة، وإبراهيم بكري، أو مجموعة المكتب السياسي كما ستُعرف فيما بعد. وكانت الرافعة الكبري في سلوك بكداش إثر الانشقاق هي الموقف السوفييتي الرسمي المتعاطف معه ضدّ خصومه، والملاحظات التي وضعها العلماء السوفييت علي مشروع البرنامج السياسي، وحكموا فيها علي التيار الجديد بـ التطرف و اليسارية المغامرة و النزعة القومية و معاداة الاتحاد السوفييتي و التخلي عن الطبقة العاملة لصالح إيديولوجية البرجوازية الصغيرة .
ولقد جرت مياه كثيرة في أنهار سورية والحزب الشيوعي السوري منذئذ، فعاد الثلاثي ، عبد الصمد ـ نعمة ـ بكري، إلي صفوف بكداش، لا لشيء إلا ليلتحقوا بعد ذلك بصفوف انشقاق آخر قاده يوسف فيصل ضدّ بكداش. مجموعة المكتب السياسي واصلت تطوير الخطّ المعارض الذي بدأته في المؤتمرين الرابع والخامس، فأصبحت الحزب الأبرز في صفوف المعارضة الديمقراطية، ومؤخراً عقدت مؤتمرها السادس واختارت اسماً جديداً هو حزب الشعب الديمقراطي السوري . ولم يكن عجيباً، رغم المفارقة الكبري الصارخة، أن يقضي رياض الترك قرابة 18 سنة، بين 1980 و1998، في زنزانة مغلقة ، بينها عشر سنوات لم ير فيها ضياء الشمس؛ وأن يظلّ خالد بكداش، خلال الفترة ذاتها وحتي وفاته سنة 1995، حليف نظام الإستبداد الذي يقوده حافظ الأسد.

جرت مياه كثيرة، إذاً، وظلّ الأمين العام غارقاً في المفارقة المستديمة حتي وفاته. ليس في ما يخصّ الشيوعية العربية أياً كانت تلاوينها وتيّاراتها فحسب، بل أيضاً بصدد بيريسترويكا غورباتشيف حين لاح نهائياً أن الشقيق الأكبر السوفييتي يتحلل رويداً رويداً، ويسدل الستار الأخير علي مفردات عالم عتيق لم تعد تجوسه سوي أرواح فرسان الكومنترن. ومع هؤلاء، وحدهم تقريباً، ظلّ يتماهي الرفيق رمزي القديم ـ الجديد، أو هادي نعمان ، أو هادي حكيم أو، ببساطة وبعيداً عن جميع الأسماء الحركية: خالد بكداش، الذي كان يهدي الخطي... في طرق الخالدين!