بعد أن أتحفتنا السياسة الدولية منذ سبعينات القرن الماضي بأنماط مبتكرة من الدبلوماسية، كدبلوماسية كرة الطاولة وكرة السلة والحقائب اليدوية، جاء دورنا نحن العرب كي نتحف العالم بإسهام خاص في تجديد الدبلوماسية، هو دبلوماسية الشاحنات، التي تختلف عن أنماط الدبلوماسية السابقة في أن تلك استخدمت لإنهاء نزاعات مزمنة، بينما نستخدم نحن دبلوماسية الشاحنات، التي ابتكرناها مؤخرا، لإثارة نزاعات لا مسوغ لها، ولإحداث قدر من القطيعة والشقاق بين دول شقيقة لم تبلغ علاقاتها في أي يوم ما وصلت إليه اليوم من تدهور وعداء.

إذا ما توخينا الدقة، نجد أن من الضروري التفريق بين نوعين من دبلوماسية الشاحنات : نوع شعبي، إذا جاز القول، تعبر عنه الشاحنات التي يفجرها بعض الأصوليين في الأبرياء من الناس، ونوع رسمي وسيلته الشاحنات، التي دأبت بعض البلدان العربية المتجاورة خلال الشهر الأخير على منعها من اجتياز حدودها وعبور أراضيها، مع أنها محملة بسلع استهلاكية يتوقف على وصولها إلى الأسواق اقتصاد الدول المرسلة والمتلقية، التي تعرضها دبلوماسية الشاحنات لأضرار لا مسوغ لها، خاصة أن الأمر يتصل بخلافات رسمية تحل على حساب مواطنين هم السائقون الذين يقدمون خدمات حيوية لاقتصاد الدول المعنية، ليس لهم ناقة أو جمل في خلافات العرب الكثيرة، وليس لهم مصلحة فيها، بل هم أول ضحاياها.

تسبب دبلوماسية الشحنات في الحالتين، الشعبية والرسمية، ضررا فادحا، مع أنها تقتل في الحالة الأولى الأبرياء، وتسبب في الثانية ملابسات وتعقيدات تلحق أذى شديدا بالدول العربية، وتقطع رزق مواطنين يكسبون عيشهم بعرق جبينهم، ليسوا طرفا في أي صراع أو نزاع من صراعات ونزاعات العرب الكثيرة. وقديما قيل : قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق!

لماذا برزت دبلوماسية الشاحنات في الأشهر الأخيرة، أثناء وبعد الأزمات التي عرفتها العلاقات السورية اللبنانية والسورية العراقية؟ لماذا كانت الحركة سلسلة على حدود هذه الدول الثلاث، ثم توقفت فجأة، لأسباب تتصل بالأمن تارة، وبضيق مسالك العبور تارة أخرى، كما قال المسؤولون السوريون، الذين منعوا الشاحنات القادمة من لبنان من اجتياز حدودهم وعبور بلدهم في طريقها إلى الأردن ودول الخليج، مع أن بينها نسبة كبيرة من الشاحنات السورية، العائدة فارغة من لبنان إلى بلادها؟ ولماذا يزعم العراقيون أن الشاحنات القادمة من سوريا تهدد أمنهم، لذلك يجب أن تبقى خارج حدودهم؟ هل صحيح أن الشاحنات القادمة من لبنان تمثل خطرا على أمن سوريا الوطني، والشاحنات الآتية من سوريا تقوض أمن العراق؟ إذا كان هذا صحيحا، هل تتم معالجته بين سلطات البلدان الثلاثة أم بين السلطة السورية وسائقي الشاحنات القادمة من لبنان، والسلطة العراقية وسائقي الشاحنات الآتية من سوريا؟ ثم أين هي الأدلة، التي تثبت العثور على شاحنات محملة بمواد متفجرة؟ ولماذا لا يسمح بعبور الشاحنات على أن ترافقها “شرطة عبور” ترانزيت إلى أن تغادر أراضي بلدها؟ أخيرا، كيف تمكّن العدو “الإسرائيلي” من ضبط حركة الشاحنات العربية القادمة من البلدان العربية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع أن احتمال قيامها بنقل مواد متفجرة وأسلحة أكبر من احتمال نقل مواد متفجرة وأسلحة في الشاحنات العابرة للحدود العربية؟. أليس أمرا مخجلا أن يفرض العرب حصارا بريا بعضهم ضد بعض بحجة الأمن، بينما يسمح العدو بمرور شاحنات قادمة من بلدان معادية، يفرض تدابير تفتيشية كيدية وصارمة عليها، لكنها لم تمنع إلا نادرا ولفترة محدودة جدا من دخول الأراضي المحتلة، رغم أن بعض الشاحنات حملت بالفعل أسلحة ومتفجرات إلى المقاتلين ضد الاحتلال؟

لماذا ظهرت دبلوماسية الشاحنات في هذه الفترة من حياة العرب؟ يستحق هذا السؤال اهتماما خاصا، بالنظر إلى أن أزمة الشاحنات ليست غير مظهر من مظاهر أزمة عميقة يجسدها انفراط عقد الحياة العربية، ودخول العلاقات بين دولنا في طور يزداد تعقيدا يحفل بالتناقض والعداء، وجر المواطن العربي البسيط إلى دائرة صراعات عبثية ليس طرفا فيها ولا يريد لها أن تستمر، يؤكد فرضها عليه إفلاس الطرق السائدة في تدبير الشأن العربي، وخاصة بين الدول المعنية، مع أن قادتها ظلوا يتغنون إلى البارحة بروابط الأخوة الأبدية، التي تجمعها، وزعموا دوما أن مصالحها واحدة، وأن فيها شعبا واحدا فرض عليه الاستعمار والصهيونية واقعا شاذا هو العيش في دول مختلفة، وتعهدوا أن يقوموا بكل ما من شأنه تطبيع علاقاتها وإقامة أفضل الصلات بينها، ثم لم يجدوا طريقة تترجم نواياهم الطيبة غير احتجاز أبنائها على الحدود، وإنزال ضرر فادح بهم، وإجبارهم على الكفر بالأخوّة التي تعذبهم وتنكل بهم، دون ما ذنب جنوه.

بالأمس القريب، كان تهافت العلاقات الرسمية يضر بالدول، وهو يضر اليوم بكل فرد عربي، لأنه يقيم حواجز يصعب تخطيها بين الدول والشعوب، التي تجد نفسها في قبضة ظلم يلغي عمقها العربي، ويحولها إلى شعوب محاصرة في بلدانها، التي تتحول إلى سجن حقيقي تعجز عن الخروج منه بينما يصير البقاء فيه عقوبة لها.

ليست دبلوماسية الشاحنات غير تعبير محزن ومخز عن بؤس العرب، في زمن سقوط يتربص بهم، تتجلى واحدة من تعبيراته المؤلمة في أن بعض النظم لا تجد من تصب بلاءها عليه غير المواطن العربي، الذي قد تسوقه أقداره السيئة إلى حدودها، حيث يتعرض لعذاب شديد، وتفرض عليه أنماطاً متنوعة من المهانة، بحجة الأمن الوطني مرة، وضيق المسالك مرة أخرى، كأن كرامة المواطن وأمنه ليسا من أمن وطنه العربي، أو كأن أمن وطنه يتطلب انتهاك كرامته وأمنه، بما في ذلك على الحدود مع البلدان المجاورة، المسماة “شقيقة”.

ماذا يمكن أن تكون دبلوماسية الشاحنات غير دبلوماسية عداء أعمى، لا يستبعد أبدا أن ينقلب إلى دبلوماسية قنابل، لا يستبعد أبدا أن تجد من الآن فصاعدا شاحنات كثيرة في خدمتها!