الإثنين: 22 . 08 . 2005

الإرهاب هو فعل العنف المادي الذي يتسبب في إيقاع أفدح الأضرار والكوارث التي تجاوز ـ في مداها التدميري ـ الفرد الي الجماعة‏,‏ والأمة الي الأمم ويتجسد هذا الفعل بواسطة فاعلين يتحولون الي قنابل عنف موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة نتيجة المحفز الذي يتفجر في وعي الفاعل فيستجيب إليه‏,‏ آليا‏,‏ دون تردد أو خوف‏,‏ وذلك علي نحو يغدو معه فاعل الإرهاب ومرتكبه أداة صماء تسيرها قوة خارجية نحو هدفها‏,‏ واستجابة آلية الي حافز دافعي‏,‏ هو تعاليم وأوامر ونواه يمتلئ بها وعي الإرهابي فلا يري الا من منظورها‏,‏ ولا يتحرك الا في مدارها المغلق كأنه روبوت مبرمج علي تأدية وظائف تدميرية‏,‏ محددة سلفا‏,‏ ومقررة ابتداء في البرنامج الذي يحرك الروبوت‏,‏ أو يفجر ـ في الوقت المناسب ـ قنبلة العنف الموقوتة داخل الإرهابي الذي يرتكب جرائمه الوحشية‏.‏

وأسوأ أنواع الإرهاب وأكثرها بشاعة هو الإرهاب الذي يعتمد علي تأويلات منحرفة للدين‏,‏ وذلك لأنه يقوم‏,‏ ابتداء علي تقسيم البشر الي فئتين‏:‏ أكثرية كافرة ضالة ومضلة‏,‏ وأقلية مؤمنة‏,‏ ناجية ومهدية‏,‏ ومهمة الأقلية الناجية هي اعادة الأكثرية من أبناء الجاهلية المعاصرة الي حظيرة الإيمان‏,‏ خصوصا بعد ان استبدلوا الضلالة بالهدي‏,‏ والطاعة بالمعصية‏,‏ والحاكمية لله بحكم الطواغيت المستبدين من الحكام الذين ينشرون الفساد والكفر حولهم‏,‏

فما نجوا من الكفر الذي يوجب اقامة الحد عليهم‏,‏ وإلحاق الضرر بهم‏,‏ واستئصال مايمكن منهم‏,‏ عقابا لهم علي جرمهم‏,‏ وترويعا لغيرهم علي طاعتهم وتأكيدا لحضور الفئة الناجية من المجاهدين الذين يسعون الي تدمير الدولة المدنية واقامة دولة دينية علي أنقاضها‏,‏ ابتداؤهم في ذلك اقامة تطابق تخييلي بين أفكار هذه الفئة والدين‏,‏ جاعلين من عقائدها الدين الذي يتقلص شموله في أفكار جزئية تتعصب لها هذه الفئة‏,‏ فيتجمد الدين في مدارها المغلق‏,‏ ويوازي ذلك نوع من اليقين المطلق بأن فئة الهداية علي الحق‏,‏ وغيرها علي الباطل‏,‏ وأن مخالفتها مخالفة للدين الذي أصبح إياها‏,‏ والشرع الذي أصبحت تنوب عنه‏,‏ أقصد الي تلك الانابة التي تعلن الحاكمية لله‏,‏ ولكن بواسطة المحتكرين لدينه‏,‏ المخرجين غيرهم والمخالفين لهم من هذا الدين السمح الذي لايعرف التعصب أو التطرف‏,‏ ويدعو الي التنوع والمجادلة بالتالي هي أحسن وليس الفرض بما هو أقمع‏.‏

وسواء كنا نتحدث عن اليقين المطلق الذي تنطوي عليه هذه الفئة التي ترمي غيرها بالكفر‏,‏ أو عن البرنامج الذي تتبرمج به عقول ابنائها‏,‏ فنحن نتحدث عن ثقافة إرهاب يتشكل منها وبها وعي الإرهابي بواسطة أجهزة ايديولوجية نوعية‏,‏ تتمثل في أفراد أو جماعات علنية أو سرية‏,‏ أو حتي مؤسسات‏,‏ ترفدها فتاوي وأحكام لكتابات تنتسب الي أضعف عصور الإسلام‏,‏ وأسوأ أزمنة انحدار الحضارة العربية‏,‏ وتوازيها خطب ومواعظ ودروس ملقاة في تجمعات‏:‏ بيوت ونواد‏,‏ وجمعيات أهلية معبأة في شرائط كاسيت‏,‏ متاحة بأرخص الأثمان‏,‏ مثيرة لعواطف السذج الذين يقبلون علي اقتنائها وتبادلها‏,‏ تقليدا واتباعا‏,‏ أو حرصا علي اكتساب صفات معنوية مقبولة أو مستحسنة‏,‏ في مدي الاشعاع الثقافي لهذه الأجهزة النوعية‏,‏ وهي الأجهزة التي تشيع فكر الإرهاب وتؤسس الوعي به مقرونا بالإيمان الأعمي بثقافته‏.‏

وتتجسد أهم ملامح هذه الثقافة في عدد من المبادئ الحاسمة والجازمة واليقينية من وجهة نظر المتمسكين بها‏,‏ وبالاضافة الي ماسبق هناك ـ أولا ـ ذهنية الطاعة المطلقة للأعلي أمير الجماعة أو القائدالذي تجب طاعته‏,‏ ولاتجوز مناقشته‏,‏ وهناك ـ ثانيا ـ العداء للاختلاف والعمل علي استئصاله وهناك ـ ثالثا ـ التطرف الذي هو الوجه الآخر من التعصب الذي ينغلق معه الفكر ويتحجر العقل ـ ورابعا ـ الإجماع الذي لايسمح بالتعدد أو التنوع في الفكر أو الرأي أو التأويل‏,‏ أو حتي الفهم المغاير للنصوص الدينية‏,‏ وخامسا‏:‏ الاتباع المطلق للتعاليم والأوامر والنواهي التي تهبط دائما‏,‏ من الأعلي الي الأدني وسادسا‏:‏ الاندفاع الي فعل العنف دون تردد استجابة آلية الي المحفز الخارجي‏,‏ حتي لو أدي التنفيذ الي التضحية بالنفس فالجنة مأوي المجاهدين الذين يسقطون في الحرب المعلنة علي الكافرين من أبناء الجاهلية المعاصرة ولابد من الانتصار في هذه الحرب حتي لو كان الضحايا من الأطفال الأبرياء الذين وجدوا من بعض أمراء الإرهاب من أفتي بقتلهم بدعوي أن ابناء الكفار كفار مثل ذويهم الذين ينشئونهم علي الكفر‏.‏

هذه المبادئ هي أهم ملامح ثقافة الإرهاب التي تحل في العقول الساذجة بالتكفين‏,‏ أو غيره من وسائل التحسين والتقبيح‏,‏ أو الترغيب والترهيب‏,‏ فتمتلئ العقول بهذه الثقافة التي تزيدها جمودا وتخلفا خصوصا حين لاتجد في أدمغة ضحاياها مايقاومها أو يناقضها من علم منهجي أو معرفة عقلانية أو وعي نقدي‏,‏ والنتيجة امتلاء رءوس الضحايا الفارغة بما يحول بينها وتقبل غير هذه الثقافة‏,‏ وفي الوقت نفسه جعلها معادية لأي ثقافة مختلفة فثقافة الإرهاب حين تتمكن وتنفرد تغدو هي الحقيقة الوحيدة التي لاشك فيها‏,‏ ولايقين إلا منها وبها‏,‏ والتعصب لمحتواها وعيا وفكرا والتطرف في ممارستها فعلا وأداء‏.‏

وللأسف فقد حققت ثقافة الإرهاب شيوعا كارثيا وانتشرت أفعالها الوحشية انتشار النار في الهشيم‏,‏ منتقلة من الأقطار الإسلامية الي غيرها بما أساء أبلغ الإساءة الي صورة الإسلام والمسلمين في العالم كله‏,‏ وأكد ـ في الوقت نفسه ـ عجز هذه الأقطار عن تجفيف منابع الإرهاب في ثقافاتها‏,‏ ومن ثم عجزها عن مواجهة ثقافة الإرهاب بثقافة نقيضة تشيعها أجهزة الدولة ـ أو قوي المجتمع المدني ـ بما يجعلها تتغلغل في النفوس‏,‏ وتتحول الي مضادات وقائية تقاوم ثقافة الإرهاب في أدمغة الشباب والأميين الذين يتزايد عددهم ولا يتناقص‏,‏ فتحول بين مبادئ الإرهاب والعقول التي لابد من تغذيتها بالفكر المستنير وتقوية جهازها المناعي بتنمية الوعي النقدي والتفكير العقلاني‏,‏ ولأن ذلك لم يحدث علي نحو جذري الي اليوم‏,‏ فلاتزال ثقافة الإرهاب قائمة‏,‏ مستقوية بغلبة الأمية‏,‏ وسيطرة العقلية التقليدية المحافظة وهي العقلية الغالبة علي ثقافة أو ثقافات الأقطار العربية والإسلامية ولولا ذلك ما حققت ثقافة الإرهاب ماحققته من كوارث وما حفزت علي فعله من مآس علي امتداد الكوكب الأرضي‏.‏

وأعتقد أن مايدعم الثقافة التقليدية المحافظة السائدة مع الأمية التي تلازمها بكل أنواعها يدعم ثقافة الإرهاب بالضرورة‏,‏ فهذه من تلك في وحدة الأسباب والنتائج‏,‏ أو في المتصل الثقافي الذي يبدأ بتعصب العقول‏,‏ وجمودها علي ما هي عليه‏,‏ وينتهي بالتطرف الذي سرعان ماينقلب من عنف الممارسة الفكرية‏,‏ أو اللغوية الي عنف الممارسة المادية القمعية التي تنبني علي ثقافة الإرهاب وتتأصل بها‏,‏ وتتجاوب معها تجاوب الحافز والفعل المترتب عليه‏.‏

ولذلك فإن مايدعم احدي الثقافتين يدعم الثانية بالحتم‏,‏ ومهما تبرأت الثقافة التقليدية السائدة من صفات الإرهاب فإنها تظل المنبع الرئيسي لحضوره غير المباشر علي الأقل سواء في نزوعها المعادي للفكر العقلاني في اختلافه والتجدد الانساني في ابتكاراته وابداعاته‏,‏ أو كرهها الفطري والغريزي لمتغيرات العصر التي تطرحها في حمأة بدع الضلالة المفضية الي النار‏,‏ ولذلك تظل هذه الثقافة التقليدية أشبه بالبئر الذي أسنت مياها‏,‏ لكنها لاتتوقف عن تزويد بذور ثقافة الإرهاب بما يمنحها قوة الحضور القمعي وطاقة الفعل التدميري‏,‏ والا فمن اين تستمد ثقافة الإرهاب ما يبقيها حية‏,‏ متحدية‏,‏ مؤكدة ان منابعها الدافقة موجودة في الثقافة السائدة للأقطار التي غدت ـ بمعني من المعاني ـ منتجة للإرهاب وضحية له وتلك هي المفارقة المأساوية التي ستظل تتحدي حضورنا ووجودنا وأحلامنا‏,‏ وسوف تظل كذلك ما ظل الوعي الثقافي معتمدا علي التلقين والتقليد والطاعة‏,‏ معاديا للعقل الذي يضع كل شئ موضع المساءلة‏,‏

وقس علي ذلك مايتغلغل في الخطاب الديني السائد من بؤر جامدة‏,‏ ترفض الاختلاف والمغايرة في الاجتهاد الفكري والابداعي‏,‏ وقس علي ذلك ـ أخيرا القيم الاجتماعية التي تقوم علي تمييز تراتبي لايتردد في استخدام العنف المعنوي أو المادي للإبقاء علي قواعده الجامدة‏,‏ وذلك لتأكيد افضلية الأكبر سنا علي الأصغر سنا في كل الأحوال والرجل علي المرأة في كل المجالات‏,‏ وذلك جنبا الي جنب إيثار الماضي علي اطلاقه‏,‏ والاسترابة بالجديد الذي يهدد الثابت والساكن من أنساق القيم في المجتمع البطريركي الذي يقوي بالتراتب القسري وينقله الي غيره من المجالات السياسية وغير السياسية‏,‏ مؤكدا في كل مجال ان العلاقة بين ثقافة الإرهاب والثقافة التقليدية المحافظة السائدة هي علاقة النتيجة بسببها‏,‏ والشجرة بالبذرة التي كانت الأصل في وجودها‏.‏