وأبو دريد اسم ممنوع درامياً!

حكم البابا



يخيل لبعض مشاهدي المسلسلات التلفزيونية السورية التي تملأ الفضائيات العربية أن كتابها هم أهم عناصرها، باعتبارهم مبتكري قصصها ومبدعي شخصياتها ومسيري أحداثها، ويظن آخرون أن مخرجيها هم أسيادها الحقيقيون فبفضلهم تري شخصيات الكتاب وقصصهم الشاشة، ويجسدها ممثلون غالباً ما ينادون المخرج في حضوره بالأستاذ، وينعتونه في غيابه باسم أشهر محل شعبي لبيع الفول في حي السيدة زينب في القاهرة، فيما يعتقد آخرون أن النجوم يسيطرون علي هذه المسلسلات ويفرضون شروطهم ويأمرون وينهون، ويظن نوع رابع من المشاهدين بأن شركات الانتاج هي مالكة القرار وصاحبة الكلمة الأولي والأخيرة لأنها مصدر التمويل، لكن هذه الأنواع الأربعة من المشاهدين تغفل العنصر الأهم الذي يفكر فيه الكاتب وهو يرسم سيناريو حدثه أو يضع الحوار علي لسان شخصياته، ويحسب له المخرج ألف حساب في كل لقطة يصورها، وفي كل (تيك) يعتمده، ويتخيله النجم جالساً يشاهده فيتأدب في أدائه، وتستمر شركة الانتاج في تذكير الكاتب والمخرج والنجم به طوال فترة انجاز المسلسل، والذي يسمي وظيفياً الرقيب في التلفزيون السوري!

ففي بلد مثل سورية تعتبر فيه الرقابة المهنة الثانية لأغلب سكانه، ويشك فيه الرجل بزوجته، والزوجة بجارتها، والجارة بابنها، والابن بأستاذه، والأستاذ بمديره، والمدير بسائقه، والسائق بمكسيانه، والمكنسيان بصانعه، ويعتبر كل هؤلاء الموبايل الذي يحملونه جهازاً للتنصت عليهم أكثر مما هو وسيلة من وسائل الاتصال، ويخطر لهم التفكير ـ علي الأقل بينهم وبين أنفسهم ـ بأن التصوير الشعاعي والايكو والطبقي المحوري تنتمي إلي الفعل الرقابي أكثر من كونها وسائل طبية لكشف الأمراض، لايمكن أن تترك الدراما التلفزيونية تأخذ راحتها بالعرض علي كل الشاشات العربية بدون أن تمر عبر فلترين من الرقابة، أولهما لجنة تقرأ النص المكتوب لتعطي الموافقة علي تصويره، وثانيهما لجنة تشاهد العمل المصور لتصدر الموافقة علي عرضه وتوزيعه، ومقياسهما الرقابي المعلن هو عدم تشويه صورة سورية في الخارج تلفزيونياً، وهاتان اللجنتان لاتعنيهما الصورة الغبية للسوريين التي تقدمها عنهم برامج شاشتهم السورية، ولاتهتمان بالصورة المرعبة التي تركبها لسورية وجوه مذيعي ومذيعات تلفزيونهم الوطني، وكل مايشغلهما هو ألاّ يمر حرف في النص، أو تخطف الكاميرا لقطة في المسلسل من شأنهما أن يفسرا علي أنهما تشويه لصورة سورية علي الشاشات العربية.


وتحت هذا الشعار العريض طلب مني الرقيب في تقريره عن نص مسلسلي (عائلتي وأنا) أن استبدل اسم شخصية هامشية تدعي أبو دريد بأي اسم آخر، وعندما استوضحت عن السبب أخبرني بأن أحداً ما قد يستاء من الاسم كون النائب السابق لرئيس الجمهورية رفعت الأسد يكني به، وعندما أخبرته بأن اسم دريد ليس حكراً علي اسم نجل النائب السابق لرئيس الجمهورية، فهناك أشخاص يحملون الاسم أكثر شهرة منه، من دريد بن الصمة إلي دريد لحام، أصر علي استبدال الاسم، فنفذ مخرج المسلسل طلب رقيب رفضت منطقه، وتحت هذا الشعار أيضاً ارتبكت لجان الرقابة في الموافقة علي عرض مسلسل الكاتب المصري أسامة أنور عكاشة (الشهد والدموع) علي الشاشة السورية، لأن بطله يحمل اسم حافظ، وتحت هذا الشعار أيضاً لم تعط الموافقة علي تصوير مسلسل (ذي قار) رغم إشادة تقارير الرقابة بنصه الجميل، الذي يصور احدي أهم المعارك المفصلية في تاريخ العرب، بذريعة أن المسلسل قد يسيء للعلاقات الحميمة مع الجمهورية الايرانية، ولذلك فالسماح بالموافقة علي تصوير المسلسل تحتاج لقرار سياسي حسب ماجاء في تقارير الرقابة، ورغم أن منتجه الأردني وسّط أكثر من شخص كنت أحدهم، إلاّ أن الجواب علي محاولاتنا العديدة في شرح أن معركة ذي قار جرت بين العرب والفرس قبل الاسلام، وأن ايران الاسلامية غير فارس المجوسية، إلاّ أن رقابة النصوص في التلفزيون السورية كانت مصرة علي قرار سياسي لا يسمح بتصوير المسلسل، إلي أن اقترح علي مدير الانتاج التلفزيوني الأستاذ الياس ابراهيم حينها الحصول علي موافقة السفارة الايرانية كحل للحصول علي سماح التلفزيون السوري بتصوير المسلسل، ونزولاً عند إلحاح منتجه قابلت وقتها المستشار الثقافي والسكرتير الأول للسفارة الايرانية، اللذين طلبا نسخة عن النص لترجمتها إلي الفارسية وقراءتها قبل الموافقة، ولولا تدخل معاون وزير الاعلام السوري حينذاك الأستاذ فؤاد بلاط لايقاف هذه المهزلة الرقابية ومنحه سماحاً بتصويره، لكان نص (ذي قار) حتي اليوم يتجول في هيئات الرقابة بين دمشق وطهران وقم!

قبل أن أعرف شخصياً عدداً من عناصر لجان الرقابة في التلفزيون السوري، كنت أسأل نفسي عندما تقع بين يدي أحياناً تقاريرهم عن النصوص والأعمال التي يراقبونها، من أي كوكب يأتي التلفزيون بعناصر رقابته، ولكنني بعدما تعرفت إلي بعضهم فهمت أنهم يختارون من نوعين من السوريين، الأول هو الذي يقف باستعداد عند ظهور نشرة الأخبار في التلفزيون السوري ليشاهدها واقفاً، ويضع أمام اسم أصغر مسؤول في سورية ربع صفحة من ألقاب الاحترام والسيادة والتبجيل قبل أن يلفظه، ويكتب تقريراً بزوجته فيما لو اشتكت من فقدان مادة غذائية من الأسواق، أما النوع الثاني من السوريين الذين يتم اختيار عناصر لجان الرقابة من وسطه، فهم الذين لو صرخت أمامهم بصوت عال: بَهْ! لنزلوا تحت الكراسي والطاولات، ولو سمعوا بأن الكوريتين الشمالية والجنوبية تتحاربان لبدؤوا بشراء المؤن، ولو شاهدوا في نشرة التلفزيون الجوية بأن السماء ستمطر فسيحملون المظلات حتي لو كانت الشمس ساطعة، ومن مزيج هذين العنصرين تتشكل لجان الرقابة في التلفزيون السوري، التي تتحكم بالثقافة والفن والدراما السورية التي تعرضها اليوم أغلب المحطات التلفزيونية الأرضية والفضائية العربية!

مذيعون ومذيعات

علي الفضائية السورية يعتمد المذيع علاء الدين الأيوبي علي مدرسة في الأداء التمثيلي يتماهي من خلالها مع موضوع البرنامج الذي يقدمه، ففي برنامج الشرطة في خدمة الشعب يأخذ دور المحقق في استنطاقه للمجرمين الذين يظهرون في برنامجه ليعترفوا ويندموا أمامه علي جرائمهم، ويصل تماهي الأيوبي بدور المحقق إلي حد يجعل المجرمين ينهون كل جواب علي أسئلته بكلمة سيدي، وفي التغطية الروحانية لفترة الافطار الرمضانية يتماهي مع موضوعه إلي الحد الذي تظنه أحد مريدي الطريقة الصوفية النقشبندية المولوية وقد وصل إلي قمة النشوة وهو يلف حول نفسه، وفي تقديمه للحفلات الفنية يتظارف ويتغنج ويتدلل إلي حد يجعل مشاهده يعتقد بأنه يعمل خارج أوقات الدوام الرسمي حاملاً لحقائب الفنانات اللواتي يقدمن فقرات في النوادي الليلية، لكن ماينقص علاء الدين الأيوبي هو الايمان بما يقدمه وليس مجرد أدائه فقط، حتي لايتجاوز الشعرة الفاصلة بين الوقار الجدي والمبالغة الكاريكاتورية، والتي يتجاوزها دائماً فيبدو أداؤه مثيراً للضحك!!
مشكلة المذيع طالب كنعان في قناة العربية أنه يحاول أن يذكر مشاهده في كل لحظة يظهر فيها علي الشاشة بسوء حظه الذي رمي به ليكون مذيعاً في قناة عربية، في حين أن مكانه الطبيعي كان في الأدوار التي قدمها آلان ديلون وليوناردو دي كابريو وبراد بت!!

المذيعة زينة فياض في قناة anb تحب أن تظهر بدور كوفي عنان في حواراتها مع ضيوفها، وتقلد دوره فعلاً لكن في الجانب الذي يظهر كوفي عنان مجرد ديكور بدون فاعلية!
علي قناة الجزيرة معرفة الرائحة التي يشمها مذيعها جمال ريان قبل دخوله الاستديو لقراءة نشرة الأخبار، والتي يبدو أنها تبقي في أنفه مما يجعله يقرأ أخباره بالطريقة التي يقرأها بها حالياً!
مذيعو ومذيعات قناة المنار اختلفوا في طريقة أدائهم بعد العدوان الاسرائيلي علي لبنان، عن أدائهم السابق قبله، ولشدة حماستهم أصبحوا يقدمون نشرات الأخبار والبرامج معتمدين علي الارشادات التي تستخدم لإطلاق صواريخ الكاتيوشا، بدلاً من الطرق المعروفة في التعامل مع الكاميرا التلفزيونية!
كاتب من سورية