الجمعة: 2006.11.24

يوجين روبنسون


يا له من أمر عجيب! هنري كسينجر ذاته يقول إن النصر العسكري في العراق مستحيل! إذن يجب ألا نعجب إذا ما سمعنا أن جورج دبليو بوش أصبح لا يجد من يوافقه على رأيه بشأن العراق، سوى زوجته لورا وكلبه quot;بارنيquot;.

ولكن لماذا يقول كسينجر، المرجع الوثيق الذي يزور البيت الأبيض بين وقت وآخر ليهمس في إذن الرئيس ناصحاً إياه بأن يكون خشناً وصارماً إلى أقصى حد... لماذا يقول هذا الكلام الآن وهو الذي كتب في أغسطس 2005 قائلاً إن quot;الانتصار على التمرد هو استراتيجية الخروج الوحيدة ذات المعنى من العراقquot;؟.. لماذا يصف الآن الشرط الذي وضعه بوش للانسحاب، وهو وجود حكومة مستقرة وقوية، بأنه غير قابل للتحقيق من الناحية العملية؟
ليس كسينجر وحده هو من تراجع عن موقفه؛ فنحن نجد أيضاً أن أساطين quot;المحافظين الجددquot; يجعلون من أنفسهم quot;أضحوكةquot;، وهم يحاولون الهروب من السفينة الغارقة بأسلوب أقل ما يقال عنه إنه يفتقر إلى الاحترام، وذلك عندما يجمعون كلهم على أن مشروع غزو العراق كان مشروعاً نبيلاً في ذاته، ولكن البيت الأبيض وquot;البنتاجونquot; هما من أفسد كل شيء. والحقيقة أن هذا النمط من الهروب وتبادل التهم، يقدم لنا عرضاً مُسلياً، لكنه يخلو من أي قيمة، وإنما الذي يتضمنها هو التفويض الصريح الذي أسفرت عنه انتخابات التجديد النصفي الأخيرة، والتي قالت: ابحثوا عن طريقة للخروج.
السيناتور quot;جون ماكينquot;، قدم اقتراحاً قائماً على حجة أقل ما يقال عنها إنها تتناقض مع المنطق السليم، حين قال إن أفضل طريقة للخروج من العراق، هي إرسال مزيد من القوات إلى هناك. فهذا الاقتراح ينم عن انفصال تام عن حقائق الواقع. أقول هذا لأن السيناتور لا يعرف، على ما يبدو، أن القوات الإضافية التي يريد إرسالها، غير موجودة في الأساس: فقواتنا موزعة الآن على امتداد خطوط طويلة في مختلف أنحاء العالم، بدرجة تفوق قدرتها على الانتشار، كما أن quot;ماكينquot; لم يقل لنا كيف يمكن لتلك القوات أن تقوم بتحقيق ذلك الاستقرار.
في أي حرب طائفية فإن أخطر مكان يمكن أن تقف فيه قوة ما هو الوسط... فهل تريد الولايات المتحدة أن تقف في الوسط، أم أنها تريد الانحياز لهذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع وتترك العنان لـquot;فرق الموتquot; كي تقوم بعملها الشنيع.
في الجانب المعاكس لجون ماكين، نجد النائب quot;جون ميرثاquot; الذي يقول إننا يجب أن نعمل على تقليل خسائرنا المادية والبشرية، وأن نبدأ الانسحاب. لم يحاول الرجل أن يتظاهر بأننا سنترك وراءنا عراقاً آمناً وقادراً على البقاء والاستمرار، لأن الحقيقة هي غير ذلك.
إن الموقف الذي يتبناه غالبية الساسة في واشنطن حالياً هو quot;الانسحاب المرحليquot; من العراق، دون أن نعلن متى ستبدأ كل مرحلة من مراحل الانسحاب، ودون أن نشرك الدول المجاورة للعراق!
قد تخرج مجموعة quot;بيكر- هاميلتونquot; بسيناريو قريب من هذا أو يختلف عنه قليلاً، لكن يجب علينا أن نكون أمناء وأن نعترف بأن الانسحاب المرحلي يعني ببساطة أننا سنقول للعراقيين وداعاً وحظاً سعيداً، لأن همنا في المقام الأول سيكون إنقاذ ماء وجهنا.
وفي الوقت الذي يصمُّ فيه quot;صاحب القرارquot; أذنيه، ويعيد صياغة ما سيقوله، فإن السؤال يتغير من: هل يجب أن نخرج من العراق؟.. إلى: كيف نخرج من هناك... ومتى؟
إذا ما بدأت قواتنا الانسحاب من العراق غداً، فإن العراق سيعاني من دورة فظيعة من العنف الدموي، ولكننا حتى إذا انتظرنا سنة أخرى، فإنه لا شيء من ذلك سيتغير. بل ربما يحدث العكس تماماً، فكلما طال بقاؤنا كلما أصبح العراق أكثر فوضى، وكلما مات مزيد من الشباب الأميركي في حرب لم يعد لها هدف يمكن تحقيقه أو الوصول إليه.