الخميس 30 نوفمبر 2006


توماس فريدمان

إليكم لب الحقيقة عن العراق: فلشد ما انهار هذا البلد إلى درجة أنه لم يعد قادراً حتى على خوض حرب أهلية بالمعنى الذي نعرفه عن الحرب الأهلية. ونتيجة لهذا الواقع فقد أضحت أية تصورات لكيفية تسوية النزاع، مثيرة للضحك. وبالمقارنة، فقد كان ممكناً تسوية الحرب الأهلية البوسنية، عن طريق تحويل ذلك البلد إلى فيدرالية رخوة، نتيجة للتماسك النسبي الذي اتسمت به الأطراف الرئيسية في النزاع، ثم لوجود قادة كان في مقدروهم إبرام الصفقات وتنفيذها. وعلى نقيض ذلك تماماً، فقد تحول العراق اليوم إلى دولة ممزقة مفتتة، يتقاسمها لوردات الحرب والإرهابيون الأجانب، والعصابات والمليشيات والأحزاب السياسية، وقوات الشرطة والجيش، إلى حد لم يعد فيه ممكناً لأحد، الالتزام بأي شيء. والصحيح أن العراق قد مضى إلى ما هو أبعد من الحرب الأهلية، لكونه انتقل عملياً من مرحلة التفتت والتشرذم، إلى مرحلة الانهيار التام. ولذلك فهو لم يعد quot;يوغسلافيا العربquot; بأي حال من الأحوال.

أخذاً بهذه الحقيقة، فإن علينا مواجهة خياراتنا الفعلية هناك، وهي خيارات تتراوح ما بين 10 أشهر و10 سنوات. فإما أن نبدأ بانسحاب تدريجي مداه عشرة أشهر، مع محاولة إعادة استقراره بطريقة ما، أو أن نقبل بحقيقة أن السبيل الوحيد لمنع تحوله إلى دولة فاشلة، هو البدء بإعادة بنائه من الصفر خلال 10 سنوات من الآن. وسوف يتطلب هذا إعادة غزونا له، بقوة عسكرية إضافية قوامها 150 ألف جندي على أقل تقدير، بحيث تكون قادرة على سحق المتمردين السُّنة والشيعة، والسيطرة على الحدود، وبناء المؤسسات العراقية، وثقافته السياسية من جديد.

وأياً ما كان من يعتقد أن في وسعنا تدريب عدد قليل من قوات الجيش والشرطة العراقية، ثم الانسحاب من هناك خلال عامين أو ثلاثة أعوام، فلابد أنه أن يكون كاذباً أو معتوها. ذلك أن العراق سينهار تماماً في اللحظة التي نغادره فيها. وخلال ما تبقى من العامين الأخيرين من ولاية بوش الحالية، فإنه لا شيء يمكن فعله، بما يؤدي إلى عراق قادر على حفظ استقراره ذاتياً، مع العلم أن هذا هو معيار نجاحنا هناك.

في كتابه الجديد quot;الحقيقة الليبرالية الجوهريةquot; عن تأثير الثقافة على التنمية الاقتصادية، لاحظ المؤلف quot;لورانس هاريسونquot;، أن بعض الثقافات تظل عرضة للتقدم، بينما يتمسك بعضها بمقاومته للتقدم. وعليه، فإن القوى الثقافية المقاومة للتقدم في العالم العربي الراهن، لهي على درجة كبيرة من القوة فيما يبدو، لاسيما في العراق. وهذا هو السبب وراء صعوبة بناء مؤسسات ديمقراطية مستديمة فيه، على حد قول المؤلف الذي مضى للقول: ربما يحاول البعض استدعاء نجاح تجاربنا السابقة في فرض الديمقراطية في كل من ألمانيا الغربية واليابان، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. غير أن شعبي هذين البلدين اللذين فرض عليهما النظام الديمقراطي، كانا على قدر كبير من التعلم، إضافة إلى كونهما عضوين فاعلين في نظام اجتماعي موحد ومؤسسي، له تقاليده وقيمه الترابطية العريقة، على النحو الذي نشير إليه في لغة اليوم بعبارة quot;رأس المال الاجتماعيquot;. أما في العراق، فإن هذا الرأسمال الاجتماعي، لهو من البؤس والفقر والهزال، بحيث يتعذر البدء به، خاصة وأنه أصبح على شفا الإفلاس الآن.

وفي الثاني عشر من فبراير 2003، أي قبيل شن الحرب بقليل، كنتُ قد كتبت مقالاً تحدثت فيه عما أسميته بـquot;مستودع الخزف: القاعدة العراقيةquot;، وقد نصت تلك القاعدة على أنه quot;إذا ما كسرته فهو لكquot;. ولم يكن ذلك المقال، من قبيل العداء للحرب بحد ذاتها، بقدر ما كان مقالاً تحذيرياً، نبه إلى ضرورة التصدي الجماعي للعراق، لما تنطوي عليه عملية تحويله إلى نظام ديمقراطي، من عبء جد ثقيل. وكان وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول، قد التقط هذا التعبير، وبذل ما بوسعه لإقناع الرئيس بوش بتوخي الحذر، غير أن هذا الأخير، لم يأبه لنصيحة باول حينئذ. على أنني اكتشفت اليوم خطأ نظريتي تلك عن quot;الجرة العراقيةquot; لكون العراق كان حطاماً منذ وقت سابق لغزونا له بكثير. ويعود حطامه هذا، إلى ما يقارب الألف عام من الشمولية العربية- الإسلامية، وإلى ثلاثة عقود وحشية من حكم quot;البعثيينquot; السُّنيين، مضافاً إليها عقد رابع من العقوبات الدولية القاصمة للظهر. ولم تقدر سوى قبضة صدام الحديدية، على لمِّ شمل ذلك البلد. وفيما لو أحسنا احتلالنا له، وبدأنا خطوات علاج سياسي لأمراضه وأدوائه، فربما أفلحت القبضة الحديدية الأميركية في الحفاظ على كيانه قبل وقت بعيد، والمضي به نحو مسار سياسي جديد. لكن وبدلاً من ذلك، فقد خلقنا فراغاً أمنياً خطيراً، بعدم نشرنا ما يكفي من القوات فيه. وسرعان ما بادر quot;البعثيونquot; وأشباه مقاتلي تنظيم quot;القاعدةquot; لملء الفراغ الذي أوجدناه. وقد ولغ هؤلاء في دماء المسلمين الشيعة، وعاثوا فيهم قتلاً وسفكاً، لدرجة لم يعد فيها الشيعة قادرين على تحمل ما يتعرضون له، فشرعوا في رد الصاع صاعين، وهو ما أودى بنا في نهاية الأمر، إلى ما نحن فيه اليوم. وعلى العالم الإسلامي السُّني، أن يخجل من احتماله لكل هذه الوحشية، بل ومساندته التكتيكية لسُنة العراق، مع العلم بأن العنف الذي أشعلوه منذ البداية، لم يكن له من هدف سوى إفشال المشروع الأميركي الرامي لإحداث تقدم سياسي ولغرس الديمقراطية في المنطقة. وكان الشعار الذي رفعه هؤلاء المقاتلون هو: علينا إفشال المشروع الأميركي، بصرف النظر عن عدد العراقيين الذين ستراق دماؤهم في سبيل تحقيق هدفنا. فإما أن نكون قادرين على هزيمة قوى العنف والظلام هذه، أو أن نعود أدراجنا إلى حيث أتينا.