محطة أخيرة
ساطع نور الدين
أبو ظبي ...
كيف يمكن أن يستقيم نقاش حول التغيير في العالم العربي إذا كان مجموع أرقام الميزانيات الوطنية لمختلف الدول العربية غير النفطية لا يصل الى 200 مليار دولار، هو حجم الخسائر التي سجلتها بورصات الاسهم الخيلجية خلال الشهرين الماضيين.
لم يطرح هذا العنوان على المؤتمر السنوي الحادي عشر لمركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، لكنه كان حاضرا في الكواليس، في اسئلة الحضور الآتي من خارج دول الخليج العربية ليدخل في الجدل البيزنطي السائد في مختلف أنحاء العالم العربي حول الاصلاح والتغيير، والذي يبدو أنه صار يعبر عن ترف فكري اكثر مما يعكس حاجة فعلية.
لم تكن المرة الاولى التي تشهد فيها بورصات خليجية عربية مثل هذا الانهيار المريع، فأزمة سوق المناخ في الكويت في الثمانينات ما زالت حيّة في الأذهان.. لكنها المرة الاولى التي تمتد فيها الازمة الى الدول الست الاعضاء في مجلس التعاون الخليجي وتشمل ايضا lt;lt;وافدينgt;gt; من دول عربية اخرى، أغرتهم فكرة الربح السريع وشبه المجاني فوقعوا تحت خسائر مالية لا تعوض بسنوات من العمل الشاق..
تسببت الازمة الحالية بوفيات، وحركت تظاهرات في الشارع، وأثارت مطالب ملحة الى الحكومات للتدخل والحد من الاضرار التي لم يسبق لها مثيل، وأدخلت تعديلات جوهرية على العلاقة بين الدولة الأبوية الخليجية وبين أبنائها، وعلى الروابط الاجتماعية بين هولاء الأبناء، وأيضا على صلتهم بالوافدين العرب والاجانب على حد سواء. كان السؤال ولا يزال: هل ثمة مؤامرة خارجية تتعرض لها دول الخليج العربية تستهدف سرقة بعض ثرواتها الناجمة عن الارتفاع الخيالي غير المحسوب في عائدات النفط، أم ان الامر ناتج فقط عن جشع بعض اصحاب الشركات المحلية او عن خطأ بعض المضاربين في البورصة؟
الارقام مخيفة، وهي تعني نحو نصف مليون مواطن خليجي وآلاف الوافدين العرب. والأزمة لم تنته بعد، وكذا الخسائر، التي يصغر امامها أي عنوان للنقاش حول التغيير في العالم العربي، خصوصا أن احدا لا يستطيع ان ينكر ان ما يجري اليوم في البورصات الخليجية هو احد اهم مظاهر هذا التغيير الذي يمكن ان تنتشر عواقبه في مختلف البلدان العربية التي تعتمد بشكل او بآخر على تلقي المساعدات او الاستثمارت الخليجية.
لن تؤدي الأزمة الى اكثر من إفلاسات خاصة، لكنها تفرض إعادة جدولة النقاش العربي حول الاصلاح والتغيير بحيث يجري الاعتراف بأن المسافة تكبر يوما بعد يوم بين الاقاليم العربية الثلاثة، الخليج والمشرق والمغرب، بحيث يصعب العثور على قواسم مشتركة بين الاولويات والتحديات التي يواجهها المواطن العربي في الرباط والقاهرة وبيروت وبغداد ودبي، برغم الجهد الاستثنائي الذي تبذله مراكز الابحاث، مثل مركز الامارات، للحفاظ على لغة عربية واحدة، وعلى ثقافة عربية موحدة، باتت اشبه بأسطورة من الماضي البعيد.















التعليقات