قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


16 يناير 2007


خيري منصور


ما إن أشرقت شمس الجمعة حتى كانت أكثر من عشرين صحيفة عربية قد سارعت الى المانشيت الذي توقعه الناس وهو استراتيجية الرئيس الأمريكي بوش الموعودة إزاء العراق. وإن كنت في هذه الزاوية قد انجذبت الى الموضوع ذاته، فإن أول مايجب تسجيله هو أن استراتيجيات الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحداثة، تعمد الى أمرين، أولهما تسليط الإضاءة على زاوية من المسرح من أجل مضاعفة التعتيم على زوايا أخرى، وثانيهما ان هذه الاستراتيجيات غالبا ما يجري توظيفها تكتيكياً لما يسمى الميتا استراتيجيات أو ما بعد الاستراتيجية.

والنقاط الثلاث التي تمحورت حولها الاستراتيجية الموعودة فسرت الماء بعد الجهد بالماء، وبقي الدم على حاله، نازفاً في العراق وفلسطين وما من حقن حقيقي لنزيفه المتصاعد.

فإضافة عشرين ألف جندي امريكي الى الثكنات البرية والبرمائية في المنطقة، وبالتحديد في العراق وما حوله مجازفة بوشية جديدة، وهي لا تروق للديمقراطيين الذين بدأت خيوط اللعبة تتسرب نحو أصابعهم.

ولكيلا نبدد ما تبقى لنا قوله في هذه المناسبة على النقطتين الثانية والثالثة، وهما أوضاع العراق الداخلية وأعباء حكومة المالكي وما سوف تتركه من حمولة سياسية باهظة، وكذلك حل الصراع العربي - الصهيوني، لأن هاتين المسألتين قتلتا طرحاً وبحثاً وكانتا على الدوام مسمار جحا المزدوج.

ما لم تأت الاستراتيجية الموعودة الى ذكره هو الأهم وهو النقطة الأولى المحذوفة، أي الاحتلال ذاته، فبدلاً من مراجعته ونقد ذرائعه بعد ان تلاشت الواحدة بعد الأخرى تباعا، يحدث العكس، وهو تعزيز الاحتلال بالمزيد من الجنود. ان أول ما يجب تسجيله على هذه الاستراتيجية التي جاءت لتكحل العينين ثم أصابتهما بالعمى هو أنها ملفقة، ومستحضرة بإنتاج مستعاد من نفايات سابقة، فالنفايات الاستراتيجية لها أحيانا من الخطورة ما يوازي النفايات النووية، لأنها تكرر الأخطاء، وبالتالي تضاعف ما يسمى الأعراض الجانبية، هذه الأعراض هي الموت بالجملة، وتعميق الحدود بين التضاريس الطائفية، وأخيرا هي سطو على المستقبل من خلال تدمير ممكنات الحاضر، وإحراق براعمه.

إن لكل نقطتين تقدمهما الولايات المتحدة نقطة ثالثة غير معلنة، ولكل ثلاث نقاط رابعتها الأشد تعقيدا والتي يجري التستر عليها، ونحن لا نقول ذلك ضمن الهاجس التقليدي الذي يسمي ما يحدث مؤامرة، رغم ان التآمر بأحط مستوياته الفريسية والبرغماتية والسوداء موجود وماثل بوضوح.

لقد تلاعبت الولايات المتحدة بالألفاظ والمصطلحات حتى حولت السياسة الدولية الى لوغرتمات، انصرف عنها الناس وفقدوا الثقة، لأنهم يرون بعكس ما يسمعون.

وقد يكون الترابط بين النقاط الثلاث أو اضلاع مثلث بيرمودا الشرق أوسطي عضويا وغير قابل للفك، لكن ذلك يشترط جدية في التعامل وصدقا في النيات.

فالأرجح هو أن هذه النقاط وما قد يضاف اليها او يحذف منها ما هي الا مجرد عزف بلا أوتار، ما دام المطروح نظريا ولأسباب تحذيرية لا أكثر ولا أقل غير قابل للترجمة ميدانياً، وقد ينسخه ما يعقبه، فمن ظنوا ان كل شيء مباح أمام قوتهم وجبروتهم الأعمى لا يقيمون وزناً لآراء الآخرين بهم، لأنهم كما يتوهمون يملكون كامل الحق في تدوير المربعات وتربيع الدوائر وأخيرا تثليث الاحتلال على هذا النحو الأقْنومي المثير للمزيد من الغثيان.