مسعود ضاهر
دلت إحصائيات العام 2007 على وجود 70 مليون أمي في العالم العربي، أغلبيتهم من النساء. هذا بالإضافة إلى وجود ملايين الأطفال ممن هم في سن الدراسة خارج المدارس، وتسرب ملايين إضافية قبل بلوغ نهاية مرحلة التعليم الأساسي. وأشارت بعض التقارير كذلك إلى أن التعليم في أغلبية الدول العربية، بكافة مراحله، يتصف بتردي النوعية، وافتقار الطلبة للمهارات الأساسية للتعلم الذاتي، وغياب النقد والإبداع.
ويعاني التعليم في الدول العربية من غياب التركيز المبرمج على فروع العلم والتقانة، والانصراف إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية. وقد أدت تلك السياسة إلى تخريج ملايين العاطلين عن العمل، أو ما يعرف بالبطالة الثقافية المنتشرة على نطاق واسع بين خريجي الجامعات في الفروع الإنسانية والاجتماعية. ونبه كثير من التربويين إلى مخاطر الاعتماد الثابت على المناهج السائدة في الدول العربية، والتي تظهر تخلفاً مريعاً في أساليب التعليم وطرائقه وأدواته. فهي تكرس ذهنية التلقي والخضوع ولا تفسح في المجال لبناء شخصية إنسانية قادرة على الاستفادة من التعلم الاستكشافي والنشاط الحرّ والممارسة الإبداعية في حقلي الثقافة والفنون، كما أن التعليم السائد لا يحضّ على تجاوز مقولات ثقافة التبرير السائدة باتجاه ثقافة التغيير الشمولي على قاعدة امتلاك العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. ولا توظف أغلبية الدول العربية سوى نسبة ضئيلة جداً من موازنتها لمحاربة الأمية المتزايدة، وإصلاح نظم التعليم، ونشر العلوم العصرية، وبناء وتطوير مراكز البحث العلمي، واكتساب التكنولوجيا المتطورة وتوطينها والإبداع فيها.
ورغم اعتراف العرب بالدور الكبير الذي تلعبه وسائل التواصل الحديثة على المستوى الكوني، فإن الاستفادة منها في تنشئة الأجيال الجديدة تتطلب امتلاك الأدوات الضرورية لما يعرف اليوم بثقافة ldquo;القرية الكونيةrdquo;، التي هي ثقافة عصر العولمة ذات المصادر المتشعبة والبالغة الاتساع. ومع أن تقارير التنمية البشرية العربية تستنثي خريجي بعض الجامعات الخاصة التي تقدم نوعية متميزة من التعليم العصري في العالم العربي، فإن قسماً كبيراً من خريجيها ينتقلون للعمل والسكن خارج الوطن العربي، وأن الأغلبية الساحقة منهم تعمل في القطاع الخاص وليس في القطاع العام. وغالباً ما تنعكس سلبيات التعليم، وبشكل أساسي، على أبناء الطبقات الفقيرة والدنيا من الطبقة الوسطى. فهم يكتسبون نوعية رديئة من التعليم الذي يشوه شخصية الطالب لأنه يخنق لديه روح الإبداع، والنزعة الطبيعية إلى الحرية. ولا يقتصر خنق الحرية في نسق التعليم على التلامذة والطلبة، كما يشير ldquo;تقرير التنمية الإنسانية العربيةrdquo; للعام ،2004 بل يمتد في الواقع لكامل المنظومة التعليمية. فالمعلمون، قاهرو التلاميذ، هم بدورهم مقهورون من الإدارة التعليمية سواء في المعهد، أو محلياً، أو مركزياً. ناهيك عن قهر فئة المعلمين من المجتمع بكامله، معبراً عنه بتدني المكانة المادية والمعنوية للسواد الأعظم من المعلمينrdquo;.
لقد نظمت ندوات كثيرة عن مشكلات التعليم وطرق إعداد ونشر الكتب المدرسية في الوطن العربي. وأتيحت لي الفرصة مؤخراً لحضور ندوة متميزة بعنوان ldquo;تيارات متعددة وكتاب مدرسي واحد: العملية التعليمية ومحيطها الثقافي في العالم العربيrdquo;. وقد نظمها معهد جورج إيكرت الدولي لبحوث الكتاب المدرسي، ومقره في ألمانيا. عقدت الندوة في القاهرة ما بين 29 -31 أكتوبر/ تشرين الأول 2007.
وجمعت نخبة متخصصة من الباحثين التربويين، والمؤرخين، وعلماء الاجتماع، والأدباء الذين وفدوا من دول أوروبية وعربية. وتوزعت أعمال الندوة على أربع جلسات حملت العناوين التالية: صورة أوروبا في الأدب والإعلام، والتعليم بين الدين والعلمانية، ومنهجية تحليل الكتاب المدرسي وطرق إصلاحه، وصورة الذات والآخر في الكتاب المدرسي. وقدمت فيها أبحاث ثقافية وتربوية على غاية في الأهمية تناولت دور الدين في التعليم المدني، ومنهجية ومعايير تحليل الكتاب المدرسي وعملية إنتاجه، وسبل تطوير، وموجبات إصلاح التعليم في العالم العربي، وغيرها.
أبرزت النقاشات المعمقة أن عملية إصلاح النظم التعليمية معقدة جداً وتحتاج إلى تضافر جهود المثقفين والفلاسفة والأدباء والتربويين وغيرهم من العاملين في مجال العلوم الإنسانية قبل أن تتحول التربية إلى مادة تثاقف طويل الأمد. فالتعليم ثمرة تفاعل ثقافي وتربوي وتقني تشارك فيه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نخب ثقافية عربية مع تربويين من ذوي الاطلاع الدقيق على أحدث المناهج التعليمية في العالم.
وذلك يتطلب تخطيطاً دقيقاً يطول المناهج والبرامج وطرق التدريس وجمالية إخراج الكتاب بشكل عصري، واحترام الدقة والموضوعية في تقديم المعلومات، والتشديد على أهمية الوثائق والصور في توضيح المادة الثقافية وغيرها. وبدا واضحاً أن إنتاج كتاب التاريخ المدرسي الموحد هو الأكثر صعوبة في سلم الكتب التربوية لأنه يثير الكثير من الحساسيات. يكفي التذكير هنا بأن بعض الدول ومنها لبنان ما زالت عاجزة عن إصدار كتاب تاريخ مدرسي موحد يقدم مادة علمية تدرس في جميع المدارس العاملة على أرضه الرسمية منها والخاصة.
إن إصلاح التعليم في الوطن العربي يحتاج إلى قيادة سياسية متنورة، وشبكة عريضة من المدارس والمعاهد والجامعات العصرية ومراكز الأبحاث، كما يحتاج إلى الإسراع في تطوير البرامج والمناهج، وتعزيز حلقات التدريب.
وهنا تبرز علامات استفهام كبيرة حول مستقبل التعليم في الوطن العربي الذي يطال ملايين الأطفال والشباب من مختلف الأعمار، وفي مختلف حقول المعرفة. فمواجهة سلبيات العولمة لا تتم بمدارس متخلفة تعيد إنتاج ثقافة التلقين والحنين الدائم إلى الماضي الذهبي، بل باعتماد علوم عصرية، وتكنولوجيا متطورة، ومناهج متطورة باستمرار، والبدء بإصلاحات تربوية جذرية على كل الصعد، وبناء نظم للتعليم قادرة على توليد جيل عربي جديد قادر على التفاعل الإيجابي مع كثافة المعلومات التي تضخها الفضائيات والانترنت وثورات التواصل الحديثة.















التعليقات