علي العميم


إن مشكلة كلام الدكتورة بدرية البشر الذي أوردناه في الحلقة الماضية، أنه حتى لو تغاضينا عن كونه كلاماً منصباً على ذهنية التحريم، وقمنا بقطعه وبتره من سياقه العام وتحاملنا على أنفسنا وأخذناه على ظاهره، أي جعلناه حديثاً عن التطرف لا عن ذهنية التحريم، فإنه مختل من الناحية المنهجية ومعتل من جهة المضمون.
وسأعيد إيراد كلامها مرة أخرى لكن هذه المرة مع تتمة له من كلام آخر لها. وسأقسمه إلى فقرات ليسهل علي وعلى القارئ، التمعن في خلله واعتلاله.
تقول الدكتورة بدرية البشر:

1 - quot;ليس صحيحاً أن تلك الذهنية ذهنية التطرف والانغلاق هي ذهنية تنطلق في معاداتها للآخر من منطلق الدين بل من منطلق التمسك الأعمى بأفكار وقيم ومبادئ تاريخية معينةquot;.
2 - quot;فكثير من الحركات السياسية المتطرفة في العالم لم يكن للدين علاقة بتعصبها كالنازية والشيوعية والبعثية، لكنها رغم هذا بلغت في حدة تطرفها ما يمكن مقارنته بالتطرف الذي ظهر في الحركات الإسلامية خلال التاريخ العربي الإسلامي من شدة العنف والتطرف والقمع الاجتماعيquot;.
3 - quot;التطرف بشكل عام سلوك سلبي يظهر على هيئة تشدد وانغلاق جامد يرفض الاستماع للطرف الآخر ويرفض النقاش معهquot;.
4 - quot;لكن الإسلاميين يختلفون حين يضعون مستقبل كل مخالف لهم في جهنم وبئس المصيرquot;.
5 - quot;كما أن الخلاف ليس بينهم وبين المخالف، بل بين الله وبين المخالفين، كما أنهم ينصبون أنفسهم لحراسة هذا الخلاف ومعاقبة أهله باسم الله وباسم الدينquot;.

الاختلال أن الفقرة الأولى والفقرة الثانية، ساقتهما مباشرة بعد استشهادها الأول، بكلام للدكتور سمير نعيم أحمد، عرف فيها التطرف الديني، استناداً إلى ذكر بعض سمات الدوغما، وذلك لأنه يرى أن الدوغما والتطرف أمران مترادفان أوهما شيء واحد. فلا يفهم القارئ ما مناسبة إيرادهما؟ ولا يفهم على رأي من تردان؟
فالفقرتان مع الفقرات الثلاث الأخرى، هي غير مطردة مع ما قبلها من الاستشهاد الأول بكلام الدكتور سمير نعيم أحمد، وغير متسقة مع ما بعدها من استشهاد ثان بكلام آخر للدكتور سمير نعيم أحمد عن التطرف.

قد يقول قائل إنها تستدرك فيهما على ما ورد في كلامه الأول أو هي تنفي ما جاء فيه. فنقول له إن هذا احتمال غير صحيح لأكثر من سبب.
السبب الأول، إنها تبنت في استشهاداتها الثلاثة به، كل ما جاء في كلامه إلى الحد الذي تخلت مؤقتاً في ظل الاستشهاد به عن استعمال تعبير ذهنية التحريم، واستعملت تعبيراً آخر وهو التطرف. وقد فعلت ذلك مضطرة لأنه في كلامه المستشهد به كان يتحدث عن التطرف لا عن ذهنية التحريم.
السبب الثاني: إنها في الفقرة الثالثة رددت كلاماً قد قاله هو في سياق تعريفه للتطرف.
السبب الثالث: إنه لا يوجد في تعريفه للتطرف رأي يذهب إلى أن منطلقات التطرف ومسببات الانغلاق تنحصر في الدين ولا تتجاوزه إلى ما سواه من أفكار محدثة وعقائد بشرية حتى يجوز لنا الزعم بأنها كانت ترد على مثل هذا الرأي وذلك من خلال نفيه أولاً والتذكير بتعصب النازية والشيوعية والبعثية ثانياً.
أما الاعتلال في المضمون، فله أكثر من ملمح.

الملح الأول: تعبير (الآخر) غير واضح على أي مستوى تطرحه ومن أي نوع هي معاداته: هل الآخر هو المخالف في الديانة أم المخالف في المذهب أم هو المخالف في الانتماء السياسي والثقافي والفكري، ويكون في الوقت نفسه من أبناء دين ومذهب quot;المتمسك تمسكاً أعمى بأفكار وقيم ومبادئ تاريخية معينةquot; بحسب ما قالت؟

وهل المعاداة في القلب أم هي فعل مادي يتمثل في إثارة النزاعات والصراعات والحروب مع الآخر الداخلي ومع الآخر الخارجي؟ لتوضيح المصطلحات على حقيقتها ووفق سياقها التاريخي ولإظهار عمق التحولات الثقافية التي مرت بالمجتمعات الغربية، أشير إلى أن مصطلح الآخر ظهر أول ما ظهر في علم الأنثروبولوجيا وهو العلم الذي مجال اهتمامه ومدار عنايته -بالأساس- المجتمعات البدائية. ففي محيط الدراسات الأنثروبولوجية المكرسة لدراسة المجتمعات البدائية كان مصطلح الآخر يستعمل في نعت الإنسان البدائي.

فالإنسان البدائي في هذا الاستعمال الأنثروبولوجي الثقافي هو النقيض للإنسان التاريخي الذي يتقدم صفوفه وبمسافات طويلة عن الآخرين، إنسان الحضارة الغربية. بوصفه إنسان الحضارة التي بلغت أعلى درجة من التطور المادي وغير المادي في التاريخ البشري.

وقد ساعد على انبثاق هذا المصطلح وبروزه في محيط الدراسات الأنثروبولوجية أن الأنثروبولوجيين الأوائل من أصحاب المدرسة التطورية، نظروا إلى المجتمعات البدائية باعتبارها مرآة تعكس صورة الإنسان والمجتمعات التاريخية المتطورة في مرحلة ما قبل التاريخ أو مرحلة ما قبل بداية حضارة الإنسان وثقافته.

ففي النشأة الأولى لمصطلح الآخر، كان الآخر هو الإنسان البدائي وثقافة الآخر، هي ثقافة المجتمعات البدائية. فعوضاً عن أن تنعت هذه المجتمعات غير التاريخية بإنسانها وثقافتها بالبدائية والتوحش والهمجية، كما في مرحلة من تاريخ علم الأنثروبولوجيا، اختار اتجاه بارز فيها، لفظاً وصفياً محايداً، هو الآخر. وقد جاء هذا الاختيار لعوامل نفسية وثقافية وسياسية وشخصيه، معقدة ومتداخلة، ليس من أنصعها بالتأكيد الحس الإنساني المرهف أو عقيدة المحبة للبشر أو شعار الحرية والأخوة والمساواة!

ثم في مرحلة تالية توسع مجال استعمال مصطلح الآخر في الثقافة الغربية، ليكون صيغة علمانية أنثروبولوجية ثقافية بديلة لصيغ أخرى كلاسيكية، كان ينعت بها المتمايز في العرق والثقافة والمغاير في الديانة والمذهب والمختلف في الأيديولوجيا السياسية والفكرية.

بتعبير أكثر وضوحاً، مصطلح الآخر هو بديل علماني، للاصطلاحات القومية القادحة في التاريخ اليوناني والتاريخ الروماني وفي عصر انبعاث القوميات في التاريخ الأوروبي، وبديل علماني للاصطلاحات الدينية النابزة في عصور الإيمان الديني في أوروبا، كاصطلاح الهرطوقي والضال والتائه، والاصطلاحان الأخيران هما الاصطلاحان الموازيان لاصطلاح الكافر عند المسلمين.
والمرحلة التالية التي أومأت إليها، لا يعتقدن أحد أنها بعيدة زمنيا بل هي مرحلة قريبة جداً، فقد ترافقت مع صعود مرحلة ما بعد الحداثة التي كثر الحديث فيها عن حق الاختلاف وعن نسبية الثقافات وبرز فيها مصطلح المركزية الثقافية الغربية.

أما الثقافة العربية فقد تم تداول مصطلح الآخر فيها أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي.
وكان هذا المصطلح إلى وقت قريب مصطلحا مشبوها عند اتجاهات سياسية فكرية في الثقافة الغربية وفي الثقافة العربية العلمانية، وكانت هذه الاتجاهات لا تقر استخدامه.
إننا إذا ما نحينا التفكير عبر التمني والاختزالات السطحية والمهينة للتاريخ، سننتهي إلى أن الآخر في عالم الفكر ودنيا العقائد وفضاء المذاهب كان عدواً خبيثاً وخصماً فاجراً. فالعداء والخصومة هما صيغة العلاقة السائدة بين فكر وفكر وبين عقيدة وأخرى وبين مذهب وآخر عبر أطوار التاريخ.

الملمح الثاني: في الفقرة الثانية رد على رأي افترض كاتب هذه السطور أن مفاده أن منطلقات التطرف ومسببات الانغلاق تنحصر في الدين ولا تتجاوزه إلى ما سواه من أفكار محدثة وعقائد بشرية. فراحت هي تذكر بتعصب أيديولوجيات وحركات ليس للدين ndash;بحسب ما قالت- علاقة بتعصبها كالنازية والشيوعية والبعثية.
ولدي ثلاث ملحوظات على هذا الكلام، أولها في تاريخ الفكر السياسي الحديث وفي تخصصها علم الاجتماع وتخصص آخر قريب منه، وهو تخصص علم النفس لا توجد أدبيات تذهب إلى هذا الرأي، وإنما فيها آراء وتفسيرات حول ظاهرة التطرف والإرهاب التي قد ترتكن إلى الدين أو إلى الفلسفة أو إلى بعض المقولات والنظريات في بعض العلوم الاجتماعية والإنسانية.
وبالإجمال، فإن الحديث عن هذه الظاهرة في تلك الأدبيات من أواخر الأربعينيات إلى أواسط السبعينيات كان منصباً على التطرف والإرهاب العلماني وليس الديني.
فظاهرة التطرف والإرهاب في أواخر القرن التاسع عشر ومعظم عقود القرن العشرين التي يؤرخ لبدايتها في القرون الحديثة مع بداية الثورة الفرنسية، تستند إلى العلمانية وليس إلى الدين. وبلغت هذه الظاهرة في القرن العشرين ذروتها مع مرحلة التطرف القومي، كما في العقيدة النازية والعقيدة الفاشية.

والدكتور سمير نعيم أحمد الذي ارتكزت عليه في تعريفها لذهنية التحريم كان يسوق تحليلات سايكولوجية قدمتها مدرسة فرانكفورت بصدد النازية والفاشية، وكان يطبقها على نحو اعتباطي ومعلب على ظاهرة التطرف الديني السياسي عند الجماعات الإسلامية الجهادية.
هذه ناحية كانت ستتنبه لها، لو كانت تعلم من أمر ما تنقله شيئاً.
ثانيها: وهي تذكر النازية والشيوعية والبعثية بوصفها من ضمن الحركات السياسية المتطرفة في العالم، لم أفهم على أي أساس وضعت البعثية في مصاف النازية والشيوعية، فالعادة جرت أن توضع الفاشية في مصافهما، وليس البعثية.

ثالثها: لما أرادت توضيح حدة التطرف الذي بلغته النازية والشيوعية والبعثية قالت إنه يمكن مقارنته بالتطرف الذي ظهر في الحركات الإسلامية خلال التاريخ العربي الإسلامي. ونفهم من هذا التوضيح أن الحركات السياسية والاجتماعية في التاريخ الإسلامي هي الميزان التاريخي والعالمي الذي يقاس بواسطته تطرف كل الحركات التالية أو المتأخرة عنها في الزمن. وحكم كهذا يخالف ما أجمع عليه المؤرخون من أن النازية والشيوعية هما الميزان التاريخي والعالمي لأي تطرف أيديولوجي سابق لهما أو متأخر عنهما.
بعد أن تعرفنا على فهمها الخاطئ لذهنية التحريم، ننتقل الآن إلى التعرف على الجانب الثاني الذي يهمنا في كتابها، وهو قراءتها لتاريخ المجتمع السعودي، استناداً إلى مفهوم ذهنية التحريم.
تاريخ المجتمع السعودي عندها هو تاريخ ذهنية التحريم. وبما أن هذين التاريخين بالنسبة لها تاريخ واحد، فقد أرخت لذهنية التحريم من خلال عرض موجز لكل من الحركات الثلاث التالية: حركة الإخوان وحركة جهيمان العتيبي وحركة الصحوة الإسلامية. فتاريخ ذهنية التحريم أو تاريخ المجتمع السعودي بحسب ما تصوره قائم على أضلاع زمنية ثلاثة لا يستطيع الأخير الخروج منها، فجاء مسلسل طاش ما طاش ليخرجه من هذه التراجيديا التاريخية الكالحة والبائسة.

ذهنية التحريم: تاريخ البدء

لننظر في عرضها الموجز لتاريخ ذهنية التحريم أو تاريخ المجتمع السعودي!
نشأت ذهنية التحريم ndash; كما قالت ndash; مع ظهور حركة الإخوان (1921 ndash; 1927) في بدايات تأسيس الدولة السعودية الحديثة.
quot;ساهم في ظهورها عدة عوامل أولها الانغلاق الجغرافي، والطبيعة الصحراوية الحادة الطباع، وهيمنة البنى التقليدية على المجتمع، ثم العصبية القبلية التي كانت سائدة آنذاك لحماية المجتمع والفرد والتي كانت تعتمد على نشاط اقتصادي مهمته الرئيسة الطرد والنهبquot;.
quot;كان الإخوان ينشرون معتقداتهم بحماس شديد قد يدخل فيه بعض الأحيان استخدام العصا. ولكي يميز الإخوان أنفسهم عن الآخرين صاروا يلبسون عمامة بيضاء ويحلقون شواربهم ويطيلون لحاهم وأحياناً يصبغونها بالحناء ويقصرون ثيابهم إلى حد الركبة أحياناً. كما أن الإخوان يحرمون أي آلة موسيقية ماعدا طبول الحرب، ولم يشربوا القهوة لأنها لم تكن معروفة في زمن النبي وتحاشوا التدخين كما يتحاشون السمquot;.

وقد quot;عرف الإخوان بحماس مفرط في التمسك بتعاليم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والولاء لمن تمسك بها والتضامن مع من شابههم في مسلكهم، كما امتد هذا الحماس لمحاربة الكفر والكفار. والكفار الذين يستوجب محاربتهم ليسوا فقط غير المسلمين من الأوروبيين النصارى بل أيضاً المسلمون الذين لا يلتزمون بالمذهب الوهابي في الحجاز ونجد، وقد كانت صفة المشرك تطلق أيضاً على شيعة العراق الذين كانوا هدفاً دائماً لغزوات الإخوانquot;.
quot;ظهرت ذهنية التحريم المتمثلة في حركة الإخوان كعارض لأول خلاف سياسي بين الملك عبد العزيز وجماعة الإخوان بعد استتباب الأوضاع والأمور والتسليم بحكم الملك عبد العزيز وإبداء رغبته في التخلي عن... الفتح لصالح العمل على استقرار مملكته في الحجاز ونجدquot;.
quot;في خضم توتر العلاقة بين الملك عبد العزيز والإخوان، قدم له الإخوان رسالة احتجاج غاضبة، كمآخذ عليه، تلخص هذه المآخذ فلسفة الإخوان القائمة على منطق التحريم، والتي لم تبرز المطامع السياسية في مظهرها الخارجي، بل اتخذت من الحرص على الدين غطاء لهاquot;.

quot;هذه القائمة من المآخذ يمكن لها أن تقدم لنا توصيفاً دقيقاً لذهنية التحريم التي كان الإخوان يفكرون بها والتي يشيرون فيها إلى أن الملك عبد العزيز قد انحرف عن طريق الإسلام.
ففي اجتماع عقده زعماء الإخوان عتيبة ومطير والعجمان في ديسمبر 1926 في الارطاوية اتفقوا على تقديم مجموعة المخالفات التي يرون أنها مخالفة للدين وقدموها للملك عبد العزيز، تضمنت التالي: سفر ابن الملك عبد العزيز لمصر إثر حادث المحمل. وسفر فيصل للندن 1926 للتفاوض مع الإنجليز مما يعني التعاون مع المشركين واستخدام التلغراف والتلفون والسيارة في أراضي المسلمين، على اعتبار أنهم كفار أو متعاونون مع بلد الكفر وخطر المتاجرة مع الكويت، فلو كانوا كفاراً يجب حربهم وإن كانوا مسلمين فلا يجدر أن يحظر التجارة معهم. والتسامح مع الخوارج الشيعة في الإحساء والقطيفquot;.

ومع أن معركة السبلة quot;انتهت بالقضاء على الوجود السياسي لحركة الإخوان لكن فلسفتهم المتشددة ظلت باقية تحت رعاية آخرين اعتبروا أن ما حصلوا عليه غنيمة كافية للسكوت على مخالفات عبد العزيز رغم عدم رضاهم عنها. استمرت الذهنية المتشددة من خلال الطابع السلفي للعلماء. فقد كان العلماء وهم من شيوخ الدين يحظون بمكانة رفيعة عند الملك عبد العزيز الذي كان رفيقاً بهم ويظهر لهم على الدوام الاحترام ويستمع لنصحهمquot;.
في عرضها القصير لتاريخ حركة الإخوان نقلت عن ثلاثة مصادر هي على التوالي: كتاب (الإخوان السعوديون) لجون حبيب وكتاب (من القبلية إلى الملكية) لجوزيف كوستنر وكتاب (تاريخ العربية السعودية) لأليكسي فاسيليف.

وفي أثناء هذا العرض عرجت على ما أسمته بفلسفة تيار التشدد بما يزيد على الأربع صفحات بقليل. وقد اعتمدت في هذا على تلخيص ما يقارب العشر صفحات من كتاب الصديق حسن المالكي (داعية وليس نبياً)، حصر فيها كما هائلاً من التحريمات المتشددة، جمعها من مجلدات الدرر السنية في الأجوبة النجدية.
وقد قسم المالكي هذا الكم الهائل من التحريمات المتشددة إلى قسمين: قسم سماه غلو المتأخرين من الوهابية وقسم آخر سماه نماذج من مواقف المتأخرين من التعليم.
الدكتورة بدرية البشر قسمت ركائز ما سمته بالفلسفة المتشددة إلى قسمين: قسم تضمن ثلاثة بنود يتعلق البند الأول بحكم موالاة الكفار والمشركين واليهود والنصارى وحكم التشبه بهم والركون إليهم. والبند الثاني كان عن تحريم السفر إلى بلاد المشركين للتجارة إلا أن يكون المسلم قوياً له منعة. والبند الثالث فحواه كفر الذين يستخدمون الخدم الكفار في بيوتهم ومكاتبهم. أما القسم الثاني فبخلاف القسم الأول، قامت بعنونته أو وضع تسمية له وكانت تسميته quot;الفتاوى التي انتشرت في ذلك الحين (الحين هنا تحيين لزمن القسم الأول!) ومعظمها كان يتناول التعليمquot;.
بعد هذا انتقلت إلى طور ثان من تحقيبها الزمني لذهنية التحريم. هذا الطور بدأ مع حركة جهيمان العتيبي وسمت هذه الحركة بتيار إخواني (ثان). وقد سردت فيه معلومات عن جوانب مهمة عن هذه الحركة، من حيث نشأتها وأفكارها الرئيسة وتاريخها الزمني القصير، وذلك بالاعتماد على بحث كتبه الصديق منصور النقيدان عنها ونشره في مجلة الموقف.

ثم ختمت عرضها لتاريخ ذهنية التحريم بالحديث عن تيار الصحوة، معتبرة إياه (صحوة إخوانية جديدة) واختارت أن يكون بداية حديثها عن هذا التيار مع الانقلاب الشيوعي في كابول عام 1978 وأنهت حديثها عن هذا التيار بذكر حادثة كلية اليمامة التي حصلت عام 2006.
وقد اعتمدت في حديثها عن تاريخ تيار الصحوة على بحث لأحمد ثابت عن الحركات الإسلامية السياسية في الخليج العربي وكتاب طالبان لمحمد رشيد وبحث للصديق عبد الله بن بجاد العتيبي عن السرورية ومقال لمحمد حسنين هيكل لم تسمه ومقال آخر لمحمود عبد الغني صباغ نشره في موقع الشفاف الإلكتروني.

مناقشة عامة وملحوظات منهجية

إن ذهنية التحريم أو المحرم الديني أو التابو يطرح إزاء ما للدين موقف محدد سلفاً منه في كتبه المقدسة، كالقرآن والعهد القديم والعهد الجديد. ولا يطرح إزاء قضايا مستجدة لم يكن للدين في نصه المنزل أو الموحى لأنبيائه ورسله أي موقف محدد سلفاً منها.
لتوضيح ما أقول أذكر أمثلة على ذلك:
الوثنية أو تعدد الآلهة هي بالنسبة لليهودية والمسيحية والإسلام تابو. أكل لحم الخنزير في عقيدة اليهودي والمسلم يدخل في نطاق التابو لكنه في عقيدة المسيحي عادة مستحبة.
ترك الطفل من دون ختان هو عند اليهود والمسلمين تابو بينما المسيحيون لا يختتنون.
صنع تماثيل تجسد هيئة الأنبياء والرسل والملائكة وبدء الخليقة والمآلات الأخروية للذكرى والاعتبار هو تابو يهودي وتابو إسلامي، في حين تمكنت المسيحية لأسباب تاريخية معروفة في عدد من مذاهبها اجتياز هذا التابو بعد مناقشات حاسمة وطويلة في تاريخها السياسي المبكر.

وما كانت تتعرض له الدكتورة بدرية البشر في كتابها هو التطرف الديني والحرفية النصوصية والتاريخية في فهم الحياة الإسلامية الأولى، من حيث الرغبة في استمرارها أو استعادتها كما هي وبحذافيرها من الناحية المادية.

وكانت تتعرض للتشدد العقدي والتزمت الفقهي عند السلفيين عامة سواء أكانوا حنابلة أم غير حنابلة.
إن التزمت والتشدد والتطرف الإسلامي هو أبعد في الزمن مما حددته بدرية البشر وأوسع من النطاق الجغرافي الذي حصرته فيه فهو تيار قديم وراسخ ومستمر ومتجدد في الحياة الإسلامية عبر التاريخ لكنه لا يختصر تاريخ المسلمين وتاريخ حياتهم، إذ أنه تيار من بين تيارات عدة تعارضه في ضيق أفقه ومحدودية مداركه، ولا هو كان دائما وأبداً التيار المهيمن والنافذ في الحياة الإسلامية عبر أطوارها المختلفة.
وفي الموقف الرافض للحضارة المادية وللعلوم الحديثة يجب أن نميز ما بين الموقف الديني والموقف التقليدي الذي رسخته عند الشعوب المتأخرة والمتخلفة ثقافة راكدة وهامدة ألفت الحياة القديمة بوسائلها المادية العتيقة، فاعتبرتها جزءاً لا يتجزأ من حياتها ومعتقدها الديني.
في الحاضرة الإسلامية التي كانت استنبول والقاهرة تمثلان ذروة التطور فيها أيام الزمن العثماني، نجابه مواقف فقهية متشددة ورجعية من مسألة التقدم المادي وتدريس العلوم الحديثة قال بها عثمانيون ومصريون.

وهذا الأمر يطرح سؤالا إشكالياً معقداً: هل هذا الموقف الرجعي موقف ديني وإسلامي أم موقف تقليدي نراه يتكرر في مجتمعات تقليدية لا تدين بالإسلام ولم تؤثر عليها ثقافته؟
إننا حتى لو تغاضينا عن خطل تسميتها، وتعاملنا مع ترسيمتها التاريخية لذهنية التحريم على أنها وصف لأطوار الغلو الديني في تاريخ المجتمع السعودي منذ بداية تأسيس دولته الحديثة، فثمة أخطاء في بنية هذه الترسيمة وثمة فجوات منهجية في تحقيبها الأيديولوجي ذي الطابع الرتيب والمتكرر والثابت وكذلك في ربطها بين هذه الترسيمة ومسلسل طاش ما طاش.
قدمت الدكتورة بدرية البشر الحركات الثلاث، حركة الإخوان وحركة جهيمان العتيبي وحركة الصحوة على أنها حركة دينية محلية واحدة. بدؤها التاريخي كان مع حركة الإخوان التي نشأت في العشرينيات الميلادية من القرن الماضي، وما حركة جهيمان العتيبي الابعث ثان لها، وما حركة الصحوة سوى بعث ثالث للحركة الأم أو المجئ الأول لذهنية التحريم.

في تقديري الشخصي أن حركة الإخوان ليست حركة دينية تامة، ولا يجب التعامل معها على هذا الأساس. فهي من ناحية الفكر الديني السلفي كانت في طور التشكل والتكون. ولم تبلور سياستها الدينية وفقهها الخاص بها الذي تتمايز فيه في بعض القضايا الدينية عن السلفية الوهابية التقليدية. وذلك على النحو الذي نعرفه عند جماعة التكفير والهجرة وعند جماعة صالح سرية عندما تمايزت في بعض قضاياها الدينية عن جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي (صالح سرية ذو خلفية تحريرية).

وكذلك على النحو الذي نعرفه عن حركة جهيمان العتيبي فهي تمايزت عن حركتها الأم حركة أهل الحديث وعن السلفية الوهابية التقليدية في بعض القضايا الدينية. وعلى نحو ما شاهدناه عند تيار السروريين، رغم أن هذا التيار وليد تلاقح ما بين فكر حركة الإخوان المسلمين وفكر السلفية الوهابية التقليدية إلا أنه تمايز عن فكر هذين الفريقين في بعض قضاياهما الدينية والسياسية.
وإضافة إلى هذا أو استكمالا له، فحركة الإخوان لم يكن لها سلك ديني خاص بها، كمشائخ وطلاب علم وكتب دينية معينة تركز على تدارسها، بحيث يتحقق لها انفصال جزئي أو يسير عن فكر السلفية الوهابية التقليدية وسلكها الديني.

إن زعماء حركة الإخوان هم زعماء قبليون كبار وزعامتهم في المحل الأول زعامة سياسية واجتماعية وعسكرية وليست زعامة دينية. وأضفى على هذه الزعامة الشيء الكثير انضواؤهم تحت راية الملك عبد العزيز آل سعود في حروب التوحيد السياسي ومعارك استرداد الدولة التي قادها الملك عبد العزيز بحنكة بالغة وإيمان عظيم، وهي الحروب والمعارك التي توجته واحداً من الأبطال الكبار في التاريخ الحديث، وجعلته في مصاف مؤسسي الدول الضخام في تاريخ الإسلام.
وخروج الإخوان وتمردهم عليه، كان بسبب الطموح السياسي والتطلع إلى مكاسب اقتصادية كبيرة، كان الملك عبد العزيز يرى أنهم بالغوا فيها ويرى أنها في الأساس ليست من حقهم.
ولإحراجه أيديولوجياً وسياسياً من جهة ولإعطاء شرعية دينية لمسألة خروجهم وتمردهم عليه من جهة ثانية، أعلوا كثيراً من شأن تشددات وتنطعات لها منزلة قصوى في المدرسة الدينية السلفية المحيطة بالملك عبد العزيز.

بمعنى أن زعماء حركة الإخوان لو أنهم نالوا بغيتهم لما خرجوا على الحاكم الشرعي الملك عبد العزيز ولا كانوا أعلوا من شأن تلك التشددات والتنطعات.
ولتوكيد وجهة النظر، بأنها ليست حركة دينية تامة أو ناجزة، لنتدبر في مسيرة زعماء الحركة ومسيرة أفرادها بعد هزيمة السبلة التي أوقعها بهم الملك عبد العزيز، إذ مالبثوا أن انغمسوا في حياة عادية روتينية لا تميزهم عن سواد الناس.

وعادة لا يكون هذا هو مآل الحركات الدينية في قديم الإسلام وحديثه حتى لو تخلت عن المواجهة السياسية والعسكرية للسلطة وجنحت إلى موالاتهم.
أما جماعة جهيمان العتيبي التي نشأت على ضفاف الجامعة الإسلامية فيصعب القول أنها كانت حركة دينية محلية خالصة، ويعسر القول أنها كانت امتداداً تاريخياً لحركة الإخوان، اعتماداً على رابطة قبلية بين جهيمان العتيبي وسلطان بن بجاد العتيبي أحد زعماء حركة الإخوان الكبار واعتماداً على رابطة شخصية جمعت بين الأخير وبين جد جهيمان وأبيه.
فجهيمان العتيبي رغم توفر أسباب الثأر القبلي عنده ينتمي إلى جماعة شارك في تأسيسها آخرون لا تتوفر عندهم الأسباب نفسها.

فالحركة تنتمي إلى فكر جماعة أهل الحديث التي لها وجود تاريخي قوي وطويل في القارة الهندية. وكان لهذا الفكر مقدمات أو إرهاصات في سوريا قويت شوكته العلمية في هذه البلاد وما جاورها من بلاد عربية مع تبلور الشخصية الحديثية (نسبة إلى علم الحديث) واكتمالها عند الشيخ ناصر الدين الألباني وانتقاله إلى التدريس في الجامعة الإسلامية.
والجامعة الإسلامية، كما هو معروف، أسهم في إنشائها جماعة الإخوان المسلمين، لكن جماعة أهل الحديث المناوئة لهم تمكنت من الاستيلاء على هذه الجامعة بفكرها وتهميش فكر الإخوان المسلمين فيها.

وللإشارة إلى شيء من الفروق الأساسية بين حركة الإخوان وحركة جهيمان العتيبي أذكر أن حركة الإخوان متمذهبة فقهياً، فمذهبها الفقهي هو المذهب الحنبلي شأنها في ذلك شأن أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، في حين أن أتباع الجماعة السلفية المحتسبة التي رست قيادتها على جهيمان العتيبي، هم غير متمذهبين فقهياً فهم يزعمون شأنهم في ذلك شأن أهل الحديث أنهم ضد التمذهب الفقهي فهم يقدمون الحديث على الرأي المستقر في المذهب الفقهي.
وهذه إحدى مسائل خلافهم مع أصحاب المذهب الحنبلي، ومع مذاهب فقهية سنية أخرى.

وأذكر أيضاً أن حركة الإخوان عندما كانت تخوض حروبها مع الملك عبد العزيز كانت جماعة أهل الحديث الهندية من أشد أنصار الملك عبد العزيز آل سعود.
ففي المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في مكة سنة 1926، كان وفد الهند من الوفود البارزة والمؤثرة في مجريات المؤتمر، ولأهمية هذا المؤتمر بالنسبة للهنود المسلمين، أرسلوا ثلاثة وفود يمثل كل واحد منها تياراً دينياً قائم بذاته، هذه الوفود هي: وفد لجنة الخلافة ووفد علماء الهند ووفد أهل الحديث الذين هم سلفيون ومناصرون للملك عبد العزيز وللدعوة الوهابية بالهند بقوة وحماس.
فلو أن هناك تقاطعاً سياسياً ما بين فكر أهل الحديث، لكان أهل الحديث بدرت منهم في ذلك المؤتمر مناصرة أو تفهما لموقف حركة الإخوان الديني السلفي، خاصة أن وفود المؤتمر التي جاءت من بعض البلاد العربية وبعض البلاد الإسلامية، كانت تعبر عن آرائها الدينية والمذهبية والسياسية بكل حرية.

إن التسييس والاتجاه الثوري عند الاتجاه السلفي كانت بدايته في مطلع السبعينيات الميلادية، وكان حصيلة التقاء بين أفكار سيد قطب وحزب التحرير الإسلامي وفكر الإخوان المسلمين، ولهذا التسييس والتثوير علاقة غير مباشرة بالحالة السياسية الثورية التي خلقتها حركة التحرر العربية.
وهذا يعني أننا أمام روافد ومؤثرات، إقليمية، عربية وهندية كانت وراء نشوء حركة جهيمان العتيبي، ولنلاحظ أن من ضمن المؤسسين الأوائل لهذه الحركة ثلاثة فلسطينيين من غزة هذا إضافة إلى أن شيوخ الحركة كانوا من غير السعوديين.
وأما تيار الصحوة أو تيار الإخوان المسلمين، فحضوره في السعودية حضور قديم، فقد وفد إليها مع المنتصف الأول من الخمسينيات الميلادية وليس لهذا التيار أدنى علاقة بحركة الإخوان وبحركة جهيمان العتيبي.

ولأوضح ناحية في فكر الإخوان المسلمين تتعلق بموضوع الكتاب، أشير إلى أن موقف هذا الفكر من الآداب والعلوم والفلسفة وبعض أصناف الفنون يشبه إلى حد بعيد الموقف المسيحي الكاثوليكي الذي يقوم على أن وظيفة الآداب والفنون والعلوم والفلسفة يجب أن تكون منحصرة في خدمة آراء الكنيسة ومعتقداتها. كما أشير إلى أن هذا الموقف الإخواني التقدمي نسبياً متأثر على نحو مباشر بالفكر الماركسي في أدلجته للآداب والفنون والعلوم والفسلفة، وذلك لخدمة حقيقة واحدة، هي حقيقته، والتعبير عن قضية واحدة هي قضيته.
وهذه الناحية، إضافة إلى نواح أخرى، تجعل فكر الإخوان المسلمين أكثر تطوراً وحداثة من الفكر السلفي التقليدي. فراهنية هذا الفكر وعصريته ضمن إطار الفكر الإسلامي المحافظ هو من بين أسباب عدة أملت على الحكومة السعودية إقامة حلف سياسي وثقافي وثيق مع حركة الإخوان المسلمين في عقود منصرمة.

ولا أعرف ما سبب اختيار الدكتورة بدرية البشر لسنة الانقلاب الشيوعي في كابول (1978) منطلقاً للحديث عن تيار الصحوة، فهذا التيار - كما أسلفت ndash; حضوره الشعبي والرسمي في السعودية قديم. والجهاد الأفغاني بدأ بدايات متواضعة مع الغزو السوفيتي لأفغانستان سنة 1979، وكان هذا الجهاد جهاداً متواضعاً إلى أوائل الثمانينيات. ولم يبدأ توافد أعداد كبيرة من المواطنين العرب إلى أفغانستان وانخراطهم في الجهاد الأفغاني إلا في نهاية سنة 1984.
إن الترسيمة التاريخية التي وضعتها المؤلفة لا تفسر لنا لماذا كانت المعارضة السياسية في المجتمع السعودي منذ مطلع الخمسينيات إلى سنة 1980 ذات طابع علماني وليس دينياً؟
ولماذا كان الحراك الأدبي والثقافي في الفترة الزمنية الممتدة من الخمسينيات إلى أواخر الثمانينيات ذا منحى تجديدي وعصري وحداثي؟
يخطئ من يظن أن الأيديولوجية السعودية الرسمية أحادية البعد وذات صيغة ثابتة لم تتغير منذ التأسيس الحديث للدولة السعودية إلى أواخر الثمانينيات. فهذه الأيديولوجية كان فيها أكثر من تيار وكانت منفتحة على أكثر من اتجاه، والالتقاء بين هذه التيارات والاتجاهات كان على إسلام نير وسلفية معتدلة.
ولو كان الأمر غير ذلك لما تحققت في هذا البلد نهضة مادية وتطور اقتصادي واجتماعي وتعليمي وثقافي.

إن مسلسل طاش ما طاش جدير بالكتابة عنه والتأريخ له، نظراً لما حققه من نجاح محلي وعربي، لكن ليس بهذه الطريقة التي قدمتها الدكتورة بدرية البشر.
فما علاقة هذا المسلسل الذي بدأ عرضه في مقتبل التسعينيات الميلادية بحركة الإخوان التي جابهت الملك عبد العزيز آل سعود بتمرد سياسي في أواخر العشرينيات الميلادية من القرن الماضي؟!
وما الصلة بينه وبين حركة دينية مسلحة كالتي قادها جهيمان العتيبي في أواخر سنة 1979؟
فالحركة الأولى لم يكن لها تأثير فكري ملموس في المجتمع السعودي، فهي لم تشكل وعي قطاع من أفراده وقبل أن تدحر لم يكن لها شعبية بل على العكس من ذلك، فلتعدياتها وتجاوزاتها ولغلوها الديني المفرط كانت ممقوتة من المجتمع الحضري بأكمله ومكروهة عند كثير من البادية؟

إن الفنان عبد الله السدحان بدأ التمثيل في المنتصف الأخير من السبعينيات ورفيقه في بطولة مسلسل طاش ما طاش الفنان ناصر القصبي بدأ التمثيل في المنتصف الأول من الثمانينيات، وعرفهما المشاهد في المنتصف الأخير من الثمانينيات. واشتهرا عنده في بداية التسعينيات مع مسلسلهما الجماهيري المحبوب طاش ما طاش.
والمنتصف الأخير من الثمانينيات هي الفترة التي شهدت من ضمن ما شهدت ثلاثة أحداث مهمة هي: توافد أعداد كبيرة من المواطنين العرب إلى أفغانستان وانخراطهم في الجهاد الأفغاني. بلوغ المد الصحوي والسلفي ذروته في كل أنحاء العالم العربي. توجيه تيار الصحوة نيران مدفعيته الثقيلة في أواخر الثمانينيات إلى حركة الحداثة الأدبية في السعودية.
أما بداية التسعينيات فكانت أعوام المواجهة السياسية الصاخبة التي خاضها تيار الصحوة مع الحكومة السعودية، وكان هذا التيار حينها في أوج قوته وعز جبروته. كما أن بداية التسعينيات هي الأعوام التي سلط فيها تيار الصحوة أيضا نيران مدفعيته على المثقفين والأكاديميين السعوديين عامة، المتهمين لديه بالعصرنة والليبرالية الاجتماعية.

في ظل هذه المعطيات يحق لنا أن نسأل المؤلفة: لماذا لم يشن تيار الصحوة حرباً دينية كلامية على الفن الدرامي السعودي في أواخر الثمانينيات وفي بداية التسعينيات، خاصة وأن هذا الفن محسوب بمعنى من المعاني على الحداثة وعلى الثقافة وعلى المثقفين؟

ولماذا أتت فتوى تحريم هيئة كبار العلماء للمسلسل في سنة 2000، وهي السنة التي خمد فيها تيار الصحوة واضطر إلى الموادعة بعد تجربة الاعتقال التي تعرضت لها قياداته وحشود من الناشطين فيه؟ ولماذا لم تأت هذه الفتوى قبل سنين من ذلك أيام كان تيار الصحوة مرهوب الجانب؟
للإجابة عن بعض الأسئلة التي طرحتها على المؤلفة، سأحاول أن أضع المسلسل في السياق العام الذي أومأت إليه. مسلسل طاش ما طاش منذ بدايته سنة 1993 إلى يومنا هذا مر بثلاث مراحل، هي:
مرحلة بدايته إلى سنة 1996. وكان المسلسل في هذه المرحلة مسلسلاً محافظاً، ومضمونه مسل وذلك من دون أن يتورط فيما يمكن أن نسميه شبهة الرأي!
مرحلة التبني الرسمي له والتي بدأت من سنة 1996. وفي هذه المرحلة انطوى المسلسل على قدر بسيط من الانفتاح والجرأة النسبية، وكان هذا الانفتاح والجرأة النسبية التي أقدم عليها المسلسل في ظل التبني الرسمي له، جزءاً من مناخ عام تعيشه الصحافة السعودية. وقد جاء هذا التبني بعد تفجير العليا، وكان هناك ظرف عام مؤات له، وهو أن الشغب الصحوي غاب بسبب اعتقال مثيريه.
مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. وفي هذه المرحلة خاصة بعد حدوث تفجيرات إرهابية كان وراءها تنظيم القاعدة أصبح المسلسل جريئاً وصريحاً في تناول الشأن الصحوي وقضايا التزمت الديني والتشدد الاجتماعي المحافظ. وكان هذا التناول الجريء والصريح جزءا من مناخ إعلامي وثقافي عام منفتح تحولت إليه السعودية.
وفي الواقع أن هذا التقسيم لا يجيب فقط عن بعض الأسئلة المطروحة، وإنما هو يرد على بعض ما أدعته المؤلفة، حين قدمت المسلسل بشيء من العفة النضالية وكثير من التمجيد البطولي والثوري الزائف.

أما الفتوى، فتوى تحريم مسلسل طاش ما طاش، فلفهمها ووضعها في سياقها الصحيح، أشير إلى التالي: إنه من ضمن الأسماء أسماء هيئة كبار العلماء التي أصدرت فتوى تحريم مسلسل طاش ما طاش اسم لعالم جليل يعني بالتأليف والبحث، وقد ألف هو وغيره في موضوعات تعتبر نوعاً من السجال الداخلي ما بين حركة الصحوة المحلية واتجاه العلماء السلفيين التقليديين والتي منها، تحريم التمثيل والنهي عن الأناشيد.
والتماثيل والأناشيد هنا، هي التمثيليات الوعظية الأخلاقية التي تقدم على مسرح الصحوة. والأناشيد هي أناشيد الصحوة وأهازيجهم.
فأهل الفتوى أساساً يحرمون التمثيليات التي يقوم بها الصحويون المتشددون في المراكز الصيفية.
وقد بقيت هذه القضية ما بين هذين الطرفين في شد وجذب إلى يومنا هذا.

أما لماذا أتت هذه الفتوى، فمن وجهة نظري أنه كان حصل ما يشبه الاتفاق ما بين بعض الأطراف في حركة الصحوة وبعض العلماء المخاصمين لهم في مسألة تمثيلياتهم وأناشيدهم.
فمسلسل طاش في أواخر التسعينيات أقدم على تجسيد شخصية الملتزم دينياً، وكان حذراً في هذا، إذ أنه يقدمها في إطار من التوازنات والحسابات والحشو الذي لا مبرر له، فنياً أو موضوعياً.
ومع هذا كانت حركة الصحوة وقطاع من المجتمع الذي تشكل وعيه من خلال مفاهيم الصحوة، غاضباً من تقديم شخصية الملتزم في عمل درامي يقوم به ممثلون غير منزهين صحوياً.
فلجأ بعض أهل الصحوة إلى العلماء الذين هم أساساً يحرمون التمثيليات الصحوية، ليصدروا فتوى بخصوص مسلسل طاش ما طاش من أجل إعدامه اجتماعياً.
لكن هذا الهدف لم يتحقق لأن الظروف اختلفت عما كان يمكن أن يحصل لو أن الفتوى صدرت في أواخر الثمانينيات أو في أوائل التسعينيات.
وفق ترسيمة المؤلفة التاريخية وحكمها بأن المجتمع السعودي أسير ذهنية التحريم منذ عشرينيات القرن الماضي إلى أوائل قرننا الحالي، كيف نفهم أن الفن الدرامي التلفزيوني نشأ في منتصف الستينيات الميلادية، وكيف حدث أن نشأت قبل ذلك بسنوات طويلة محاولات للتمثيل المسرحي.

ووفق ترسيمتها وفي ظل حكمها، يحق لنا أن نسأل لماذا كان التلفزيون السعودي منذ نشأته إلى أوائل الثمانينيات، يركز في برامجه على الجانب الترفيهي وعلى الجانب الثقافي مع نسبة ضئيلة من البرامج الدينية؟

فبرامج التلفزيون السعودي في تلك الفترة المشار إليها لا تقل كثيراً عن برامج المحطات التلفزيونية العربية المتفوقة.
والحق يقال إن تاريخ التلفزيون وتاريخ الإذاعة في السعودية إلى منتصف الثمانينيات كان تاريخاً يزخر بوجوه من التفتح والاستنارة وأصناف من التثقيف والترفيه النسبي.
وقبل أن تحصل حادثة الحرم المكي أو قضية جهيمان العتيبي وبعدها كان يعرض في التلفزيون السعودي برنامج (الكلمة تدق ساعة) للكاتب والمثقف محمد رضا نصر الله، وكان يستضيف في برنامجه، شخصيات كبرى في العالم العربي، كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس ونعمان عاشور وأدونيس ومحمد الماغوط وانطوان مقدسي وشفيق جبري وبلند الحيدري وجبرا إبراهيم جبرا وعبد الوهاب البياتي وأحمد بهاء الدين ومحمد مزاني ومصطفى جمال الدين وآسيا جبار ونادية خوست ولطيفة الدليمي.
وما قد لا تعرفه المؤلفة، أن طه حسين وهو من هو في الليبرالية كان محل حفاوة رسمية في السعودية.
وإلى أوائل الثمانينيات كان طه حسين يحتفظ بصورته الزاهية في الصحافة والمشهد الثقافي السعودي.

وأذكر أنه في مطلع الثمانينيات مست شخصية علمية أزهرية طه حسين مسا دينياً، فهب للرد على هذه الشخصية العلمية الأزهرية مثقفون سعوديون كلاسيكيون.
إني أسألها: أين ذهنية التحريم من كل ما أسرده وما لم أسرده؟
إن الدكتورة بدرية البشر قدمت نفسها في مقدمة كتابها أنها باحثة اجتماعية، وقد حاولت أن أبحث عن هذه الصفة عملياً في كل فصول كتابها لكنني لم أجدها. والحقيقة أن هذه المشكلة ليست خاصة بها وإنما هي مظهر عام عند بعض أكاديميينا السعوديين الذين قد يكون تخصصهم علم اجتماع أو علم نفس أو علم سياسة أو علم تاريخ أو علم اقتصاد، وإذا كتبوا عن الأزمة الدينية في السعودية وفي العالم العربي فإنهم لا ينطلقون من تخصصاتهم ومن منهج معتبر من مناهجها، أيا كان هذا المنهج، وإنما يرددون كليشيهات صحوية أو حداثية، لا تسد رمق.
ففيما أعلم أن لهذه العلوم أسئلتها إزاء أي ظاهرة، ومنها الظاهرة الدينية، وأسئلتها عن الأسئلة والطرق التي يتمحور عليها التفكير التقليدي، سواء أكان دينياً أم غير ديني.
فعلى سبيل المثال، أعادت الدكتورة نسخ ما أورده حسن المالكي من قائمة التحريمات المتشددة عند المشايخ السعوديين التقليديين في كتابه (داعية وليس نبياً) لكنها لم تقدم تفسيراً أو تحليلاً منطلقاً من ثقافتها الحديثة ومن صميم تخصصها العلمي، سواء أكان علم اجتماع أو أنثروبولوجيا، بل هي اكتفت بمجرد النقل عنه والنسخ منه.

ولأنها لم تقم بالدور المطلوب منها سأقدم بعض الإيضاحات حول بعض محرمات الإخوان وبعض محرمات المشايخ السلفيين المتأخرين.
وهذه الإيضاحات إيضاحات تاريخية ولا أزعم أنها غير ذلك.
أولاً: لبس الإخوان للعمامة البيضاء هي قضية اجتماعية وثقافية وتاريخية تتعلق بالزي عند العرب قبل الإسلام وفي أثناء عصور الإسلام ومع أنها قضية جداً دنيوية إلا أنها اختلطت بالدين.
ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: العمائم تيجان العرب، وهذا ما يفسر لنا اعتمادها عند علماء الشيعة عرباً وفرساً، زياً رسمياً.
وفي مسألة الزي حدث اختلاف وتجاذب ما بين الزي العربي والزي الفارسي والزي التركي وكانت العمامة من حيث لونها وطريقة لفها عنوانا للانتماء لمذهب بعينه ولخلافة سياسية بعينها، كالخلافة الفاطمية والخلافة العباسية.

وعمامة عالم الدين سواء أكان شيعياً أم سنياً تختلف عن عمامة الكتاب وعمامة العامة.
وكان الخلفاء العثمانيون في البداية يعتمرون العمامة المغربية ثم خلعوها ولبسوا الطربوش، والطربوش هو في الأساس لبس أوروبي.
ومع أنه لبس أوروبي فقد ثار الناس على كمال أتاتورك عندما أمر باستبداله بالقبعة ذلك لأن الطربوش أصبح أو توهموا أنه من صميم هويتهم المشرقية، ببعدها الثقافي والاجتماعي وببعدها الديني.
وفي مصر في فترة المرحلة الليبرالية فيها، نشأت مجادلات ومساجلات بين الأدباء والمثقفين وعلماء الدين حول لبس القبعة وخلع الطربوش وخلع العمامة.
وهناك مثقفون في غاية التحرر الليبرالي وجدوا صعوبة نفسية واجتماعية وثقافية في خلع الطربوش واعتمار القبعة، مع اعتقادهم بأن الطربوش هو رمز لعهد رجعي بائد.
وهناك أدباء متحررون وجدوا أيضاً ذات الصعوبة في التخلص من لبس العمامة، والتي لبسوها حين كانوا أزهريين في دراستهم وفي تفكيرهم.
وبالإجمال فإن لبس العمامة في العالم الإسلامي، شيعيه وسنيه تحول من عادة اجتماعية إلى اقتضاء ديني، يجب أن يختص به رجال الدين.
وهذا يقودني إلى التوقف عند تحريم أحد الفتاوى للبس القبعة والتي نقلتها بدرية عن المالكي.
الوقفة الأولى: أنه في التاريخ الاجتماعي والثقافي السعودي لم ينشأ صراع حول الزي، بين زي أصلي محلي وزي مستورد من الغرب، وذلك كما حصل في بعض البلدان العربية، فما هي محفزات هذه الفتوى؟

الوقفة الثانية: هل المشايخ التقليديون عندنا في مطلع السبعينيات وما قبلها، كانوا مطلعين على الجدل المصري الذي أخذ في جانب منه بعداً دينياً في مسألة جواز لبس القبعة؟
لا أظن، لأن هذا الجدل حصل في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، وهؤلاء المشايخ التقليديون عرف عنهم محدودية الاطلاع.محفزات هذه الفتوى أو منطلقها صادر من تصور فلكلوري شعبي، ففي المنطقة الشرقية وعلى وجه التحديد في شركة أرامكو، منذ الخمسينيات الميلادية كان موظفو أرامكو وعمالها الخواجات والسعوديون يرتدون القبعة. فكان الوعي الشعبي يحرمها على أساس أن القبعة بمقدمتها البارزة تحجب رؤية الله!

فأخذ بعض المشايخ لاحقا هذه الفتوى الشعبية بقضها وقضيضها وتبناها وزاد عليها في التعليل أنه ضرب من ضروب التشبه بالفرنجة الكفار.
أما تحريم الإخوان لشرب القهوة، فيظهر أنها لا تعلم أن تحريم شربها هي فتوى قال بها علماء مصر وعلماء الحجاز وعلماء بلاد الشام، لكن بعد ذلك تحول شرب القهوة إلى طقس اجتماعي مبجل ووقور!
تنقل الدكتورة بدرية البشر عن المالكي أن من سافر إلى الدول المجاورة لتعليم أو تجارة أو غيرها يجب أن يهجر حتى يظهر التوبة وأن العلوم الشرعية كالرسوم والأشغال اليدوية والرياضة والألعاب والحقوق والطبيعة والتصوير والتعليم العصري وتعليم البنات محرم ومنهي عنه.وأن الغناء ولعب كرة القدم والتصوير ولباس الشرطة والتصفيق ولبس البنطلون والتحية العسكرية محرم.
والسؤال المهم هنا: ما مدى التزام شرائح المجتمع السعودي بمثل هذه الفتاوى؟ وهل الفئات الدينية تأخذ بها كلها؟ وهل السلك المشائخي يطبق كثير من أفراده على أنفسهم وعلى ذويهم وفي حياتهم العملية الفتاوى التي جردها لنا المالكي من مجلدات الدرر السنية؟

إن الفتاوى المتشددة والمغالية والغرائبية في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، كانت نصاً مجهولاً ومعطلاً من التأثير في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع السعودي.وكان الكثير منا يجهل خبرها التفصيلي، وقد عرفت واشتهرت بعد أن تم إلقاء الضوء عليها في السنوات الأخيرة من قبل بعض الكتاب والباحثين الذين إما لهم تجربة صحوية وإما تجربة سلفية.ولست أقلل هنا من شأن تداعيات تلك الفتاوى المتشددة وأثرها في نشأة حركيات دينية سياسية واجتماعية أدخلتنا في دوامة من المآسي، وإنما أتحفظ على تقديم تاريخنا المحلي بأكمله من خلال ثقب الفتاوى الضيق من أول السطر ولا أظن أن وظيفة الأكاديمي والمثقف الحديث، هي إعادة ما ألقى الضوء عليه أولئك الكتاب والباحثون ونسخه مجدداً، بل وظيفته فيما أراه، وظيفة تالية ومتممة، أي أن يقوم بالتحليل العلمي والمنهجي، انطلاقا من المادة المباشرة التي وفرها له المطلعون بشكل جيد على المتن السلفي وعلى المتن الصحوي، ولديهم ذخيرة من العلوم الدينية ومعرفة بالعصور الأولى من التاريخ الإسلامي.إن في جعبتي ملاحظات أخرى على كتاب الدكتورة بدرية البشر، لكن ضيق المساحة المحددة لي يجبرني على التوقف عن بسطها، وسأخصها بمقال في الأسبوع القادم .