باسمة عطوي
اللبنانيون عشاق حياة، قرروا الاحتفال بالاعياد على الرغم من التفجيرات المتنقلة والازمة السياسية المتفاقمة مع فراغ رئاسي طال امده. عشاق ترجموا قرارهم هذا بنشر الزينة والمشاركة في النشاطات والتبضع في الاسواق والنزول الى الوسط التجاري لإعادة الحياة اليه، والاعداد لحفلة ليلة رأس السنة. من وسط بيروت الى جونية وكسروان والحمرا والاشرفية متاجر تزينت لاستقبال الاعياد علها تحقق في موسم اجتمعت فيه الاعياد الثلاثة (الاضحى والميلاد وراس السنة) ارباحا تغطي ولو جزئيا الخسائر الهائلة التي تتكبدها منذ سنتين.
في موسم الاعياد لهذا العام تشهد المحال والمطاعم والمقاهي حركة لا بأس بها لمغتربين وقاطنين لبنانيين، حركة تتفاعل منذ عيد الاضحى المبارك لتكبر مع عيلاد الميلاد واقتراب موعد ليلة راس السنة. وفي المقابل سجلت حركة خجولة للسائحين العرب بالمقارنة مع السنوات الماضية، بسبب الاخبار التي تتناقلها وسائل الاعلام عن الازمة السياسية. الاعياد عادت على اللبنانيين هذا العام، وان كانت حركتهم خفيفة مقارنة مع الاعوام السابقة، الا انها تحمل في ما تحمل الكثير من معاني التحدي في مثل هذه الظروف التي يعيشها البلد والذي مهما كبرت ازماته يبقى حب ابنائه له وللحياة فيه اكبر.
زحمة السير الخانقة في شوارع بيروت وعدد من الاسواق التجارية، تشير الى ان اللبنانيين قرّروا الاحتفال بالاعياد في الايام العشرة الاخيرة من السنة، بعد انتظار طويل لرئيس الجمهورية الذي لم يتم التوافق على انتخابه بعد.
quot;القليل في كل مكانquot; عبارة تلخص تحضيرات اللبنانيين، تجارا وزبائن، للاعياد التي تحط في بلدهم على وقع الازمة السياسية التي تلفها. وبانتظار تحقق النهاية السعيدة للانتخابات الرئاسية، لبست زوايا الاسواق والمرافق السياحية أثواب الاعياد وبدأت تتحضر لنشاطات راس السنة وحفلاته وان بحذر، اي وفقا لمعاييرتنسجم مع ما يختلج في صدوراللبنانيين من هموم اقتصادية ونفسية، ناتجة عن عمرالمناكفات السياسية التي طالت وأكلت في طريقها معظم الحماسة الرابضة في الصدورللاحتفال. ويمكن الاستدلال على هذا الحذر وخبو الحماسة في نفوس اللبنانيين لملاقاة العيد، عبر اشارات عدة اولها تأخرالمتخصصين في تنظيم النشاطات التي تزيد بهجة الاعياد ورونقها، في الاعلان عبر وسائل الاعلام عن النشاطات والحفلات التي تنظم عادة في الاعياد الى الاسبوع الاخير الذي يسبق موعدها.
الاشارة الثانية هي خفوت وهج الزينة التي ترفع عادة في الشوارع والاسواق التجارية. في المقابل تبذل الجهود لإحياء أجواء الاعياد في العديد من المدن ومنها العاصمة عبر إقامة المعارض وتقديم تنزيلات على البضائع، ويتوقع اصحاب الفنادق والمرافق السياحية ان تشهد هذه الفترة اقبالا وتتحقق الحجوزات اذا نجت البلاد من خضة سياسية او امنية، وبذلك يبقى تفاؤل اللبنانيين وتشاؤمهم رهينة الاوضاع السياسية والتطورات الحاصلة في البلاد.
الوسط.. اجواء العيد بطيئة
يصدح صوت الموسيقى من شارع الحمرا الرئيسي، وتلبس العديد من المتاجر فيه حلة العيد بخجل، فاصحابها لم يكملوا تزيين واجهاتهم كما جرت العادة في كل عام، واكتفوا بوضع الاضواء واعلان التنزيلات من دون شجرات العيد او عبارة quot;كل عام وانتم بخير او ميلاد مجيدquot;. التجار اكتفوا بنصف زينة لانهم يتوقعون ان يكون الاقبال على الشراء هذا العام اقل من السنوات السابقة، خصوصا بعد حادثة اغتيال اللواء فرانسوا الحاج التي قطعت على اللبنانيين فرحة كانوا ينتظرونها. quot;فبهجة العيد في نفوس اللبنانيين ليست كاملة، ولا داعي لتكبد المزيد من المصاريف بدون جدوىquot; على حد تعبير احد اصحاب المحال التجارية.
في الوسط التجاري، شجرة الميلاد اضاءت زينتها في آخر الشارع المؤدي الى ساحة النجمة، لتضفي اجواء افتقدها الوسط منذ ايام طوال بعدما احتله اعتصام المعارضة ليقطع عليه الانفاس وابواب الرزق.
في مشهد الشجرة صورة واضحة عن ان الناس قرروا فجأة تجاهل الوضع السياسي والامني، ليعيشوا فرحة الاعياد خصوصا في فترة الليل التي تزدحم فيها الطرقات المؤدية الى الوسط وتنتشرالطاولات والكراسي على الارصفة وتنبعث اصوات الموسيقى من بعض المقاهي والمطاعم. اما في النهار فتعود حركة الوافدين لتخف، وان كان التجار يجمعون بانها عادت الي السوق وان بطيئة، وان كان لا يمكن مقارنة حجمها بالاعوام الماضية الا ان فيها دلالة على امل عودة قريبة..
..وفي الاسواق الاخرى
في شارع مار الياس، الزينة المضاءة مرفوعة على طول الشارع، لكن ايا من المحال لم يضع زينة العيد، بل واجهات مليئة بالبضائع واعلانات عن تنزيلات في هذا المتجر او ذاك علها تساهم في جذب الزبائن. اما في شارع فردان، فتنشط جمعية التجار، ككل عام في تنظيم الاحتفالات في الشارع ونشر الزينة لتنشيط حركة الزبائن في المتاجر والمقاهي. وفي اسواق الزلقا وفرن الشباك ومعوض تتشابه المشاهد بعدما بدأت الحماسة تدب في النفوس لاستقبال العيد، وتناثرت الزينة في هذا السوق وذاك وعروض التخفيضات ايضا.
يحاول القيمون على هذه الاسواق بث اجواء الاعياد بطريقة أو بأخرى، وفي اتجاهين، على حد تعبير رئيس لجنة الاسواق في جمعية تجار بيروت رشيد كبي، الذي يشير الى quot;ان التجار تحرّكوا في اتجاهين، الاول سياسي من خلال زيارة المرجعيات الروحية كافة في البلاد ونقل رسالة اليهم مفادها ضرورة الضغط على السياسيين لفصل الاقتصاد عن الخلافات السياسية، لان هذا الربط ينعكس سلبا على المواطن العادي. اما التحرك الثاني فكان باتجاه رؤساء الجمعيات نفسهاquot;. ويضيف quot;الوضع الاقتصادي السيئ ينعكس سلبا في نفوس المواطنين جميعا، من هنا ارتأينا التحرك كتجار، لإعادة تأهيل الزينة واستيراد المزيد من البضائع والقيام بالتحضيرات كافة لتنشيط حركة السوق خلال فترة الاعيادquot;.
وينقل كبي عن التجار استياءهم من مردود فترة العيد عليهم هذا العام، والتي بالكاد وصلت الى 20 في المئة نتيجة الوضع السيئ في البلاد، وتأثير الاوضاع الخارجية وارتفاع الاسعار من جهة، والاعتصام القائم في وسط بيروت والترويج من قبل الاعلام بانه قد يستمر فترة طويلة من جهة اخرى، ما انعكس سلبا بالتأكيد على صورة لبنان في عيون السائح العربيquot;.
ثمة محاولات مختلفة لتنشيط اجواء الاعياد في بيروت والمناطق المحيطة بها، من خلال اقامة المهرجانات الخاصة باجواء الاعياد والمأكولات وبرعاية رسمية من وزارة السياحة، كالمهرجان الوطني الاول للمأكولات الذي اقيم في البيال وشاركت فيه نحو 140 مؤسسة وجمعية، والذي يهدف الى حماية التراث الثقافي اللبناني ليصبح محركا لقطاع الضيافة في لبنان وترويح التراث اللبناني كعلامة مميزة على المستوى العربي والعالمي.
وخارج بيروت لبست مدينة جبيل اخيرا ثوب العيد من خلال افتتاحها معرض واحتفالات الميلاد التي نظمتها لجنة مهرجانات بيبلوس الدولية من اجلquot;استعادة العادات والتقاليد العائلية للاعياد، وتذوق المنتجات المحلية والتمتع بالمنتجات الحرفية التقليدية، ورؤية جبيل بأبهى حللها وفتح المجال امام المواطنين للمشاركة في النشاطات الترفيهية التي تقام على هامش المعرض مجانا، لتشجيع الانتاج المحلي والبلدي ومساعدة الحرفيين على تحسين نوعية انتاجهم وتسويقه محليا.
تحضيرات على قدم وساق
في احد الفنادق الكبرى في بيروت تستقبل الداخلين الى قاعة الاستقبال شجرة ميلاد عملاقة. وداخل ارجاء الفندق فرش السجاد الاحمر ووزعت الورود الحمراء و الاجراس وفتحت على الشُرف مظلات حمراء لتزيد اجواء العيد رونقا. اشتركت في هذه الهمروجة الميلادية معظم الفنادق والمرافق السياحية لاضفاء جو البهجة على النزلاء الذين يتوقع حضورهم في فترة الاعياد. الحجوزات في الفنادق ومطار بيروت quot;تبقى رهينة الوضع السياسي الحاليquot; على حد قول نقيب اصحاب الفنادق والمرافق السياحية بيار الاشقر. ويشبه الاشقر quot;وضع الحجوزات في المرافق السياحية بأنها مثل البورصة، ترتفع اسهمها مع الاخبارالسياسية الجيدة، ولكن سرعان ما تهبط مع اي خبر سياسي سيئ. فحين حصل توافق على اسم رئيس للجمهورية سجل ارتفاع في الحجوزات في الفنادق، لكنها غير ثابتة وبدون دفع مسبق. بمعنى ان هذه الحجوزات يمكن ان تلغى في اي لحظة، في حال ازداد الوضع السياسي سوءا. اما اذا تم انتخاب رئيس للجمهورية وانتهى الاعتصام، فمن المرجح ان يشهد لبنان حركة سياحية كبيرة، سواء من اللبنانيين المغتربين او السياح العرب. ويساعد في ذلك فارق الاسعار بين لبنان وبين العديد من دول المنطقة، والذي يمكن ان يشكل نقطة ايجابية لصالح لبنانquot; يختم الاشقر.
محطات التزلج
محاولة انقاذ ما يمكن انقاذه من موسم الاعياد واستغلال الايجابيات المتوقعة مهما كانت متواضعة، منطق يؤكده رئيس نقابة المطاعم والباتيسري ودور اللهو بول عريس الذي يقول ان quot;الارقام تشير الى قدوم نحو 700 الف سائح الى لبنان، في حال استتب الوضع السياسي في البلاد، وبالتالي فأصحاب المطاعم ينتظرون قدوم الاعياد على أحر من الجمر لتعويض ما فاتهم في المواسم الماضيةquot;.
ويشرح quot;تأثيرات الاوضاع السياسية المتردية في البلاد طالت اصحاب المطاعم من خلال هجرة اليد العاملة المتخصصة الى دول الخليج، فكان التحدي امامهم في اعادة تدريب يد عاملة جديدة بانتظار استقبال موسم الاعياد المقبلquot;. ويوافقه الرأي كريستيان رزق صاحب احدى محطات التزلج فيشير الى quot;ان نشاط قطاع التزلج مرهون بأمرين الاول سقوط الثلوج من جهة واستتباب الاوضاع السياسية التي تسمح للبنانيين والمغتربين بتمضية عطلتهم في سلام، وهذا ما لم يتحقّق كاملا هذه الايام وبالتالي فقطاع التزلج متضرر كباقي القطاعات السياحية الاخرى لان اللبنانيين في هذه الايام يفضّلون اقتناء المال تحسباً لأي طارئ قد يحصل في البلادquot;.
هذا التفاؤل الحذر يقابله تخوّف من أصحاب مكاتب تأجير السيارات من ان تنقلب توقعاتهم الايجابية بموسم الاعياد الى خيبة امل خصوصا مع عدم ظهور بوادر حلّ كامل للازمة الرئاسية، لذلك quot;لم يعمد اصحاب هذه المكاتب، كما يقول رئيس النقابة العامة لسائقي السيارات العمومية مروان فياض، الى زيادة عدد زياراتهم، خصوصا مع الارتفاع المضطرد لاسعار المحروقات، واكتفوا بتأهيل ما هو موجود علّ الفترة المقبلة تحمل لهم خيراًquot;.
الساهرون والسهر
عقدت لمياء العزم على السهرليلة رأس السنة في احد المرابع الليلية مع مطربها المفضل فضل شاكر، منذ شهور عدة. وحرصت منذ بداية شهر كانون الاول على متابعة الاعلانات لمعرفة اماكن احيائه الحفلات بدون جدوى. وبالرغم من الجو العام غير المتحمس للسهر في لبنان، فلمياء واصدقاؤها لن يتوانوا عن السهر خارجا ليلة رأس السنة، مهما كانت الاحوال في البلاد، على حد قولها، للتنفيس عن الحالات العصيبة والضغط النفسي الذي عاشوه نتيجة الازمة السياسية الراهنة. وهذا هو ايضا حال جورج ورفاقه الذين عمدوا الى حجز شاليه في احد المرافق السياحية لقضاء ليلة رأس السنة على طريقتهم الخاصة، بعيدا من ضوضاء السياسة وضغوطها. وكذلك الامر بالنسبة الى نور التي تتولى التحضير لسهرة رأس السنة وتتابع الاعلانات عن الحفلات، لتحجز لها ولاصدقائها القادمين من الخارج، مكانا في احدى هذه السهرات.
عند دنيز ومادونا الوضع مختلف، فهما تفضلان هذا العام السهرات العائلية ومتابعة شاشات التلفاز على السهر خارج المنزل تحسبا لاي طارئ قد يحصل، خصوصا في ظل الاوضاع السياسية والاقتصادية الضاغطة. وتوافقهما الرأي منال التي تنوي جمع الاصحاب في منزلها ليلة رأس السنة للاحتفال بالسنة القادمة، quot;المهم الجَمعة وجو المودة الذي يسود بين الحاضرينquot; تقول منال التي تشير الى ان سهرها في المنزل سيتيح لاولادها الصغار الاستمتاع ايضا بعيدا من الاجراءات الامنية المشددة.
هذه الاجراءات هي التي ستمنع وفاء هذا العام من تمضية سهرة رأس السنة في الوسط التجاري كما اعتادت في السنوات السابقة، لكن كارلا تصر على تمضية سهرتها في الوسط هذا العام بعدما اشتاقت اليه كما تقول quot;صرلنا سنة غايبين عن البلد وصار لازم نرجع لاعادة الحياة اليه، خصوصا في فترة الاعيادquot;.
اذن سهرات هذا العام ستكون مختلفة عن السنوات الماضية، هذا ما يؤكده ايضا متعهدو الحفلات الذين تأخروا في الاعلان عن حفلات هذا العام، quot;لكن الوقت لم يفتquot; على حد تعبير الياس بو كرم، فبالتأكيد هناك حفلات كبرى ستقام في البلاد وسيتم الاعلان عنها قبل ايام من رأس السنة، لكن عددها لن يتجاوز اصابع اليد الواحدة، بعكس السنة الماضية نتيجة الاوضاع السياسية في البلاد، كما ان هناك عددا من الفنانين سيحيون الحفلات خارج لبنان، وقد ارتبطوا بعقود لحفلات ستقام في الخليج وتحديدا في دبي. اما في لبنان، فالحفلات سيحييها مطربون نجوم وصاعدون، اما الحجوزات وبالرغم من اتكال المتعهدين على الساهرين اللبنانيين، الا ان الوضع كله يبقى مرهونا باستتباب الاوضاع الامنية والسياسية في البلاد.















التعليقات