ناقشت مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران

quot; الرأي quot;

على الرغم من أن الرئيس أوباما قد أعلن من خلال برنامجه الانتخابي أنه سيتخذ من الحوار مع ايران وسيلة للحد من خطورتها على الأمن القومي الأميركي، الا أن هذا الحوار laquo;المنتظرraquo; يصطدم بعقبات ومشاكل تراكمت عبر عشرات الأعوام المنقضية والتي بذلت فيها واشنطن الجهود من أجل دفع ايران لتغيير سلوكها من خلال عزلها سياسياً واقتصادياً، هذه الجهود ليس فقط لم تؤت الثمار المرجوة منها بل إنها أيضاً خلقت حالة من عدم الثقة العميقة بين الطرفين.
الباحث المشارك في مؤسسة laquo;كارنيغي للسلامraquo; كريم سدجادبور يؤكد أنه على الرغم من أن الأمل بحل الخلاف بين طهران وواشنطن يبدو معدوماً الا أن ثمة مشكلات ذات اهتمام مشترك تشي بوجود مصالح متبادلة ومتقاطعة. وهو يرى أنه يمكن للولايات المتحدة أن تدعم بفاعلية أكبر الديموقراطية وحقوق الانسان في ايران اذا ما اتبعت سياسات تسهل عملية تحديث ايران واعادة دمجها في الاقتصاد العالمي بدل عرقلة هذا الدمج.
ويشدد الباحث في دراسته، التي صدرت عن laquo;مركز كارنيغي للسلامraquo; على أنه ينبغي على أوباما ألا يسعى الى الانخراط الفوري والشامل في الحوار مع طهران لأن ذلك يعزز حظوظ محمود أحمدي نجاد في اعادة انتخابه في يونيو 2009 كرئيس للجمهورية.
سدجادبور وهو باحث بارز في الشؤون الايرانية وعمل لمدة أربعة أعوام ككبير محللي الشأن الايراني في المجموعة الدولية للأزمات التي تتخذ من طهران وواشنطن مقراً لها، يؤكد من خلال تلك الخبرة أنه نظراً الى فقدان الثقة المعوق بين البلدين يتعين التفاوض حول مسائل ذات اهتمام مشترك لاعادة بناء هذه الثقة، كمسألتي العراق وأفغانستان مثلاً بدل التطرق الى أمور تكون المصلحة فيها قليلة أو معدومة، على غرار النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي والمسألة النووية. كما يحذر الباحث من أن هناك من في داخل ايران أو بين حلفائها العرب مصطادون أقوياء في الماء العكر ولهم مصالح اقتصادية وسياسية راسخة تدفعهم الى منع اتمام المصالحة الأميركية - الايرانية. كما يقول ان سجل التفاعل بين الولايات المتحدة وايران يكشف أن النقاشات السرية أو الخاصة بعيداً عن أعين الجمهور تتضمن نسب نجاح أكبر، لأن بناء الثقة علناً سيكون صعباً بما أن كلا الطرفين سيشعران بالحاجة الى استعمال خطاب قاسٍ للحفاظ على المظاهر.
وهذا نص الدراسة:
ستواجه ادارة الرئيس اوباما تحديا اساسيا في رسم سياسة فعّالة ازاء ايران. والجدل الدائر منذ زمن حول ما إذا كان يجب التعاطي مع ايران بجانب المصالح الطبيعية لاميركا. ايران جزء لا يتجزأ من ست مسائل ذات اهمية قصوى بالنسبة إلى الولايات المتحدة وهي: مستقبل العراق، وافغانستان، والسلام العربي - الاسرائيلي، والانتشار النووي، والارهاب، وأمن الطاقة، وبالتالي، مواصلة استبعاد ايران لن يفيد ايا من هذه المسائل، كما ان الهجوم عليها سيزيد هذه المسائل تفاقما. لا يكمن السؤال المفيد فيما إذا كان يجب الحوار مع ايران، بل في كيفية التحدث اليها.
ان بقاء ايران كمشكلة امن قومي اميركي لهو اثبات على ان الجهود المديدة التي بذلتها واشنطن لعشرات الاعوام من اجل تغيير سلوك طهران من خلال عزلها سياسيا واقتصاديا، لم تؤت ثمارها. فبعد ثلاثين عاما تقريبا على ثورة العام 1979، لاتزال ايران في نظر وزارة الخارجية الاميركية الدولة laquo;الاكثر نشاطاraquo; في رعايتها للارهاب والاشد حماسة في معارضتها لوجود دولة اسرائيل، هذا مع سيرها قدما في اتجاه تحقيق طموحاتها النووية وممارسة القمع ضد شعبها. وقد عملت ادارة الرئيس جورج دبليو بوش، اكثر من اي ادارة اميركية سابقة، على مضاعفة جهودها لمواجهة النفوذ الاقليمي لايران واضعاف حكومتها. ومع ذلك، النفوذ الدولي لايران اليوم بات اكبر من اي يوم مضى، والمتشددون احتكروا فعليا السلطة فيها.
الحوار مع طهران لن يكون تنازلا ولا قبولا بسلوكها المثير للقلق، كما انه لا يستبعد بذل جهود اميركية متزامنة لمواجهة نفوذها وسياساتها المدمرة. ثم ان الحوار لا يعني ان على واشنطن ان تختار التعاطي مع النظام على حساب الشعب الايراني. تستطيع الولايات المتحدة ان تعزز الديموقراطية وحقوق الانسان بفاعلية اكبر متوسلة سياسات تسهّل عملية تحديث ايران ودمجها في الاقتصاد العالمي بدل عرقلة ذلك، اضافة إلى ذلك، ليس ثمة بدائل على المدى القصير. فالجمهورية الاسلامية ليست على شفير الانهيار والانتفاضة السياسية المفاجئة قد تسفر عن نتائج اسوأ من الوضع الراهن، لان المجموعات المسلحة الوحيدة والمنظمة في ايران اليوم هي الحرس الثوري الاسلامي، وميليشيات laquo;الباسيجraquo;.
على الرغم من ان النزعة العدائية وفقدان الثقة المتبادلين قد بلغا مستويات خطرة، الا ان المفارقة ان الاصوات التي تدعو إلى قيام حوار بين الولايات المتحدة وايران في كل من العاصمتين، لم تكن يوما اكثر مما هي عليه اليوم. ففي طهران، يبدو ان الحرم طويل الامد المتعلق بالحوار مع اميركا قد تهاوى، وقبل خمسة اعوام فقط، كان الايرانيون يتعرضون إلى السجن اذا ما حبذوا الحوار مع الولايات المتحدة، اما اليوم فقد اجاز المرشد الاعلى للثورة الايرانية آية الله علي خامنئي هذا الامر علنا. وفي واشنطن، ثمة اعتراف متزايد لدى الحزبين laquo;الجمهوريraquo; وlaquo;الديموقراطيraquo; بان عزل ايران لم يعد عملا يتسم بالحذاقة، تحديدا بسبب طموحات ايران النووية المقلقة وايضا بسبب نفوذها الكبير بشكل غير مألوف في الشرط الاوسط.
الخطوات الاولى التي ستنتهجها الادارة الاميركية المقبلة تجاه ايران ستكون حاسمة لانها ستحدد نوعية العلاقة على امتداد الاعوام الاربعة المقبلة. وكما دل التاريخ الحديث، اي مقاربة تركز وحسب على معاقبة طهران وعلى اضعافها ستكون افضل ضمان لدفع ايران إلى انتهاج سياسات معادية تهدف إلى موازنة نفوذ الولايات المتحدة. يتعين على الادارة الجديدة. بدلا من ذلك، ان تصيغ استراتيجية شاملة تهدف في آن إلى دفع السياسات الايرانية نحو الاعتدال وإلى توفير بيئة خصبة من اجل الاصلاح السياسي في طهران. الحوار مع ايران هو الخطوة الاولى في هذه الاستراتيجية.
المصالح المشتركة...
ونقاط الخلاف
يتعين على الادارة الاميركية المقبلة ان تحاول الاجابة عن سؤالين اساسيين: الاول، هل يعود سبب السياسات الايرانية الخارجية المرفوضة إلى وجود حال عداء ايديولوجي ايراني قاطع ومانع لاميركا، ام ان هذه السياسات تترسخ بسبب سياسة العقوبات التي تنتهجها اميركا ازاء ايران، والسؤال الثاني، هل بامكان مقاربة اميركية مغايرة ان تستدرج ردا ايرانيا ايجابيا؟
على الرغم من ان طهران وواشنطن تبدوان في حال نزاع لا امل بحله، الا ان مسحا للمسائل ذات الاهتمام المشترك الواسع بين البلدين، وهي العراق وافغانستان والانتشار النووي والنزاع العربي- الاسرائيلي والطاقة والارهاب، يشير إلى كونهما تقفان على ارض مشتركة اكثر مما يبدو للوهلة الاولى. (راجع الجدول الأول).
العراق
صحيح ان المصالح الاميركية والايرانية في العراق غير متطابقة حتما، الا ان واشنطن لديها مصالح متقاطعة مع طهران في العراق اكثر من اي من جيران العراق الآخرين.
الاستقرار. المذابح وعدم الاستقرار يوفران ارضا خصبة للمجموعات السلفية المتطرفة التي تعارض بعنف اميركا وايران والنفوذ الشيعي، على غرار تنظيم laquo;القاعدةraquo;. كما ان تحول العراق إلى دولة فاشلة سيؤدي على الارجح إلى تدفق موجات من اللاجئين العراقيين إلى ايران.
وحدة الاراضي. ان النتائج المترتبة على تقسيم العراق، وبالتحديد قيام دولة كردستان العراقية المستقلة، ستشكل خطرا داهما على ايران التي لديها بدورها كتلة كردية ساخطة. وفي الوقت نفسه، تستطيع واشنطن وطهران التعايش مع درجة من الحكم الذاتي الكردي.
الانسجام الطائفي. نظرا إلى مسعى ايران لان تكون الطليعة في شرق اوسط غالبيته من العرب السنة، سيكون استعراض القوة الشيعية واثارة الاضطرابات الطائفية او تجييش غضب السنة في المنطقة مضرا بمصالحها.
الديموقراطية. نظرا إلى ان الغالبية الشيعية في العراق، تشعر ايران بان الانتخابات ستعزز مصالحها. وفي المقابل، الخوف من سيطرة الشيعة على بغداد يجعل حلفاء الولايات المتحدة، على غرار السعودية والاردن والكويت، اقل دعما لقيام نظام ديموقراطي في العراق بالمقارنة مع طهران.
على الرغم من وجود هذه المصالح المتقاطعة، الا ان دور ايران في العراق كان متسما بانفصام الشخصية (الشيزوفرينيا) في احسن الاحوال، والشائن في اسوئها. ونظرا إلى الوضع المبهم الذي ساد العراق في فترة ما بعد الحرب، والطريقة الخفية التي تعمل فيها ايران عبر وكلائها العراقيين، لا يمكننا ان نعرف الحجم الدقيق للانغماس الايراني في الشأن العراقي.
ومع ذلك، كان المسؤولون العسكريون الاميركيون ومعهم المسؤولون العراقيون يوجهون اصابع الاتهام في شكل منتظم إلى طهران بانها تمول وتسلح وتدرب مجموعات ميليشيوية، على غرار تيار مقتدى الصدر وجيش المهدي، وتقوم باستهداف كل من الجنود الاميركيين والمدنيين العراقيين.
من وجهة نظر طهران، بما ان احد الاهداف المعلنة لواشنطن من الحرب على العراق كان تغيير الثقافة السياسية في الشرط الاوسط، لم يكن لديها اي سبب لتعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة او لان يكون دورها خفيضا في العراق. على العكس من ذلك، اعتقدت طهران ان واشنطن تسعى إلى اقامة نظام في بغداد يكون دمية في يد الاميركيين فيتعاطف مع اسرائيل ويعادي ايران، وانه ليس مستبعدا بعدها ان تمدد واشنطن طموحاتها لتغيير الانظمة شرق لتصل إلى طهران. لهذا السبب شعرت ايران بدافع لتلقين اميركا درسا قاسيا في العراق ولتؤمن لحلفائها في الوقت ذاته مواقع آمنة في السلطة.
بيد ان مقاربة اميركية مختلفة قد تقنع طهران بالتعاون مع الولايات المتحدة في العراق بدل العمل ضدها. ويعترف المسؤولون الايرانيون، في مجالسهم الخاصة بان للبلدين مصالح مشتركة في العراق. وهذا الامر لا يتطلب سحب القوات الاميركية بالكامل، لكنه يستوجب تغييرا في طبيعة العلاقة بين البلدين، لا يمكن للحوار الاميركي - الايراني حول العراق ان ينجح في سياق علاقة الخصومة الحادة القائمة الآن.
استمرار العداء قد يدفع التنافس الاميركي- الايراني في العراق إلى الدوران في حلقة مفرغة لاعوام عدة مقبلة، فتواصل ايران اعتبار الوجود العسكري في العراق خطرا يهدد امنها القومي وتجد من مصلحتها، بالتالي، خلق المتاعب لواشنطن. وفي المقابل، استمرار ايران على موقفها في اثارة الاضطرابات سيجعل من الصعب على الادارة الاميركية سحب قواتها بالكامل من العراق، خوفا من تسليم البلاد إلى ايران.
أفغانستان
الامر يبدو مماثلا في افغانستان، حيث لواشنطن مصالح مشتركة مع ايران اكثر مما لديها مع حليفتيها باكستان والسعودية.
الاستقرار واعادة البناء الاقتصادي. بعد ان استقبلت طهران اكثر من مليوني لاجئ افغاني، لا يمكنها ان تجني اي مكاسب من استمرار النزاع في افغانستان. وهي سعت إلى لعب دور بارز في اعادة بناء البلاد فحلت بين الدول العشر الاول المانحة للمساعدات لافغانستان.
مكافحة المخدرات. تحتل ايران واحدة من اعلى معدلات تعطاي المخدرات في العالم، وهي لذلك سنت قانونا صارما ضد تعاطيها، وابدت حرصا شديدا على مكافحة الاتجار بالمخدرات على طول حدودها مع افغانستان.
دعم حكومة قرضاي. لم تتخل ايران عن دعمها لحلفاء آخرين في افغانستان، لكنها دعمت حكومة قرضاي ايضا وتعهدت مرارا بالتعاون معها في مجالي الامن والاقتصاد.
مجابهة laquo;حركة طالبانraquo;. كادت ايران تخوض حربا ضد حركة طالبان المعادية للشيعة في العام 1998، وقدمت الدعم إلى التحالف الشمالي قبل وقت طويل من احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
ومع ذلك، وكما في مقاربتها للوضع في العراق من حيث العمل على افشال الولايات المتحدة، كان سلوك طهران ازاء افغانستان يتسم بانفصام الشخصية (الشيزوفيرينيا) ويتناقض احيانا مع مصالحها القومية. ففيما كان المسؤولون الايراينيون يعربون عن دعمهم لحكومة قرضاي، كانت برامج الاذاعة الايرانية الرسمية تصفه بانه laquo;دمية بين يدي الولايات المتحدةraquo;، والاكثر مدعاة للقلق في هذا المجال، كانت الادعاءات واسعة النطاق لوكالات الاستخبارات الاميركية والاوروبية التي افادت ان ايران وفرت الاسلحة لـ laquo;عدو عدوهاraquo; اي laquo;حركة طالبانraquo;.
لكن في سياق علاقة افضل بين الولايات المتحدة وايران، تمثل افغانستان ارضا اكثر خصوبة حتى من العراق للتعاون بين الطرفين. وطبقا لما يقوله مسؤولون اميركيون عملوا في شكل وثيق مع نظرائهم الايرانيين في افغانستان، فقد لعبت ايران دورا حاسما في المساعدة على لم شمل حكومة افغانستان وجيشها في مرحلة ما بعد طالبان. ثم ان دورا ايرانيا اكبر قد يشكل من المنظور الاميركي عاملا مهما في تقليص النفوذ الباكستاني وتحجيم الدور المتنامي لحركة طالبان.
الانتشار النووي
تبقى حقيقة الطموحات النووية الايرانية مبهمة خارج اطار مجموعة صغيرة من صناع القرار النووي في طهران، الامر الذي يطرح تساؤلات من نوع: هل القيادة الدينية في البلاد عازمة على حيازة الاسلحة النووية لتسيطر على الشرق الاوسط وتهدد اسرائيل، ام ان ايران دولة مكشوفة امام المخاطر اسيء فهمها، وتدفعها الحاجة إلى حماية نفسها من جيران غير مستقرين وحكومة اميركية تناصبها العداء، ام انها تطوّر برنامجها النووي كي تكتسب قوة ازاء الولايات المتحدة؟
على الرغم من ان الاحساس بالتهديد وعوامل الجغرافيا السياسية والشعور بالفخار القومي تشكل جميعها اوجها مهمة من الطموحات النووية الايرانية، الا ان المشكلة النووية تشكل مظهرا من مظاهر فقدان الثقة العميق بين واشنطن وطهران اكثر مما هي سبب التوتر بينهما. فالولايات المتحدة لا تثق بان نوايا ايران سلمية وتعتقد انه في ضوء غياب الشفافية في طهران ازاء المسألة النووية والعداء الذي تكنه هذه الاخيرة لاسرائيل ودعمها للمجموعات المتطرفة، لا يجب ان يسمح لها بتخصيب اليورانيوم (وهي العملية المطلوبة سواء في برنامج مدني للطاقة الذرية او في برنامج للتسلح على حد سواء). وبالمثل، تسود في ايران قناعة بان واشنطن تستخدم المسألة النووية كذريعة لعرقلة التقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي والاستقلال السياسي لايران.
لن تجد المشكلة النووية حلا كاملا لها من دون تسوية ديبلوماسية اوسع بين الطرفين تصل بموجبها الولايات المتحدة إلى تعايش مع ايران وتقوم هذه الاخيرة بالتوقف عن مناصبة اسرائيل العداء. واذا كان ثمة هدف مشترك بين البلدين فهو تجنب سباق تسلح نووي في الشرق الاوسط.
النزاع العربي- الإسرائيلي
يعتبر موقف طهران من اسرائيل العائق الاكبر امام تحسن العلاقات الاميريكية - الايرانية. وعلى الرغم من ان القادة الايرانيين تحدثوا احيانا في شكل ايجابي عن امكانية قيام علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة، الا ان رفض طهران العلني للدولة اليهودية منذ نجاح الثورة الايرانية كان على الدوام عنيفا لا لبس فيه.
تقوم السياسة الايرانية على دعم المقاومة المسلحة كمقدمة لـlaquo;استفتاء شعبيraquo;. واذ تعتبر طهران ان laquo;الصهاينة لم ينسحبوا ولو من متر مربع واحد من الاراضي المحتلة نتيجة laquo;التفاوضraquo;، فهي تدعم علنا مجموعات متشددة كحركة laquo;حماسraquo; وlaquo;الجهاد السلاميraquo;، لكن، بدل ان تسعى إلى تدمير اسرائيل عمليا، تقترح ايران سيناريو يمنح بموجبه كل سكان اسرائيل والاراضي المحتلة، سواء اكوانوا يهودا او مسلمين او مسيحيين، حق التصويت لتحديد مستقبل البلاد. وبما ان الفلسطينيين، بمن فيهم سكان مخيمات اللاجئين، يشكلون الأغلبية السكانية، فإن ايران تعتقد ان الاستفتاء الشعبي سيؤدي إلى الانحلال السياسي للدولة اليهودية.
ولذا، حتى في حال التقدم بمقاربة اميركية جديدة ازاء طهران، سيكون ضربا من اللاواقعية التفكير بحمل هذه الاخيرة على الاعتراف باسرائيل. ومع هذا، ونظرا إلى ان قادة طهران قد قالوا بوضوح دوما انهم سيقبلون اي حل يوافق عليه الفلسطينيون انفسهم، فإن ايران ليست في حاجة إلى اقامة علاقات مع اسرائيل او إلى لعب دور متعاون في عملية السلام. انها تحتاج فقط إلى الامتناع عن لعب دور المعيق والمعرقل.
اذا ما حظي الحوار الفلسطيني - الاسرائيلي وبموازاته الحوار الاميركي - الايراني بادارة حاذقة، فإن من شأن هذين الحوارين ان يخلقا فرص نجاح جديدة على كل من المسارين يغذي بعضهما البعض.
وكما ان التقدم نحو السلام بين اسرائيل والفلسطينيين سيتم بموافقة ايرانية على الارجح، فإن آفاق الحل الديبلوماسي بين الولايات المتحدة وايران ستتعزز اذا ما احرز تقدم على جبهة الحل القائم على دولتين وعلى انهاء الاحتلال.
يتعين على الادارة الاميركية المقبلة ان تجسد في سلوكياتها وضعية القوة العظمى وكرامتها. والحال ان اي خطاب اميركي معاد سيوفر للقيادة الايرانية الذريعة لتصوير الولايات المتحدة على انها المعتدي، سواء اكان ذلك على المستوى العالمي او الداخلي، فتعفي بذلك نفسها من مسؤولية العزلة التي تفرضها هي على نفسها بنفسها، وايضا من مسؤوليتها عن تشوه سمعتها عالميا.
الطاقة
اهمية ايران واضحة تماما بالنسبة إلى سوق الطاقة العالمية نظرا إلى امتلاكها ثاني اكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في العالم. ومع هذا ثمة مجموعة من العوامل، كسوء الادارة والعقوبات والتوتر السياسي، تسببت في سوء اداء ايراني متواصل في مجال الطاقة. فانتاجها من النفط الذي يبلغ نحو 4.2 مليون برميل في اليوم، اقل بكثير من الستة ملايين برميل التي كانت تنتجها قبل الثورة. وعلى الرغم من انها تمتلك 15 في المئة من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي، الا ان انتاجها منه لا يتعدى 2 في المئة من الانتاج العالمي.
ان علاقة اميركية - ايرانية في مجال الطاقة ستكون في مصلحة الطرفين، وقد يخفض التعاون في مجال الطاقة بين البلدين من قيمة مبالغ التأمين على المخاطر المتضمنة حاليا في سعر النفط. كما ان رفع وتائر الانتاج النفطي الايراني في السوق سيؤثر على الارجح في خفض الاسعار، اضف إلى ذلك ان تطوير الاحتياطي الوطني الايراني من الغاز وانابيبه سيضعف من نفوذ روسيا الراهن على أوروبا.
من وجهة النظر الايرانية، ثمة ضرورات اقتصادية تدفع إلى تدشين علاقة مع الولايات المتحدة في مجال الطاقة، فنظرا إلى تراكم عوامل عدة منها الوقود المدعوم بكثافة من الدولة وارتفاع معدلات الاستهلاك المحلي ومراوحة الانتاج مكانه او حتى انخفاضه نتيجة تدهور البنى التحتية، قد تصبح ايران يوما من مستوردي النفط بالكامل.
قد يدفع وضع كهذا ايران إلى اتخاذ قرارات مؤلمة. وقد يضطر النظام إلى وقف الدعم عن الوقود، وهذا في حد ذاته صعب نظرا لبرنامج النظام الاقتصادي الشعبوي، او انه سيحتاج إلى تغيير سياساته ليبدأ بجذب الاستثمارات الخارجية بدل تنفيرها. وربما يضطر كذلك إلى اتخاذ هذين الاجراءين معا. في هذا السياق، لن تقدر بثمن اهمية الاستثمارات الاجنبية الخارجية والخبرة التقنية المتوافرة لدى الشركات الاميركية في مجال الطاقة، وهي شركات يُحظر عليها حاليا التعامل مع ايران.
الإرهاب
قبعت ايران لاكثر من عشرة اعوام على رأس قائمة وزارة الخارجية الاميركية بوصفها laquo;دولة راعية للارهابraquo; اساسا بسبب الدعم الذي تقدمه إلى laquo;حزب اللهraquo; اللبناني وحركتي laquo;حماسraquo; وlaquo;الجهاد الاسلاميraquo; الفلسطينيتين. وفي غياب تسوية للنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي او تسوية ديبلوماسية بين الولايات المتحدة وايران. فإن هذا الدعم سيستمر على الارجح. فالايرانيون لا يعتبرون laquo;حماسraquo; وlaquo;حزب اللهraquo; مجموعات ارهابية بل هي بالنسبة اليهم منظمات تناضل من اجل الحرية وتمتلك الشرعية والدعم اللذين يوفرهما لهما شعباهما.
لكن في الوقت ذاته، تمتلك ايران والولايات المتحدة عدوا مشتركا. وهو الجماعات السلفية المعادية للشيعة، على غرار تنظيم laquo;القاعدةraquo;. والتي تهدد الامن القومي الاميركي اكثر بكثير مما تفعل laquo;حماسraquo; او laquo;حزب اللهraquo;. وبما ان ايران تخشى اشعال فتيل التوتر الطائفي. فانها لن تتخذ موقفا علنيا ضد تنظيم laquo;القاعدةraquo; لكنها قد تكون شريكا صامتا لمنع تفاقم نفوذه في اماكن مثل العراق ولبنان وافغانستان.
يتعين ان تتبنى الادارة الاميركية المقبلة سبعة توجيهات عند قيامها بوضع خطة للتحاور مع ايران. إذا ما ارادت تحسين حظوظ نجاح هذه العملية، فلندرس باختصار كل منها.
اختيار الوقت المناسب
لن يكون مفيدا لرئيس الولايات المتحدة ان يسعى فورا إلى الانخراط في حوار شامل مع ايران، لان ذلك سيزيد حظوظ محمود احمدي نجاد في عادة انتخابه خلال الانتخابات الرئاسية الايرانية التي ستجرى في يونيو 2009. واذا كان ثمة امر اثبتته ولاية نجاد فهو ان لمؤسسة الرئاسة في ايران قوة حقيقية ونفوذاً ومسؤوليات، فمنذ بداية عهده في اغسطس 2005، استخدم نجاد نفوذه ليعزز الممارسات الايرانية الخارجية المرفوضة بينما قلص من الحريات السياسية والاجتماعية على الصعيد الداخلي واهمل بشكل فاضح حقوق الانسان. وعلى الرغم من ان اعادة انتخاب نجاد لا تستبعد كليا امكانية تحقيق اختراق ديبلوماسي اميركي - ايراني، الا ان هذا الامر سيكون اكثر صعوبة.
توخيا للوضوح نقول انه حتى من دون انفتاح اميركي كبير ثمة امكانية معقولة لتجديد رئاسة احمدي نجاد. وهذا سببه ان المزيج من الجمود السياسي والاعتياد الشعبي قد ساعد من يتولون المناصب في ايران على النجاح في كل انتخابات رئاسية تشرحوا اليها. والاهم ان الانتخابات (او بتعبير ادق الانتقاء) في ايران ليست حرة ولامفتوحة، وهي تتأثر بقوة برغبات المرشد الاعلى آية الله علي خامنئي الذي دعم بشكل عام نجاد.
ومع ذلك تظل هزيمة احمدي نجاد في العام 2009 احتمالا واردا تماما مثلما صدم نجاحه في العام 2005 اكثر المراقبين تمرسا. لكن نظرا إلى سوء الادارة الكبير الذي مارسه في المجال الاقتصادي، سيكون من الصعب عليه خوض الانتخابات وفق شعارات العدالة الاقتصادية والشعارات الشعبوية الاخرى التي حملته إلى السلطة في العام 2005. قد يشكل انفتاح كبير على ايران من جانب الولايات المتحدة قبيل الانتخابات انقاذا لاسلوبه في الادارة فيزيد من شعبيته، سواء في عيون الناس او بالنسبة إلى النخبة السياسية وبالاخص خامنئي. ولذا، يستحسن ان تبدأ واشنطن بحوار حذر ومحدود مع طهران حتى يونيو 2009، حين سيكون الوضع الداخلي الايراني اكثر وضوحا.
ونظرا إلى اتساع هوة انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، سيكون من الاسهل بناء هذه الثقة عبر بدء التفاوض حول المسائل ذات الاهتمام المشترك نسبيا على غرار العراق وافغانستان، بدل التفاوض على مسائل لا تتضمن اهتماما مشتركا او القليل منه، مثل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي او المشكلة النووية، ومع ارساء نبرة وسياق جديدين للعلاقة، يجب ان تسعى الادارة الاميركية المقبلة إلى مواصلة النقاش الذي بدأته ادارة بوش مع ايران في بغداد، مع فتح قناة محادثات مماثلة من النقاش معها في كابول. يجب على واشنطن ان توضح لطهران بان الولايات المتحدة مهتمة باحداث تغيير اساسي في علاقتها معها، لكن اي تقدم في هذه المحادثات سيكون ضروريا لتوسيعها تدريجيا وبهدوء حتى تشمل مجالات الخلاف الاوسع.
التعامل مع من يمسكون بزمام السلطة
صحيح انه من الصعب تحديد لماذا وكيف تتخذ القرارات المهمة في طهران، الا ان على الولايات المتحدة التعامل مع من يمسكون بزمام السلطة. آية الله خامنئي هو بلا جدال الرجل الاقوى. قد لا يتخذ خامنئي القرارات بمفرده، ولكن ما من قرار مهم يمكن اتخاذه من دون موافقته، وبصفته مرشدا أعلى للثورة الايرانية، يمتلك خامنئي سلطة على اهم مؤسسات الدولة، وبالتحديد المواقع القضائية والعسكرية والاعلامية، كما يسيطر فعليا على ثاني اهم مؤسسة في البلاد وهي مجلس الاوصياء المكّون من اثني عشر عضوا يعينهم هو بالكامل، اما مباشرة واما بشكل غير مباشر، ويملكون سلطة التدقيق في كل مرشح انتخابي ونقض اي قرار يتخذه البرلمان.
تضافرت عوامل عدة لتجعل من خامنئي في موقع اقوى من اي وقت مضى. فعلى الصعيد الخارجي، جاء ارتفاع اسعار النفط وزيادة النفوذ الايراني في العراق ولبنان وفلسطين ليعطيه، ومعه المتشددون الايرانيون ثقة مستجدة، وعلى الصعيد الداخلي، تخضع اهم مؤسسات البلاد، وهي الحرس الثوري ومجلس الاوصياء والرئاسة والبرلمان إلى قيادة اشخاص اما عينهم خامنئي مباشرة اوهم يكّنون له احتراما شديدا. لهذا السبب، سيتطلب الحوار الناجح مع طهران قناة اتصال مباشرة مع مكتب المرشد الاعلى، على غرار وزير الخارجية السابق علي اكبر ولايتي احد اهم مستشاري خامنئي في مجال السياسة الخارجية، او حتى، على نحو مثالي، مع المرشد نفسه.
لطالما اعتقد خامنئي ان موقع ايران الاستراتيجي ومواردها من الطاقة ثمينة جدا بالنسبة إلى واشنطن ما يجعلها غير قادرة على السماح بان تكون ايران تحت سيطرة حكومة اسلامية مستقلة الرأي، ولذا، تصبو واشنطن إلى العودة مجددا إلى علاقة laquo;السيد/التابعraquo; التي طبعت حكم الشاه. يجب ان يقتنع خامنئي بان واشنطن مستعدة لاحترام الجمهورية الاسلامية والاعتراف بشرعيتها، كما يجب ان يتخلى عن قناعته بان السياسة الاميركية تسعى إلى احداث تغيير في النظام وليس التفاوض حول تغيير سلوكه، كما انه لن يقبل ابدا باي ترتيب تتراجع بموجبه ايران علنا او تعترف بهزيمتها، ولا يمكن اجباره على الرضوخ إلى تسويات عبر ممارسة الضغوط عليه وحسب. فإلى جانب مسألة الحفاظ على ماء الوجه، يؤمن خامنئي بعمق ان اي رضوخ للضغوط سيكون غير مثمر لانه يعكس ضعفا ويشجع على ممارسة مزيد من الضغوط.
التحدث بلطف
على الرغم من ان التهديد باستخدام العنف ضد ايران قد اصبح وسيلة للسياسيين الاميركيين كي يظهروا شديدي البأس على مستوى الامن القومي، فقد تبين خلال الاعوام الخمسة المنصرمة ان هذا الخطاب زاد من قوة المتشددين الايرانيين وعزز موقع ايران في شوارع القاهرة وعمان وحتى في جاكارتا، بوصفها البلد الاسلامي الوحيد الشجاع والمناهض للامبريالية في العالم والذي لا يخشى البوح بالحقيقة في وجه القوة. اضافة الى ذلك، حينما تقفز أسعار النفط مع كل تهديد يطلق ضد ايران، يصبح برنامج ايران النووي ورعايتها المالية لحزب الله وحماس أقل كلفة.
في كل الخطب الحماسية الاسبوعية التي تجلجل بشعار laquo;الموت لاميركاraquo;، تبدو الحكومة الايرانية متواطئة في هذه السجالات العدائية، ومع ذلك، ينبغي ألا تبني الولايات المتحدة صرح توجهاتها على شعائر نظام فاقد للامن وقمعي وغير ديموقراطي، وعوضا عن ان تبادل هذا النظام التهديدات والشتائم، يتعين على الادارة الاميركية المقبلة ان تأخذ وضعية القوة العظمى وتحافظ على كرامة هذه القوة، والحال ان أي خطاب اميركي معاد سيوفر للقيادة الايرانية ذريعة تصوير الولايات المتحدة على انها المعتدي، سواء أكان ذلك على المستوى العالمي او الداخلي، فتعفي بذلك نفسها من مسؤولية العزلة التي تفرضها على نفسها بنفسها، وأيضا من مسؤولياتها عن تشوه سمعتها عالمياً.
لا تدعوا المعرقلين يحددون
قواعد اللعبة
على الرغم من صغر حجم الزمر القوية سواء في الداخل الايراني او بين حلفاء ايران العرب، الا ان لدى هذه الزمر مصالح اقتصادية وسياسية عميقة تدفعها الى العمل للحؤول دون تحقيق المصالحة الاميركية - الايرانية، فعلى الصعيد الداخلي الايراني، يدرك هؤلاء اللاعبون بأن من شأن علاقات ايرانية افضل مع واشنطن ان تقود الى اصلاحات وتنافسات قد تهدد الاحتكارات شبه التامة التي يتمتعون بها والتي توفرها حالة العزلة المفروضة على البلاد.
بين حلفاء ايران العرب على غرار laquo;حزب اللهraquo; وlaquo;حماسraquo;، قد تعني امكانية الوفاق بين الولايات المتحدة وايران بداية النهاية لمصدر تمويلهم الرئيس، لهذا السبب، حين يبدأ الحوار الجدي بين الطرفين، هذا ان بدأ، سيحاول المعرقلون نسفه، وسيتبعون تكتيكات متنوعة في هذا الصدد، فقد يصدرون بيانات لاهبة، وقد يستهدفون جنودا اميركيين ومصالح أميركية في العراق أو افغانستان، أو قد يكشفون عن شحنة أسلحة آتية من ايران تكتشف وهي في طريقها الى جنوب لبنان او قطاع غزة بهدف ترك بصمات من شأنها نسف اي فرصة للتقدم الديبلوماسي.
على الرغم من ان المحافظة على المسار سيتطلب ثمنا باهظا من جانب كل القيادات الشخصية والرأسمال السياسي، إلا ان اي تراجع من واشنطن عن عملية بناء الثقة مع طهران ردا على عمل عدواني يقوم به المعرقلون، سيعني ان هؤلاء قد حققوا هدفهم.
استعينوا بالكتمان
حينما ننظر الى سجل التفاعل بين الولايات المتحدة وايران، نكتشف ان النقاشات laquo;السريةraquo; أو laquo;الخاصةraquo; بعيدا عن سمع الجمهور وبصره تتضمن فرص نجاح أكبر، فبناء الثقة علنا سيكون أمرا شاقا بما ان السياسيين من الطرفين سيشعرون بالحاجة الى استعمال خطاب قاس للحفاظ على المظاهر، كما ان امكانية نجاح المصطادين في الماء العكر في نسف العملية سواء بالقول او الفعل، ستكون محدودة ان هم كانوا يجهلون ما يجري.
واذ تعترف طهران بأن تأثيرها الاقليمي ينبع الى حد بعيد من تحديها الولايات المتحدة، فانها ستفضل على الارجح عدم الكشف عن المحادثات الا حين تحقيق تقدم حقيقي.
المحافظة على مقاربة دولية
تملك الولايات المتحدة، أكثر من أي لاعب آخر، القدرة على التأثير في السلوك الايراني، سواء في الاتجاه الافضل أو الأسوأ، ويجب عليها ان تسعى الى الحفاظ على قدر الامكان على مقاربة متعددة لاطراف ازاء ايران، خاصة في ما يتعلق بالمسألة النووية، وايران، كما العراق في عهد صدام حسين، شديدة المهارة في اكتشاف التصدعات واستغلالها في المجتمع الدولي، اضافة الى ذلك، اذا ما استخدمت الدول الاساسية مقاربة ذات خطوط حمراء متنافسة، فان الجهود الديبلوماسية للسيطرة على طموحات طهران النووية ستتبدد هباء منثورا.
لذا، تعتبر المقاربة المشتركة بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة واجبة الوجود، ونظرا الى تباين المصالح القومية، قد لا يكون اصطفاف الصين وروسيا وراء الموقف الاميركي ممكنا، علما ان لروسيا مصلحة في تجنب بروز ايران مدججة بالاسلحة النووية تقع هي (روسيا) ضمن مداها الصاروخي، ان قيام الولايات المتحدة بجهد أكبر للحوار مع طهران سيهدئ من روع القلق الدولي حول النوايا الاميركية وسيبعث باشارة الى الاتحاد الاوروبي الى موسكو وبكين بأن الولايات المتحدة عازمة جديا على التوصل الى حل ديبلوماسي لهذا النزااع، وهذا أمر من شأنه ان يزيد التكتل قوة مع الوقت.
ما الهدف الواقعي من الحوار؟
يتسلم الرئيس الأميركي اوباما منصبه في الوقت نفسه تقريبا الذي ستحتفل فيه الثورة الايرانية بعيدها الثلاثين، ونظرا الى تراكم ثلاثة عقود من فقدان الثقة المترافق مع سوء الارادة، لن تكون نتائج أي عملية حوار سريعة، اذ ان حالة عداء كهذه لن تتلاشى بعد اجتماع أو اثنين أو حتى بعد العديد من الاجتماعات، سيكون الايقاع في البداية شديد البطء على الارجح، اذ ان كل طرف سيود التأكد من حسن نوايا الآخر، كما انه نظرا الى النتائج الهائلة التي سيفضي اليها تبدل العلاقة مع واشنطن بالنسبة الى مستقبل الجمهورية الاسلامية، سيكون ثمة مجموعة من الأسباب التي ستحول دون حصد ثمار في البداية مهما كانت محاولات اميركا صادقة ودؤوبة.
على المستوى البنيوي، ستعمل الطموحات المتنافسة لدى مختلف الاطراف والمؤسسات في طهران على جعل النظام عاجزا عن التوصل الى اتفاق داخلي يمكن ان يقطع مع الماضي. وبسبب تعدد الاجنحة هذا، كانت الجمهورية الاسلامية تميل تاريخيا إلى اتخاذ قراراتها الصعبة تحت الضغط وحسب، واليوم، وبعد ان سكر المتشددون بخمر موقعهم المكتسب حديثا، قد لا يجدون أنفسهم مدفوعين للتوص الى أي حلول وسط، جمود السياسات والشعارات المترسخة قد تنتصر، مهما بلغت جودة الجهود التي تبذلها واشنطن.
قد يعتبر المتشددون في ايران، وربما خامنئي من بينهم، ان المصالحة مع واشنطن تهدد مصالحهم وحتى بقاءهم في السلطة نظرا الى التغيرات الداخلية غير المتوقعة التي قد تتسبب بها، وتشير كتابات خامنئي وخطبه الى انه يتفق مع محللين غربيين يؤكدون ان انفتاح ايران على الولايات المتحدة قد يدفع نحو اصلاحات ثقافية وسياسية واقتصادية واسعة. فما عساه يبقى من الاسس الايديولوجية لدى الجمهورية الاسلامية ان هي تخلت عن معارضتها للولايات المتحدة واسرائيل وهما الركيزتان الايديولوجيتان الاساسيتان الباقيتان من أصل ثلاث (الثالثة هي الحجاب الالزامي للنساء)؟
لكن في الوقت نفسه، سيكون الرفض المباشر لأي انفتاح أميركي مكلفا بالنسبة الى القيادة الايرانية، فثمة وراء الكواليس قسم لا بأس به من النخب السياسية والعسكرية في البلاد تعترف بأن ثقافة laquo;الموت لاميركاraquo; التي ولدت في العام 1979 لم تعد بناءة اليوم، كما انها تعرف أنه على الرغم من موارد ايران الطبيعية والبشرية الكبيرة، الا انها لن تتمكن أبدا من تحقيق كامل قدراتها طالما ان علاقتها مع الولايات المتحدة تناحرية، وفي الوقت الراهن، يعتقد العديد من هذه النخب ان اميركا، وليس ايران، هي التي تعارض امكانية تحسين العلاقات. واذا ما اصبح واضحا ان زمرا صغيرة من المتشددين في طهران هي العائق الرئيس، فان المعارضة الداخلية ستتنامى وربما يولد معها شرخ واسع وغير متوقع. هذا اضافة الى ان الضغط على المستوى الشعبي سيتفاقم. فثلثا الايرانيين تحت سن الثالثة والثلاثين، وقلة منهم تكن عداء كامنا للولايات المتحدة أو ميلا خاصا الى الثورة الاسلامية، وهذا الاعتدال السياسي يتقاطع مع امتعاض اقتصادي واسع، خاصة وان ايران ربما كان البلد الوحيد صاحب الانتاج الكبير من النفط الذي يشكو أهله من تدهور أوضاعهم الاقتصادية.
ان الشارع الايراني يلقي مسؤولية العداء بين الولايات المتحدة وايران على كاهل ادارة بوش، الا انه قد يتحرك في اتجاه حيوية سياسية متجددة اذا ما اتضح له ان حكومته هي العائق الحقيقي.
في نهاية المطاف، اذا ما اصطفت الولايات المتحدة التوقيت الصحيح، ستجد ان لديها الكثير لتربحه والقليل لتخسره في حال قلبت سياساتها المطبقة خلال العقود الثلاثة السابقة وبدأت ببذل جهد للعمل على اقامة علاقات ناجحة مع الجمهورية الاسلامية. ستكون العملية بطيئة وصعبة ومثيرة للغضب، وستتطلب التزاما عميقا وصبرا هائلا، كما ستحتاج الى جهد كبير لشرح المسألة في الداخل وللحفاظ على الدعم الشعبي في وجه المصاعب شبه المؤكدة التي ستواجهها ايران اذا ما ألزمت نفسها بمقاربة جديدة، لكن على الرغم من كل ذلك، المحاولة ضرورية. فما من بديل واقعي آخر سيخدم بشكل أفضل ضرورات الامن القومي الاميركي. المقاربة الناجحة ستحمل في طياتها تغييرا في السياسة الخارجية الايرانية، ولكن حتى المقاربة الفاشلة قد يكون لها مضاعفات داخلية مهمة في طهران.