ماجد عزام
يرى كثيرون على الساحة الفلسطينية، أن معضلة او إشكالية السلطة والمقاومة تقف خلف الأزمة السياسية الراهنة، غالباً ما تدعو القوى الفلسطينية تحديدا -الجبهة الشعبية- حركة حماس إلى مراجعة أو إجراء قراءة دقيقة مغايرة لعلاقة او اشكالية السلطة والمقاومة وبالاحرى الاقتناع باستحالة الجمع بين الأمرين من أجل الخروج من المأزق الفلسطيني السياسي والوطني الحالي، رئيس المكتب السياسي خالد مشعل نفسه أشار ذات مرة إلى هذه الإشكالية وإلى استيعاب الحركة لصعوبة الأمر وضرورة مراجعته من جديد، كيف نشأت هذه الإشكالية على الساحة الفلسطينية، وكيف تعمقت وتبدت في اوضح واقسى صورها خاصة بعد انتخابات 2006؟ وما هي الوسائل أو السبل الكفيلة بتجاوز المعضلة التي ينتصب على قاعدتها الانقسام الوطني الراهن؟
نشأت الإشكالية كما هو معروف مع توقيع اتفاق أوسلو، عبر هذا الاتفاق وافقت منظمة التحريرعلى التخلي عن المقاومة وكل أساليب العنف الأخرى واتباع السبل السلمية لحل الصراع مع إسرائيل دون أي تطرق إلى مرجعيات واضحة للاتفاق وحتى إلى آليات وطرق حل الخلافات والتباينات والمعضلات التي تعجز الحوارات والمفاوضات الثنائية عن حلها، أي بمعنى آخر فإن السلطة الفلسطينية نفسها تشكلت على أرضية وقاعدة الحل السلمي وكبلت نفسها باتفاقات تمنعها من إتباع أي سبل أخرى بما في ذلك المقاومة السلمية من أجل حل الصراع مع إسرائيل.
بعدما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود صيف العام 2000 اندلعت انتفاضة الاقصى وباتت السلطة فى موقف حرج فهى مضطرة إلى وقف الانتفاضة والسيطرة عليها حسب اتفاق اوسلو أو دعمها و الخروج عن روح الاتفاق وحتى عن الأسس التي قامت عليها السلطة نفسها، فترة وجيزة بعد ذلك حانت فرصة لحل هذه الإشكالية بعدما طرح الرئيس بيل كلينتون وثيقته للحل النهائى والتى تضمنت اقصى ما يستطيع الفلسطينيون الحصول عليه سلمياً وعبر عملية التسوية، الرئيس الشهيد ياسر عرفات لم يشأ الموافقة على الوثيقة بطريقة قاطعة لا لبس فيها مع العمل على تحسين شروطها وبالتالي وقف الانتفاضة الناشئة والسيطرة عليها كما لم يستطع استخلاص العبر المناسبة بعد عشرية اوسلو حل السلطة الوطنية وإجبار الاحتلال على تحمّل مسؤولياته طالما أنه رفض تقديم الحد الأدنى المطلوب فلسطينياً وبالتالى تمرير هذا الحل محليا وعربيا، مع الجمود الفكري والسياسي والقيادي نمت وتعمقت الإشكالية بين السلطة والمقاومة خاصة في الأعوام التي سبقت اغتيال الرئيس ياسر عرفات حيث حوصر ونزعت منه عمليا مقاليد السلطة والقيادة، فانفلت الشارع الفلسطيني وعصفت به الفوضى على اختلاف أنواعها وأشكالها في ظل وجود سلطة لا تحكم فعلياً على الارض ولا يأخذها أحد على محمل الجد ووجود مقاومة تعترف بالسلطة نظرياً وتفعل العكس عملياً وظهور مجموعات هي اقرب إلى المرتزقة تاجرت بالمقاومة لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية وفئوية وحزبية ضيقة، استمرت الإشكالية إلى ما بعد رحيل ياسر عرفات حيث تنبهت الساحة الفلسطينية بأركانها الرئيسية الى ضرورة ترتيب البيت الداخلي كأولوية وطنية ملحة، فى السياق جرى حل الاشكالية مرحلياً عبر وثيقة القاهرة اذار 2001 تهدئة مع إسرائيل وانتخابات بلدية تشريعية، وإعلان نيات لإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير وإعادة بنائها من جديد لتتولى الشأن الفلسطيني السياسى والاستراتيجى وترك السلطة لوظيفتها الذاتية و المحلية، انهار هذا الحل تحت وطأة زلزلال انتخابات التشريعية2006، حماس فازت بصورة ساحقة وتصورت خاطئة إنها ستنجح فى الجمع بين السلطة المقاومة وستنفتح ابواب الشرق اذا اغلقت أبواب الغرب وتعمق المأزق بشكل تدريجى وبطيء ولكنه متواصل ولم تنفع المسكنات كما جرى في اتفاق مكة مثلاً ، ببساطة حتى لو مات اتفاق أوسلو فالسلطة كلها تقوم على فلسفة وروح أوسلو وعلى أطر وآليات تتركز على الارتباط بإسرائيل وعلى الوسائل السلمية أسلوبا لحل الصراع والخلاف معها، أقصى ما تركه اتفاق أوسلو وعملية التسوية أمام الفلسطينيين المقاومة السلمية والجماهيرية خاصة بعد إعادة احتلال الضفة الغربية بشكل كامل بعد عدوان السور الواقى ربيع العام 2002، الطبقة السياسية عجزت عن اتباع إستراتيجية لادارة الصراع، تسمح بالاحتفاظ بالسلطة لإدارة شؤون الفلسطينيين الذاتية والمحلية والتمسك فى الوقت نفسه بالمقاومة السلمية لمواجهة بشاعة وجرائم الاحتلال وخاصة بما يتعلق بالاستيطان ومصادرة الأراضي.
هذا المعطى أي حل السلطة أضحى من الصعوبة بمكان خاصة بعد تنفيذ خطوة فك الارتباط او الانسحاب الاحادى التي حاول أرييل شارون عبرها تحويل خسائر الاحتلال إلى مكاسب صافية سياسية وامنية ومعاقبة الفلسطينيين على تجرأهم على المقاومة ومواجهة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة والمشروع الصهيوني بشكل عام.
نافذة الفرص والحلول تضيق أمام ناظرينا ولابد أولا من الاقتناع باستحالة الجمع بين السلطة والمقاومة وبالتالى استخلاص العبر الصحيحة، أما حل السلطة والاعتماد على المقاومة الامر الذي ترفضه حتى حماس بعد التطورات الأخيرة في غزة أو زهد المقاومة فى السلطة وخروجها منها ولكن وفق ترتيبات وطنية جامعة تتوفر عملياً في وثيقة الوفاق الوطني ومجمل التفاهمات السابقة خاصة وثيقة القاهرة وتشكيل حكومة تكنوقراط بشكل مرحلى دون برنامج سياسى او حتى وفق وثيقة الوفاق الوطنى مع الذهاب إلى الانتخابات وفق النظام النسبى التكامل وتشكيل حكومة تكنوقراط بعدها ايضا استنادا الى النتائج طبعا، على أن يتم بالتزامن مع ذلك إعادة بناء منظمة التحرير لكي تتولى ملف المفاوضات والعمل السياسي والديبلوماسي ولكن وفق سقف زمنى محدد والتهديد بحل السلطة فعلياً خاصة في الضفة الغربية وقيادة الصراع من غزة عبر منظمة التحرير المحدثة و بالاحرى إدارة الصراع مع إسرائيل ولكن وفق رؤى وافعال مختلفة تماما عما يجرى الان .
() مدير مركز شرق المتوسط للاعلام















التعليقات