معماري عراقي: الحكام الجدد اجتثوا الأبنية والأنصاب الفنية


بغداد -معد فياض


ماذا بقي في بغداد، من بغداد؟ وماذا تبقى من معالمها الحضارية، أبنيتها، مساجدها وكنائسها، شوارعها، حدائقها، مقاهيها، أسواقها، مكتباتها، جامعاتها القديمة والحديثة، نهرها، أنصابها الفنية، روحها، بهجتها وألقها، أغانيها وموسيقاها، مسارحها، ألوانها، دور السينما فيها، أزقتها العتيقة، بل الأكثر من هذا ناسها.
لا شيء تبقى من بغداد في بغداد اليوم، فهي ليست بغداد الأمس، وهي ليست بغداد البغداديين، هي ليست بغدادكم أو بغدادنا، أو بغداد كما عرفها أي زائر لها في السابق.. إنها وببساطة بغداد التي هي ليست ببغداد، ليست المدينة التي كان يتبغدد فيها المقيم والزائر منذ أن بنيت.. وحتى خربت. laquo;الشرق الأوسطraquo; استغرقت لأكثر من شهر في سطح المدينة وعمقها، حولها وفوقها، فوق أرصفتها وعلى حافات نهرها، وبين ناسها وفي أسواقها، بحثا عن روح بغداد الألقة، فلم نجد سوى بقايا مدينة تتخرب كل ساعة ويوم أمام أهلها. وبرصد شهود عيان: بعضهم يبكي من أجلها، وبعض آخر يمعن في خرابها، وبعض ثالث لا يهمه ما يراه من مشاهدها الحزينة. هنا اكتشاف جديد لبغداد.. التي لم تعد بغداد. بغداد التي خرجت من بوابات الحروب والدمار متألقة دوما، إلا في هذه المرة، فقد خرجت ولم تعد حتى اليوم.

بغداد خربة.. خربة.. خربة بالثلاث، وقرار خرابها لا رجعة فيه، قرار laquo;اتخذ مع سبق الإصرار والترصد من قبل كل من يتمتع بعقدة نقص من هذه المدينة التي كانت عامرة حتى ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003raquo;، هكذا يرى المهندس المعماري سعيد الطائي، الذي اتهم الأميركيين laquo;بضلوعهم في تنفيذ قرار إحالة العاصمة العراقية إلى خراب، وهذا القرار لقي ترحيبا من غالبية الحكام الجدد الذين أوغلوا في تدمير معالم هذه المدينة التي كانت تحمل ملامح جمالية بعمارتها وحدائقها وأسواقهاraquo;.

لا شيء بغداديا في بغداد، إذ لم تتبق أي علامات تميز عاصمة أبو جعفر المنصور الذي اجتثه الطائفيون ذات يوم من أيام شتاء عام 2005 وفجروا تمثاله بعبوة ناسفة بتهمة طائفية بحتة.

ويرى الطائي، الذي يستند إلى نظرية العالم الاجتماعي البغدادي علي الوردي التي تتعلق بترييف المدينة، ترييف بغداد، أن laquo;من غزا هذه المدينة الكبيرة العامرة من الريفيين هم من عملوا على تخريبها جماليا واجتماعيا، فعقدة هؤلاء الذين كانوا يتعاملون من باب الحسد مع سكان الأحياء الراقية والمتحضرة، مثل المنصور والحارثية والقادسية واليرموك في جانب الكرخ، والأعظمية والجادرية وزيونة وشارع فلسطين، يدفعون اليوم الأموال الطائلة لشراء فيلات وقصور وبيوت هذه الأحياء لطمس معالمها الحضارية وإشاعة ثقافة الريف بين سكان هذه الأحياءraquo;، لافتا إلى أن laquo;القوة التدميرية أو التخريبية عادة تنتصر على قوة الإبداع والبناء في زمن اللا استقرار وغياب القيم الاجتماعية والقانون الذي يحكم الناس، لهذا نرى مثلا انتشار الأحياء العشوائية التي تلقب شعبيا بالحواسم، بين جميع أحياء بغداد وحتى في مراكزها التجارية، حتى أنه يصعب علينا اليوم أن نؤشر على أي منطقة أو حي باعتباره حيا راقيا أو مركزا متطوراraquo;.

بغداد ستغدو بعد فترة ليست قصيرة بلا بغداديين، بلا أهلها الأصليين، وبلا مبدعين حقيقيين، بلا محبين لشوارعها وأزقتها وأسواقها ومقاهيها ونهرها الذي تحول إلى laquo;ساقيةraquo; ضيقة بفعل ندرة مياه دجلة من جانب، ودفن جانبيه بالتراب والرمل من قبل وزارة الموارد المائية التي تعمل على كراء منتصفه فقط، من جانب آخر، ويعلق الطائي قائلا: laquo;حتى إن غالبية أعضاء مجلس محافظة بغداد هم ليسوا من بغداد أصلاraquo;، معبرا عن استغرابه laquo;وجود ثلاث جهات تحكم وتتحكم في بغداد، وهي أمانة العاصمة وأمينها، محافظة بغداد ومحافظها، وأخيرا مجلس محافظة بغداد ورئيس المجلس، يضاف إليهم الأحزاب والتكتلات السياسية التي تتخذ من بغداد مقرا لها وساحة لعملياتها، وعلى ذلك فنحن لا نعرف من يحكم بغداد ومن يصدر الأوامر ومن يعمل لبنائهاraquo;.

ويؤكد الطائي الذي رافقته laquo;الشرق الأوسطraquo; في جولة بين بعض أحياء المدينة وشوارعها المعروفة، بواسطة السيارة تارة، ومشيا تارة أخرى، أنه laquo;على مدى سبع سنوات لم يبن في بغداد أي معلم معماري أو حضاريraquo;، منبها إلى أن laquo;الأمر لم يقتصر على عدم البناء فقط، بل تجاوز ذلك إلى تخريب ما كان مبنيا وقائما أصلا، فالشوارع خربة ولا تصلح لأن تسير عليها أي مركبات، العمارات التي كانت تعطي لبغداد هويتها المعمارية شوّهت وهدمت من دون أن تمتد إليها يد التعمير، مثلا، عمارة اتحاد الصناعات في ساحة الخلاني، وبناية مركز الاتصالات في شارع الرشيد للمعماري المعروف رفعت الجادرجي، حيث تعدان من العلامات المعمارية المميزة لبغداد، فالأولى تآكلت واجهاتها وتغيرت جماليتها، والثانية مهدمة منذ أن قصفت بعض أجزائها عام 1991 من قبل القوات الأميركية، وبناية وزارة التخطيط التي تعد واحدة من أجمل الأبنية عراقيا وعربيا تحولت إلى خرابة، بعد أن أهملت تماما، أما بناية المجلس الوطني التي بنيت في العهد الملكي لتكون مقرا للبرلمان العراقي والتي تقع بمحاذاة دجلة في حي كرادة مريم، فقد كانت متألقة حتى 2003 إذ كان يستخدمها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كمكتب له، ومنذ الاحتلال الأميركي تحول جزء منها إلى مقر لوزارة الدفاع، وقد عاث الخراب داخلها بفعل الإضافات والتهديم لتتناسب مع الاستخدامات الجديدة. بينما أهملت واحدة من أجمل مباني بغداد القديمة، وهي وزارة الدفاع السابقة التي تسترخي على نهر دجلة من جهة الرصافة والتي يرتبط بأحد جدرانها بقايا سور بغداد العباسي القديم.. وهذا الكلام ينطبق على جميع أبنية بغدادraquo;.

ولم تبن الحكومة العراقية المنتهية ولايتها سوى دار ضيافة لمجلس الوزراء في المنطقة الخضراء، وهي بناية اعتيادية لا تحمل أي جماليات معمارية على الإطلاق، تم الانتهاء من إنشائها قبل أقل من شهرين لغرض استقبال ضيوف رئيس الوزراء. وتكاليف البناية أصلا هدية من الإدارة الأميركية.

المعالم الفنية في بغداد هي أكثر معالم العاصمة العراقية تضررا، فالأنصاب الفنية التي أبدعتها عقول فنانين كبار ومعروفين عالميا أخذت نصيبها من التدمير والتخريب المتعمد، وكان نصب laquo;المسيرةraquo; للنحات الراحل خالد الرحال، الذي كان يقف مثل سفينة تبحر إلى الأمام في منطقة علاوي، الحلة، قبالة المتحف الوطني العراقي، تم تهديمه واقتلاع مفرداته النحتية النحاسية بواسطة الشفلات والبلدوزرات التي هاجمته مثل وحوش ضارية.

وكانت حكومة إبراهيم الجعفري قد أمرت بتهديم هذا النصب الجميل بعد أن اتهموه بأنه نصب بعثي ويجب اجتثاثه، بينما يعبر النصب عن قصة الخليقة كما ترويها الأساطير العراقية القديمة، وبقي مكان النصب الذي يتضمن نافورة ضخمة تنحدر منها المياه كما في الحدائق المعلقة، خاليا اليوم ومشوها، وبالتالي عكس تشويهه قبحا على وجه المدينة وبدا مثل ندبة في جسدها.

وترك نصب laquo;الجندي المجهولraquo;، وهو أيضا من أعمال الرحال، حيث يقع في المنطقة الخضراء عرضة للإهمال بعد أن كان واحدا من أجمل الأنصاب الفنية، إذ يمثل ترسا عربيا يوشك على السقوط لحماية جسد الجندي المجهول.

أما نصب laquo;الشهيدraquo; في جانب الكرخ للنحات الراحل إسماعيل فتاح، الذي نال جوائز عالمية رفيعة كونه عملا فنيا مهما من جهة، ولإبداع الفنان في استغلال الفضاء، تماما مثلما فعل المعمار الإسلامي الذي صمم وشيد المئذنة الملوية في سامراء.

نصب laquo;الشهيدraquo; عبارة عن قبة فيروزية منشقة بفعل الشهادة، وتجري وسط شطري القبة مياه نبع يطلع من قبر الشهيد. هذا النصب الذي يبدو متحركا كلما درنا حوله كان قد أنشئ من زجاج وخزف يدوي خاص، أما هيكله فقد بني من أسلاك كاربونية هي ذاتها التي تصنع منها المركبات الفضائية لكي تقاوم عوامل ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة. وحسب المقاييس والدراسات العلمية، فإن هذا النصب يجب أن يعمر لأكثر من ألفي عام، لكن قنابل الهاون أوجدت له ثقبا في قمة القبة، والإهمال المتعمد من قبل الحكومة جعل منه أثرا وعلامة من علامات خراب بغداد.

تهمة هذه الأنصاب أنها بعثية ويجب اجتثاثها وإلغاء وجودها من خارطة بغداد الحضارية، تماما مثلما حدث مع نصب laquo;اللقاءraquo; للدكتور علاء بشير في حي اليرموك بجانب الكرخ من بغداد، وهو نصب رمزي من المعدن والمرمر ويرمز إلى المصافحة والمصالحة والمحبة واللقاء.. وحسب بشير فإن laquo;النموذج المصغر لهذا النصب عرض ضمن معرض فني لي في باريس، وقد طلبت بلدية باريس تنفيذه كنصب في إحدى ساحات العاصمة الفرنسية، لكن صدام حسين أصر على تنفيذه في بغداد، وهذا ما كانraquo;، ويستطرد بشير قائلا: laquo;لهذا اعتبروه نصبا بعثيا مع أن لا دلالة سياسية فيهraquo;. وبسبب هذه التهمة تم تهديم هذا النصب الجميل الذي يعد واحدا من علامات بغداد الحضارية.

لقد ضخت الإدارة الأميركية أمولا ضخمة لأغراض البناء وإصلاح البنية التحتية، لكن أي شيء لم يتحقق، وعلى ذمة أحد موظفي لجنة العقود في السفارة الأميركية ببغداد، فإن هناك laquo;أكثر من 400 مليار دولار تم ضخها إلى الحكومة العراقية حتى 2008، وقد تصل المبالغ التي سلمت للعراق حتى اليوم 600 مليار دولارraquo;، الرقم يبدو عاليا، عاليا جدا ومن الصعب تصديقه، لكن الموظف الأميركي الذي التقيته في المبنى الجديد للسفارة الأميركية ببغداد، أكد ذلك بينما كان زميله يومئ برأسه موافقا ومؤيدا ما يقوله زميله. أين يمكن أن تذهب مبالغ طائلة مثل هذه؟ يجيب الموظف الأميركي بسهولة: laquo;سرقت.. هذه المبالغ كان يجب أن تخصص لأغراض البناء والتعمير وتحسين أوضاع العراقيين، لكنها سرقت، ولا تستغرب ذلك، فموظف بسيط في رئاسة الوزراء تبلغ أرصدته في البنوك الخارجية ملايين الدولاراتraquo;. وعندما نسأل عن سبب تسليم هذه المبالغ إلى جهات فاسدة إداريا وماليا، يجيب الموظف الأميركي: laquo;لمن نسلمها، إلى الحكومة العراقية طبعا، فإذا كانت الحكومة غير حريصة على بناء البلد ولا تشعر بمعانات الناس فما هو ذنب الولايات المتحدة، مع أن لا سلطة لنا على ملاحقة الحكومة العراقية قضائياraquo;.

ويستذكر هذا الموظف حادثة وزارة المالية، يقول: laquo;عندما كان هناك فريق من البريطانيين يؤسسون لبرنامج يحارب الفساد والسرقة في وزارة المالية تم اختطاف الفريق من قبل من أطلقوا على أنفسهم عصائب أهل الحق، وقتل عدد من أفراده، وكان هذا إنذارا لمن يفكر في تكرار تجربة الفريق البريطاني، غير هذا نجد أن وزارات المالية والنفط والبنك المركزي ومصرف (الرافدين) ومصارف أخرى تتعرض للتفجير وحرق بعض أقسامها بين فترة وأخرى للتخلص من وثائق تتعلق بسرقة الأموال من جهة وطمس حقائق مهمة من جهة ثانيةraquo;.