قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يوسف الديني


لم يحظَ جيل المقاتلين في مناطق التوتر من جماعات العنف المسلح في مراحلهم المختلفة بقضية تبدو عادلة لدى الرأي العام الغربي والمحلي مثل الموقف من قضية معتقلي غوانتانامو، التي أسهمت في تحويل سلوك وفكر كثير من كوادر المجموعات الصغيرة، التي تعاطفت مع فكر القاعدة إلى مؤمنين بخيار العمليات الانتحارية لاستهداف المصالح الأميركية، الحرب الشاملة على الإرهاب خلقت حرباً شاملة أخرى لا تقل ضراوة، لم تعد تفكر في تحرير أرض محتلة أو طرد مستعمر، قدر أنها استلهمت مفهوم الفوضى الخلاقة، لتصنع فوضاها على طريقتها الخاصة.

بعد سنة من الكمون في حياة جابر الفيفي بعد خروجه من برنامج المناصحة، الذي هيأ له ولادة حياة جديدة من الاستقرار عبر برنامجها الشامل، الذي بدأ بالمناصحة الفكرية والمساندة الاجتماعية التي تمثلت في تزويج جابر طلباً لتحسين وضعه ما بعد تجربته المريرة مع العنف.

بعد مرور هذا الوقت، ينفجر الوضع من جديد ومن خلال دعوة تلقاها جابر من سعيد الشهري ومحمد العوفي القياديين في ما عرف لاحقاً بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب لحضور وليمة تضم غالب الأشخاص الذين مروا بتجربة الاعتقال في غوانتانامو، وهو ما يفتح السؤال حول الروابط التي تستحدث غالباً بسبب ظروف الاعتقال بين أشخاص لم تكن بينهم أية صلة مباشرة قبل الاعتقال، فالاعتقال الجمعي الذي يلم أطرافاً كثيرة ليست بينها أي روابط تنظيمية قد يوفر مناخاً جيداً لاستحداث مجموعة متجانسة تتمحور حول تجربة الاعتقال، ويتم التأثير في أفرادها من الشخصيات البارزة، وهذا هو الشأن في التنظيمات التي تعتمد ثنائيات المركز والأطراف والأمير والمتبوعين.

أجواء اللقاء الذي بدا للوهلة الأولى مجرد مناسبة اجتماعية تضم أطرافاً عدة ممن خاضوا برنامج المناصحة أو اعتقلوا في غوانتانامو تحول إلى أشبه ما يكون بجلسة تأسيسية لمرحلة جديدة في تنظيم تابع للقاعدة يحاول استقطاب الكوادر المحتملة ممن خاضت التجربة من قبل، ومن هنا بدأ سعيد الشهري القيادي في تنظيم القاعدة بجزيرة العرب حديثه عن إنجازات الشباب، الذين سبقوهم في تنظيم القاعدة، وكيف أنهم تركوا بصمات قوية في تاريخ العمل الجهادي، لينتقل من التحريض الشعوري والعاطفي إلى تفكيك حال الاستقرار النفسي عبر الهجوم على الدولة والعلماء وتجربة المناصحة، ونسف كل الجهود التي قدمت، باعتبار أنها مجرد عقبات في مسير نصرة الأمة... الخ. الشعارات القاعدية التي تحولت إلى كليشيهات يتم تردديها في مثل هذه المناسبات.

تمحورت الأفكار الأساسية التي قذف بها سعيد الشهري ومحمد العوفي في تلك العزيمة المفخخة - كما تحدث جابر - عن الرغبة في إعادة فعالية التنظيم، ولكن عبر عمليات تستهدف الداخل.

من المحطات المهمة التي تحدث عنها جابر الفيفي في تلك النقاشات التأسيسية بين العائدين من تجربة غوانتانامو، والذين اقتنعوا بضرورة إعادة تفعيل أنفسهم داخل جسد التنظيم، النقاش الذي دار حول استراتيجية المرحلة اللاحقة آنذاك، فجابر يؤكد مثل آخرين أن ثمة جدلاً عريضاً تم تداوله حول أولوية العمليات المسلحة والانتحارية، التي يعتزم التنظيم القيام بها، هل ستكون خارجية أم داخلية؟ هل يتم استقدام الأسلحة في اليمن وتخزينها واستخدامها لعمليات إرهابية في السعودية، أم أن الوضع في اليمن مناسب لإقامة مراكز تدريب واستقطاب أفراد آخرين وتوسيع نطاق العمليات؟

لماذا اليمن بالذات؟ سؤال كان يؤرق الكثير من الباحثين في مسيرة الحركات العنفية، والإجابات كانت تتوزّع بين طبيعة المجتمع اليمني، وجغرافية المكان، واعتقاد القادة التاريخيين للقاعدة بامتياز وتميز اليمن من جهة تراث نصوص الفتن والملاحم ومن حيث الواقع.

لكن كل هذه التحليلات لم يكن لها نصيب من عقل جابر الفيفي، فهو تحدث عن سبب اختياره لليمن، وأنه يكمن في سهولة الطريق، وعدم الحاجة إلى جواز السفر، باعتبار أن حركة التهريب على الحدود نشطة، كما أن استخراج أوراق ثبوتية ذات طابع رسمي من هناك سهل، إضافة إلى أن أرض اليمن الخصبة بالأماكن النائية والسلاح الوفير يمكن أن تشكّل جانب إغراء لمن يريد مداعبة هواه القديم بحمل السلاح والتدرب عليه وإعادة اللياقة القتالية والحربية.

تلك الرغبة الجامحة في نفس جابر الفيفي عزّزتها مراسيل كان يبعث بها رفاق دربه الذين سبقوه في الذهاب إلى أرض اليمن، والتي انتهت بدعم لوجستي كبير، من خلال إيصاله بشبكة اتصالات مباشرة مع قادة التنظيم، الذين قاموا بالتنسيق معه عبر جوال بعثوه إليه عبر عابري الحدود، الذين ينقلون رسائل ومؤن التنظيم، وكانت كل التحركات تتم عبر تكنيك laquo;الرسائل المشفرةraquo;، التي يتدرب عليها شبان القاعدة في معسكرات التدريب.

تم لم شمل التنظيم في بلاد جديدة، فبعد أن كانوا مفرقين في قفار أفغانستان ووحشة غوانتانامو، استقر بهم المقام في منطقة وايلة اليمنية، هنا استحضر جابر الفيفي بعد كل ما مر به بيعته للملا عمر المبنية على بيعة أسامة بن لادن له، والتي جعلت المقاتلين العرب المنضوين تحت لواء القاعدة يبايعون الملا عمر، استجابة لأدبيات تنظيمات العنف، التي تقضي بأن لا بيعة لأميرين، وعادة ما يتم تقديم بيعة شخصية محلية لاعتبارات تتصل بالولاء ودراية أهل الثغور (منطقة القتال) بشؤونهم.

بايع جابر الفيفي مرة أخرى بصحبة يوسف الشهري ورفاق آخرين، وتم توثيق تلك البيعة بكاميرا جوال، اذ ضمت أسماء بارزة شاركت في خبرة التنظيم أيام أفغانستان.

أبو بصير اليمني كان عراب المجموعة الصغيرة، ليس لكونه رافق أسامة بن لادن لخمس سنوات، وإن كانت تلك الملازمة قيمة معنوية يمكن أن تمنح صاحبها منزلة كبيرة، بل لأنه أيضاً من أهل المنطقة وأدرى بشعابها، كما أنه الأنسب لتقديم هذه المجموعة إلى المجتمع اليمني كأبطال قاوموا صلف وتعنت الأميركان، وهي الصورة النمطية التي يحظى بها كل من خاض تجربة الاعتقال في غوانتانامو.

الظروف الذهبية في اليمن، وارتباك الوضع الأمني منحاهم قوة وإمكانات كبيرة، تداخل فيها الدعم المشبوه بالأدوار المخابراتية، إضافة إلى نجاح خطابهم الإعلامي الذي استقطب شباناً جدداً كانوا يحترقون على الضفة الأخرى، بانتظار أن يلقوا بأنفسهم في أتون التضحيات.