قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالحميد الانصاري

يتفنن أعداء الحياة في تصفية أكبر عدد من الناس وفي أيام أعيادهم لبث أكبر قدر من الفزع والحزن في النفوس، يخططون لتفجير أنفسهم وسط الناس في الأسواق وفي بيوت الله: المساجد والكنائس، عاش العالم أجواءً مشحونة قلقة باقتراب أعياد الميلاد ورأس السنة وكانت أوروبا كلها مستنفرة بعد فشل غزوة ستوكهولم، وفي مصر كان المسيحيون يستقبلون العام الجديد بالدعاء والصلاوات في كنيسة القديسين بالاسكندرية غافلين عن يد الارهاب الغادرة التي فجرت فأسقطت أكثر من مائة قتيل وجريح، وفي العراق أدت موجة جديدة من الهجمات ضد المسيحيين عشية رأس السنة إلى سقوط العشرات بعد مذبحة كنيسة سيدة النجاة قبلها بشهرين، هذه التفجيرات التي تستهدف المسيحيين في المنطقة بحيث لا تتيح لهم إلا خيارين:
حقيبة السفر أو التابوت كما يقول عزيز الحاج، تطرح تساؤلات عديدة: لماذا استهداف المسيحيين؟ هل الهدف تخويفهم حتى يرحلوا أو فتنة طائفية تهز استقرار الدولة؟ لماذا تتصاعد أعداد التنظيمات الإرهابية كما يتزايد أعداد المفجرين المفخخين بالرغم من الجهود الأمنية الناجحة في تفكيك تلك الخلايا، إذ لا يكاد يمر يوم إلا ويعلن عن ضبط خلية إرهابية في الساحتين:
الإسلامية والغربية، كان آخرها خلية المغرب لدرجة أن الباحث المغربي محمد ضريف صرح أن المغرب فككت العشرات من الخلايا منذ 2007 وكذلك في السعودية وعبر القارة الأوروبية؟! هل المشكلة في التشخيص أم المعالجة أم ضعف الخطاب الديني؟! ما مسؤولية المناخ الديني المشحون وما مسؤولية مجتمعاتنا عن تصاعد العنف ضد مسيحيي الشرق الأوسط؟ بداية فإن الإدانات العربية والدولية الواسعة لن تردع الإرهابيين وهؤلاء الذين قرروا الانتقام من البشر لن توقفهم موجة الاستنكارات ولا حركة الاحتجاجات عن تنفيذ أهدافهم الإجرامية، كما إن الاجراءات الأمنية مهما كانت محكمة فلن تضمن الحماية فهناك دائماً ثغرات ينفذ منها المجرمون، والتلويح بشعارات الوحدة الوطنية والمصافحات الودية بين الزعماء الدينيين ومؤتمرات الحوار الديني لن يقضي على الداء الإرهابي المستشري، كل تلك الجهود والتحركات مقدرة لكنها لن تجدي شيئاً، الإرهاب مرض فكري في الأساس، تمكن واستحكم في نفوس وعقول شباب متحمس عندهم القابلية لاعتناق هذا الفكر العدمي الذي تم ترسيخه على امتداد نصف قرن عبر منابر وأقلام ومؤسسات زرعت ثقافة الكراهية والتطرف والتكفير والتخوين في التربة المجتمعية فاختزنتها في باطنها، وما تعانيه مجتمعاتنا ومجتمعات العالم اليوم ما هو إلا بعض تجليات وانبثاقات هذا الفكر العدائي تقذفه الأرض العربية من باطنها، إن من يفجر نفسه في الآخرين مسرعاً إلى الجنة لا يفعله لأهداف سياسية أو مآرب مالية، يفعله عن عقيدة غلابة تبرر عمله بأنه جهاد في سبيل الله، وما لم نعترف بهذه الحقيقة الجلية صراحة فإن الوباء الإرهابي يظل في منأى عن المعالجة السليمة مهما بالغنا في استنكاره او تظاهرنا بالتسامح الديني أو رددنا شعارات الوحدة الوطنية، علينا أن نعترف أن هذا الفكر من انتاج بيئتنا ولنكف عن اتهام الآخرين لأنه لا يجدي شيئاً، فالآخر المتفوق لا طاقة لنا به كما إن الله سبحانه وتعالى لن يغير واقع مجتمعاتنا حتى نغير ما بأنفسنا، أي طرق تفكيرنا وتصوراتنا وطريقة معالجتنا لقضايانا ومشكلاتنا، ستستمر أزمات المجتمع العربي ما دام العقل العربي يرمي بالمسؤوليات على الآخر الخارجي متجاهلاً علله ومواطن الضعف فيه، سيستمر الفكر الإرهابي معربداً في الساحة ما دامت المعالجات قائمة على ردود الأفعال والتفسيرات الخرافية، أزمة استمرار الإرهاب أزمة عقل لم يحسن التشخيص السليم للداء كما لم يحسن الأسلوب العلمي للمعالجة ولا أدل على ضبابية التشخيص والمعالجة من أننا نسارع فور وقوع الحادث الإرهابي إلى اتهام الآخر والذي غالباً يكون laquo;الموسادraquo; لأن العقل العربي مشحون دائماً ضد الآخر الخارجي، وفي مقالته laquo;انشار النقاب سبب مذبحة الاسكندريةraquo;، يقول سامي البحيري : لقد أصبت بالغثيان عندما أخذت قناة لهلوبة الفضائية تذيع على مدار يوم كامل أن الموساد وراء مذبحة الاسكندرية، وإذا كانت إسرائيل وراء سمك القرش في شرم الشيخ ووراء ارتفاع أسعار السكر والحديد ووراء اختلاط مياه المجاري بمياه الشرب ووراء غضب زوجتي مني في الاسبوع الماضي! طالما هم شاطرون لهذه الدرجة، لماذا لا نعطيهم مصر لكي يديروها بطريقة أفضل؟! وطبقاً لضياء رشوان فإن اسرائيل غير متورطة لأنه ليس من مصلحتها زعزعة الاستقرار في مصر خاصة أن ذلك من الممكن أن يقوي أعداءها الإسلاميين وهناك تخوف من وضع أيديها في الشأن المصري بهذه الطريقة الخطرة وفي حالة كشفها لها تداعيات خطيرة على العلاقات بين البلدين. ترى من المسؤول عن انتاج هذا الفكر العدمي؟ نحن جميعاً مسؤولون: النظام العربي البائس، الثقافة المجتمعية المتعصبة، المنابر الدينية المحرضة والتي تدعو على الآخر بالهلاك، المنابر التعليمية التلقينية، الأقلام التي روجت أن الكنائس في مصر مخازن للأسلحة وأشاعت ان هناك امرأتين أسلمتا فاحتجزتهما الكنيسة لإرغامهما على ترك الإسلام، القنوات الفضائية التي تستغل الدين لأهداف سياسية أو تجارية، التمييز الممارس ضد الأقباط والذي يضع قيوداً على بناء الكنائس ويستبعدهم من المناصب العليا ويهمشهم عن مواقع عدة في القضاء والجامعات والشرطة والبرلمان، تساهل الدولة مع خطاب التطرف لاعتبارات سياسية، تغلغل خطاب التشدد في الثقافة المجتمعية، التفسيرات التحريضية لذلك فإن المدخل الصحيح لمعالجة هذه الأزمة هو تعميق مفهوم المواطنة عملاً وواقعاً لا شعاراً وقولاً وذلك يتطلب إجراءات منها:

1. المسارعة إلى اصدار قانون دور العبادة الموحد أي بغض النظر عن قانون laquo;الخط الهمايونيraquo; الموروث من العهد العثماني والذي يقضي بضرورة موافقة رئيس الجمهورية نفسه على ترميم أو بناء كنيسة.
2. تشريع محاكمة كل محرض على كراهية دين الآخر.
3. إلغاء التمييز الديني.
4. ضمان تكافؤ الفرص للمسيحيين في المناهج التعليمية وفي البث الإعلامي.
5. ضبط القنوات الدينية المحرضة ضد المسيحيين.
6. اصدار قانون لتنظيم آداء المؤسسات الدينية: الإسلامية والمسيحية.
7. ترشيد الخطاب الديني وتطويره.
8. ترشيد الخطاب الإعلامي.
9. المسارعة في حسم قضايا الفتنة الطائفية والعالقة حتى اليوم في المحاكم القضائية.