قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حسان حيدر


لا يكفي أن يصف نجيب ميقاتي نفسه بأنه laquo;السنّي الأولraquo; في لبنان ليكتسب شرعية تمثيلية يعرف الجميع بأي قهر جُمعت أصواتها الـ68. فالذين جاؤوا به، أو laquo;دعموهraquo; مثلما قال، لديهم برنامج واضح ومعروف مطلوب منه تنفيذه ولو بالتدريج، يقضي بضم لبنان الى الكتلة الإقليمية التي تتشكل بقيادة طهران ودمشق. فإن استعصى عليه الأمر لسبب أو لآخر، ذاتي أو موضوعي، فلن يشعر هؤلاء بأي وخز للضمير عندما يسارعون لاستبداله والمجيء بمن يتعهد لهم بالقدرة على laquo;تطييفraquo; السنّة وإعادتهم الى laquo;القمقمraquo; اللبناني الداخلي. وقد سبقه عمر كرامي الى هذه التجربة.

فالسنّة في لبنان لم يكونوا طائفة ولم يصبحوا بعد. بل هم مشروع دولة ومؤسسات عابرة للطوائف. وكل ما عانوا منه وما قد يعانون في المستقبل، ليس سوى ثمن هذه القناعة وهذا المشروع، والأتاوة المفروضة عليهم لرفضهم التزام الحدود التي رسمتها الوصاية السورية - الإيرانية المشتركة لكل طائفة، والعلاقات بين كل واحدة والطوائف الأخرى، بما يسهل التحكم بها منفردة ومتفرقة.

عندما جاء رفيق الحريري الى الحكم حمل معه مشروع إعادة بناء الدولة التي تفككت خلال سنوات الحرب الأهلية ولم ينقذها الوجود السوري. وكانت إعادة البناء تعني وضع صيغة ناجحة للتعايش بين الطوائف تخرجها من تقسيماتها وغيتواتها، وتنتقل بالبلد الى مرحلة جديدة تؤكد على عروبته وعلى علاقته المميزة مع دمشق من دون تركه ساحة مفتوحة للتناقضات الإقليمية والدولية. أُفشل المشروع بسياسة الحرتقات والكيديات ثم بالقوة، لأن الدولة المؤسساتية الجامعة تقلص الهامش أمام التدخلات وتلغي فرص الوصايات. وجاء سعد ليكمل الطريق نفسه من بعد والده، فواجه العقبات ذاتها. دفع الأب والابن فاتورة تمسكهما بالانفتاح على باقي اللبنانيين، المسيحيين والدروز والشيعة على حد سواء، الأول جسدياً والثاني سياسياً.

كان laquo;المأخذraquo; الرئيسي على رفيق الحريري ثم على سعد الحريري، مع اختلاف الظروف، أن كلاً منهما قاد ويقود تحالفاً يتجاوز السنّة ليضم باقي المكونات. وكان المطلب الدائم غير المعلن من الحريري الابن هو تفكيك قوى 14 آذار والاكتفاء بزعامة طائفته وحدها. ولم تقتصر الضغوط عليه، بل شملت كل أطراف التحالف الجديد الذي قام بعد خروج الجيش السوري من لبنان إثر زلزال 2005. وقد نجحت هذه السياسة في إعادة الدروز الى خانة laquo;الخوفraquo; التاريخي على البقاء. وتمكنت من اختراق المسيحيين باللعب على الطموحات الشخصية لبعضهم. ولا بد أن يكون الهدف المقبل من لا يزال بينهم يرفض الخضوع مجدداً للوصاية ويجاهر بالانتماء الى فكرة الدولة وبالرغبة في الدفاع عنها.

laquo;اغتيلraquo; سعد الحريري سياسياً لكن المعركة ضده قد لا تتوقف. لا بد من أن laquo;يقتنعraquo; بأنه زعيم قسم من السنّة فقط حتى ولو كان القسم الغالب، ولا بد من أن يوافق على أن السنّة laquo;طائفةraquo; فقط وليسوا امتداداً لأمة أشمل. فالاستفزازات التي مورست ضد السنّة من قبل laquo;حزب اللهraquo; وحلفائه وسياسة القهر والتحدي لم تكن نتيجة خطأ أو سوء تقدير. بل هي سياسة متعمدة هدفها جرهم الى الموقع الطائفي الذي يبرر العصبيات المقابلة ويساويهم بها. ومع أن ما جرى الثلثاء في طرابلس وبيروت من احتجاجات خرجت أحياناً عن الحدود، كان تعبيراً عن الضيق بهذا الاستهداف وهذا الإصرار على الإخضاع، إلا أن قدرة الحريري على ضبط الشارع بسرعة تعني أنه لا يزال هو laquo;السني الأولraquo; وأنه لم يقبل بالتخلي عن قناعاته الجامعة.