قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

طيب تيزيني

أخيراً انتصر الشعب: تلك حالة غابت عن العالم العربي طويلاً. وإذا كان هذا التاريخ قد امتلك شرعيته في حينه، حيث كان ابناً شرعياً لنمط العلاقات الإنتاجية الاقتصادية وللمنظومات السياسية والقيمية الأخلاقية، التي سادت وهيمنت آنئذ، إلا أنه الآن فقد شرعيته.

وهكذا سار التاريخ بمنطق خاص به وليس برغبات المعتقدين أن التاريخ مكرَّس لهم. هذا الهوس، الذي هو في جزء منه تعطّشٌ للسلطة والثروة والكاريزما.


وقد صبر الجياع المُذلُّون المفقرون المهانون في مصر عقوداً، حيث راح الكثيرون يعتقدون أن quot;المصريquot; خانع. وفعلاً، راح الأمر يبدو أنه كذلك، خصوصاً بعد أن جاء طاقم الحكام العرب الجدد مع بدايات السبعينيات. والحق، إن هذا الذي راح يظهر حقاً كذلك عبْر الخطوات التأييدية التخليدية الجديدة التي تكرسها سلطات أمنية، أنتج حالة من الوعي الزائف واللاتاريخي في حياة الشعوب العربية، مفاده أن أولئك القابعين في الذّرى العليا، سيبقون هناك إلى الأبد، وسيدخلون رحاب الخلود.

ومن الطريف أن الشعوب العربية ومنهم المُعبِّرون عن ضمائرها وعقولها، خصوصاً من مثقفي الطبقة الوسطى، استقطبوا ما يمكن أن يرتفع إلى مستوى الاكتشاف في حقل العلوم الاجتماعية والسياسية، حين وضعوا الأمر في موضعه المناسب، وقالوا: إن الحكام العرب لا يغادرون كراسيهم إلا بإحدى الطرق التالية: الموت لانتهاء quot;الأجلquot;، أو القتل شنقاً بعد محاكمتهم على تاريخهم الدامي من قبل شعوبهم، أو الموت عن طريق انقلاب يقوم به اللاهُون من مقربيهم وراء السلطة والثروة والعابثون بالقانون في بلاد لا يحكمها القانون ولا الدستور.

ثورة مصر إنما هي quot;ثورة الغلاباquot;، الذين راحوا يفقدون كل شيء. ويمكن القول بأن هذا الذي حدث في مصر، وهز العالم العربي، راح ينتشر في العالم بمثابته quot;تسوناميquot; سيصدع الاستبداد بكل أنماطه، وخصوصاً في حقوله الأربعة الكبرى: السلطة والثروة والإعلام والمرجعية.

وبعودة سريعة إلى تاريخ التغيير العالمي، نلاحظ أن ثمة إشارات كبرى على ذلك الطريق، قد تكون ثورة مصر هذه أعظم إشارة باتجاه تغيير في العمق على امتداد عقود مديدة عالمياً. إنها تعبير هائل في دلالاته ومنطلق خصوصاً مِن أن مَن أنجح هذه الثورة إنما هو الشارع المصري، بكل ما يختزنه من رموز وطنية واجتماعية. أما المقولة بأن الشباب هم طاقة عظمى تظهر في المنعطفات التاريخية، فتتجلى ربما بأعظم وأروع صورة فيما أنجزه شباب مصر منذ ما يقترب من قرن من الزمان. والآن، يدور الزمان دورته، باعتبار ابن خلدون، فيأتي على كل ما تبقى من نُظم زادها ولحمتها استبداد استمد جبروته من أنه فاسد أبداً.