علي أحمد البغلي


في القرون الوسطى كان التعذيب يمارس بصورة منتظمة وقانونية ودينية! كان المتهم يعذب حتى يقر بالذنب، وكان التعذيب منهجيا ووحشيا، لا يستطيع حتى من اوتي قوة وبأسا ورباطة جأش ان يتحمله، فيظل منكرا التهمة حتى يصل التعذيب مداه، ولما لا يطاق، فيعترف، وفي كثير من الاحيان، بجريمة لم يرتكبها! فيوقع عليه القصاص بتقطيع الاطراف، او بالموت، الذي يكون حتما أرحم له من التعذيب، الكنيسة كانت تمارس التعذيب بالحرق، ولا نعني هنا الحرق الكامل للجسد مثلما فعلت كنيسة فرنسا مع البطلة جان دارك، لا، فالحرق المعني يوجه بحديدة محماة على اللسان! الذي سرعان ما تفوح رائحة الشواء منه، لكي يعرف او يتيقن زبانية الكنيسة من صدق المتهم او كذبه!
جاءت الدساتير والشرائع الحديثة لتحرم تلك الممارسة الوحشية، الممتهنة للانسانية، كرسها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي نص على تحريم المعاملة الممتهنة لانسانية الانسان، وتحريم التعذيب قولا واحدا، وتبنتها الدساتير، فحظرت المادة 2/34 من الدستور الكويتي laquo;ايذاء المتهم جسمانيا، ومعنوياraquo;، وهو نص اراهن انه موجود حتى في دساتير وقوانين اشد الدول قمعا في وطننا العربي، الذي يعتبر التعذيب في كثير من بلدانه ممارسة متعارفا عليها!
ونستشهد في ذلك بنظام صدام، شاهدنا اجساد شهدائنا الطاهرة، وقد تعرضت لشتى صنوف التعذيب، كما شاهدنا ادوات تعذيبه ــــ القروسطية ــــ مطعمة باساليب تعذيب النظم الفاشية، الشيوعية، منها كنظام المانيا الشرقية ورومانيا شاوشيسكو قبل زوالهما.
***
ذكرت هذه المقدمة الطويلة كلها بمناسبة صدور القرار الاتهامي ضد قتلة المرحوم محمد الميموني، حيث طالبت النيابة لبعضهم بعقوبة الاعدام التي نصت عليها المادة 53 من القانون 71 لسنة 1970 بتعديل بعض نصوص قانون الجزاء، وهي عقوبة ــــ اذا ما ثبتت الادانة ــــ مستحقة لكي يكون هؤلاء عبرة لمن يعتبر، فلا رحمة، ولا كرامة، لمن امتهن كرامة الانسان في الدول المتحضرة، جريمة التعذيب تعتبر سبة كبرى في جبين من ينسب اليه ارتكابها، ولا يستثنى من ذلك اكبر رأس، وسأضرب مثلا على ذلك، فرئيس الولايات المتحدة الاميركية يعتبر أكبر واقوى منصب في العالم، ويحلو للاميركان تلقيب من يتولى ذلك المنصب بــlaquo;the most powrfull man on Earthraquo; احد من شغل منصب اقوى شخص على الأرض، وهو الرئيس جورج دبليو بوش يلاحق الآن بتهمة التعذيب!
فمنذ حوالى عشرة ايام نشرت الصحافة في لندن خبرا عن الغاء بوش الابن رحلته المقررة الى سويسرا الشهر الجاري، وذلك وسط او بسبب دعوات وجهت للتظاهر ضده هناك، والاستعدادات القائمة لرفع دعوى قضائية في ذلك البلد المتحضر ضده بتهمة التورط بالامر بتعذيب ارهابيين مفترضين، وراء ملاحقة الرئيس الاميركي السابق كانت منظمات حقوقية، بينها مركز الحقوق الدستورية (مقره نيويورك)، ومنظمة العفو الدولية، التي أرسلت لممثلي الادعاء في سويسرا تحليلاً مفصلا وواقعياً وقانونياً حول المسؤولية الجنائية للرئيس بوش تجاه اعمال التعذيب التي يعتقد انه سمح بها في عهده.
فيا اخوان اذا كان صاحب اقوى منصب في العالم مهددا بالمحاكمة لانه امر بالتعذيب، فبالتالي لن يكون بعد اليوم هناك اي ملاذ آمن لكل جلاوزة التعذيب!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.