غسان شربل



في الشرق الأوسط لا يصدق الصحافي التصريحات الرسمية. ولا علاقة للأمر بسوء النية بل بالتجارب. وغالباً ما تكون التصريحات غير دقيقة إن لم نقل غير صحيحة. وهي تراوح بين مفردات خشبية لا تقول شيئاً وجراحات تجميلية غير ناجحة. ثم إن الغرض منها التستر على شيء لا كشف شيء، والتمويه لا التوضيح، والتضليل لا الإرشاد. وتشبه أحياناً محاولة رش السكر على الموت. والترويج لبضاعة كاسدة. ومحاولة تسويق أدوية انتهت صلاحيتها. وإيقاظ مفردات اهترأت لفرط ما استخدمت وانتهكت.

لنترك التصريحات جانباً. يسافر الصحافي بين عواصم الشرق الأوسط ولا يرى ما يجمع بينها إلا القلق. لا ابتسامات المسؤولين تنجح في تبديده، ولا الأرقام التي يسوّقها الوزراء. اقتحم القلق مكاتب المسؤولين ومقرات الحكومات، وتسلل بالتأكيد الى طاولة صاحب القرار. من الطبيعي أن يحاول المستشارون اعتراض هذا المتسلل. مهمة المستشار في هذا الجزء من العالم أن يقول للحاكم ما يحب سماعه. مهمته أن يمدحه ويطربه ويثبت له صحة نظرياته. وأن يرش الورد والعطر على أخطائه. وأن يوصي مدير التلفزيون بتقديمها في صورة إنجازات وإبداعات.

القلق طبيعي تماماً. منازل بنيت على عجل أو زغل ومن دون مراعاة شروط السلامة. ثم اكتشف سكانها فجأة أنهم يعيشون في عين العاصفة وعلى خط الزلازل. عقود كاملة ضاعت في السياسة والاقتصاد والتنمية والتعليم. تآكلت الأعمدة. وتشققت السقوف. وتداعت الجدران. وتدربت النوافذ على التواطؤ مع الرياح. لم تقم الدولة. ولا صيغة تشبهها. لا المؤسسات مؤسسات، ولا الأرقام صحيحة. إنها غابات ومناجم يستبيحها من كُلِّف حمايتها. يتقاعد فاسد ويسلم المقاليد لشره أشد فساداً. ويتقاعد ظالم فيجلس على كرسيه رجل أشد فظاظة.

العقود الضائعة ضاعفت عدد من يعيشون تحت خط الفقر أو على أطرافه. وعدد العاطلين من العمل. وعدد المحبطين والناقمين واليائسين والمهمّشين. وعدد الباحثين عن فرصة للثأر وتصفية الحسابات. وعدد الذين جربوا السجون وعادوا منها بكسور في العظام وجروح في الروح وأسنان أقل.

وخلال تلك العقود تحدثت وسائل الإعلام الرسمية عن خطط التنمية، ثم اكتشف المواطن أنها مجرد مادة إعلامية أو أن أرقامها مطبوخة في دائرة الاستخبارات تماماً كنتائج الانتخابات التي تصر الإذاعة على أنها كانت حرة. وتحدثت وسائل الإعلام عن التعددية التي يرفل فيها الشعب ثم اكتشف المواطن أن المطرب وحيد والوجبة إلزامية والزي موحد وأن الحساسين والكنارات باتت تكرر أقوال المذيع الرسمي وتصفق مثله.

يمكن قول الشيء نفسه عن الدستور. في العالم البعيد الذي نتهمه دائماً بالتآمر علينا، وهو يفعل أحياناً، يعتبر الدستور ضمانة للفصل بين السلطات وانتظام عمل المؤسسات وضمان حرية المواطن وكرامته. لكن الدستور يمكن أن يتحول عجينة مطواعة تلتف بنوده على عنق الشعب، وتصيبه باختناق دائم.

الجديد هو انكشاف الفضيحة. اهترأت ثياب التنكر وها هو الغسيل ينشر على الشاشات. حالة العري أثارت القلق والهلع، وحطمت جدار الخوف. هنا ثورة، وهناك تغيير، وهنا احتجاجات، وهناك حرب أهلية أو مشروع حرب أهلية. إننا نسدد فواتير العقود الضائعة. إننا في موسم تصفية الحسابات.