قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمود الريماوي

من المفارقات أن إيران بدت وتبدو أحد أكبر الخاسرين من التحولات التي تشهدها المنطقة العربية، منذ أواخر العام الماضي 2010 . لقد سعت طهران إلى استثمار التغيير في مصر في إقامة علاقة دبلوماسية مع القاهرة، وقد صدرت بالفعل تصريحات في العاصمة المصرية وعن وزارة الخارجية تجاه طهران ووصل مبعوثون إيرانيون إلى القاهرة، لكن هذه التطورات توقفت عند موقف رسمي مصري يرجئ أمر النظر في إقامة علاقات دبلوماسية إلى مجلس الشعب (البرلمان) الذي سيعاد انتخابه في نوفمبر/ تشرين الثاني، فيما نشرت وسائل إعلام مصرية نبأ القبض على ldquo;جاسوسrdquo; إيراني إلا أن هذه الأنباء لم تتأكد .

بهذا لم تنجح الجهود الإيرانية في تطبيع العلاقات مع أكبر دولة عربية، وتحميل النظام المصري السابق حصراً مسؤولية القطيعة السياسية بين البلدين . وبهذا لم يؤد تغيير النظام في مصر إلى بلوغ هذا الهدف . . وهو بطبيعة الحال هدف مشروع وواجب التحقيق، لكن تحقيقه يتطلب بيئة سياسية مناسبة تقوم على الحد الأدنى من الثقة المتبادلة . على أنه حدثت في المقابل درجة من التطبيع بين مرجعيات دينية إيرانية وقيادات الأزهر، في أول اتصال من نوعه بين الجانبين، وهو تطور إيجابي ومهم في باب التواصل بين المذاهب والطوائف الإسلامية ويستحق إتمامه، بروح توافقية ومنفتحة من الجانبين .

الثورة التونسية لم تضف الكثير إلى رصيد علاقات طهران بتونس . العلاقات بين طهران والحكم التونسي السابق لم تكن سيئة، إن لم تكن وثيقة . لم تتجدد العلاقات الثنائية بصورة ملموسة حتى تاريخه فيما يتم التركيز في تونس على الوضع الداخلي تركيزاً شبه تام .

على أن خسارة إيران الملحوظة بدت أكثر ما بدت في محيطها الإقليمي القريب، ومع مجلس التعاون الخليجي . لقد اتخذت طهران موقفاً غريباً إزاء الأوضاع التي عاشتها البحرين في الأشهر القليلة الماضية، إذ تحدثت بعبارات مثل ldquo;لن نقف مكتوفي الأيدي إزاء ما يجري في المنامةrdquo;، وهو ما اعتبرته دول المجلس بمنزلة تهديدات غير مقبولة وتدخلاً مستغرباً في أوضاع دولة مستقلة، بل إن المعارضة البحرينية نفسها، لحقها ضرر شديد من هذه المواقف وقد سعت هذه المعارضة إلى أن تنأى بنفسها عن هذه المواقف، وأبدت مواقف نقدية تجاه أصحاب هذه التصريحات، وها هي العلاقات بين طهران ودول مجلس التعاون في أدنى مستوياتها، وسوف يحتاج الأمر إلى جهود هائلة وإلى مراجعة جدية للمواقف من طرف طهران، كي تعود العلاقات إلى سابق عهدها مع الجوار الخليجي .

من الواضح أن المنظور الإيراني السياسي للعلاقات مع الخارج بما في ذلك مع المنطقة العربية، يتسم بتغليب المصالح الآنية والمباشرة، ولا يستقر على قاعدة ثابتة رغم النبرة الراديكالية العالية للخطاب المتداول . لقد تواردت أنباء عديدة عن دعم إيراني للعقيد القذافي في مواجهته لشعبه، وذلك لمجرد أن القذافي يرطن بعبارات ثورية، ولأهمية الموقع الليبي بجوار مصر وتونس ولما اتسمت به علاقة طرابلس الغرب بالرياض من توتر دائم .

مع اليمن فإن الانتفاضة اليمنية التي تشارك فيها سائر مكونات الشعب، لم تفسح مجالاً كبيراً لأحد بأن يلعب على النسيج الاجتماعي والفروق المذهبية، وانتفى وجود لاعبين من الخارج، وذلك مع تغليب الخيارات الوطنية الذاتية والانفتاح على مبادرات الأشقاء وليس غير ذلك .

كان بوسع طهران أن تنأى في الحد الأدنى بنفسها عن هذه التطورات، وأن تحترم الخيارات الداخلية الخاصة بكل البلدان، وأن تسعى بعدئذٍ لتطوير علاقاتها مع الجميع وضمان مصالحها، وهو ما فعلته تركيا التي حافظت على علاقاتها بالدول العربية بل قامت بتطويرها، كما أخذت علماً بمطالب الشعوب، وباتت تحظى أكثر فأكثر باحترام الرأي العام العربي، حتى لو كانت ثمة ملاحظة هنا أو هناك على أداء أنقرة . ومن الواضح أن ثمة تنافس إيراني تركي في المنطقة اشتدت وتيرته خلال العام الجاري، وقد كسبت أنقرة نقاطاً عديدة على طهران، ولم تتوان أنقرة عن الإعلان عن ضبطها شحنة أسلحة إيرانية تستخدم في قمع التظاهرات كانت مرسلة إلى دمشق، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في علاقات أنقرة بهذين البلدين .

في هذه الأثناء قامت طهران منذ العشرين من يوليو/ تموز الماضي وفي بحر أسبوع كامل، بقصف مواقع كردية في كردستان العراق، من دون أن يسبق ذلك وقوع أي اشتباكات من أي نوع ، كما يحدث في تركيا بين متمردين أكراد والجيش التركي، مما أساء لعلاقاتها مع الإقليم الكردي كما مع الحكومة المركزية في بغداد فضلاً عن الأقلية القومية الكردية في إيران .

ليس من مصلحة أحد من حيث المبدأ أن يعتري الجمود أو التوتر وسيادة الشكوك بين طهران والدول العربية مجتمعة ومنفردة . لكنه يصعب إقامة علاقات رسمية متطورة، فضلاً عن تطوير العلاقات بين الشعوب، حين يسود منطق تدخلي من طرف دولة ما، يضاف فيه إلى سلوك ينم عن نزعة إملائية تتجه إلى الدول والأنظمة وإلى الشعوب العربية سواءً بسواء، وهو منطق سبق أن اعتمده العقيد القذافي، فخسر علاقته بالدول والشعوب معاً .