قينان الغامدي


الذين صدقوا وروجوا وصفقوا لالتزام الرئيس السوري، المتجه إلى الرحيل، بشار الأسد للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بإيقاف العمليات العسكرية في المدن السورية المختلفة لابد أن يجيبوا ndash; ومعهم الرئيس الأسد ndash; عن سؤال يتعلق بالأربعة والستين ألف مجرم الذين أعلن الأسد في خطابه الثاني بعد اندلاع المظاهرات أنهم يجوبون المدن السورية ويشكلون عصابات إجرامية، وأن الجيش والأمن يقومون بمهمة تطهير البلاد منهم، السؤال ليس من أين جاء هؤلاء في دولة البوليس، فهذا سؤال طُرح كثيرا ولم يجب عليه أحد لا من النظام ولا من أبواقه في دمشق وبيروت وطهران، السؤال الآن يقول: التزام الأسد بإيقاف العمليات يعني بالضرورة أن الأربعة والستين ألف مجرم قد انتهوا، فهل تم قتلهم كلهم، أم قتل نصفهم ونصفهم أُعتقل، أم قُتل من قٌتل، وأُعتقل من أٌعتقل وفر من فر، أم إنهم تابوا وسلموا أنفسهم للنظام؟ حسنا، الأسد لم يلتزم بالتزامه لأمين عام الأمم المتحدة، فالقتل يزداد يوميا والاعتقال مستمر، والجيش والأمن والشبيحة مازالوا يتفننون في التنكيل بالسوريين في كل مدينة وقرية تخرج فيها مظاهرة سلمية، أو يُتوقع أن تخرج منها مظاهرة أو حتى تشييع جنازة، وليس مهما الآن تقييم صدق أو كذب الأسد في عدد المجرمين، أو في التزامه من عدمه بإيقاف القتل، فالسوريون كما هو واضح قد اتخذوا قرارهم برحيله، ولن تتمكن قوة مهما كانت أن تلغي قرارهم هذا، بل إن بعض السوريين الذين يجري تخويفهم باندلاع حرب أهلية بعد سقوط النظام يتخلصون من الجدل الذي يشعرون أن هدفه تثبيط هممهم بالقول: الحرب الأهلية أرحم من هذا النظام المجرم!! بمعنى أنه لا يوجد ما هو أسوأ من استمرار نظام البعث.
قلت قبل قليل لم يعد مهما كذب أو صدق بشار الأسد، فهو في الشوط الأخير ليصل حيث ألقت رحلها أم قشعم، ولكن الذين صدقوه وطبلوا وصفقوا له في الحالين حين أعلن عدد المجرمين، وحين أعلن التزامه بإيقاف العمليات ولم يفعل، هؤلاء من دمشق إلى بيروت إلى طهران إلى هنا وهناك مطلوب منهم تنويرنا حول ما يحدث، فإن قالوا إن الأسد لم يلتزم بإيقاف العمليات لأن العصابات الإجرامية عادت من جديد، فهم ملزمون بتوضيح من أين تتدفق هذه العصابات، وكيف أمكن لأربعة وستين ألف مجرم أن يتجولوا بحرية في بلد بوليسي يفتش رجال أمنه حتى الطيور. وإن قالوا إنه التزم وأن أخبار قتل المواطنين واعتقالهم أخبار مفبركة مكذوبة فليقولوا لنا كيف تم إنهاء الأربعة والستين ألف مجرم قتلا أو اعتقالا أو هربا أو توبة، فإن زعموا أن هذا تمحك لا ينتهي، فليطالبوا النظام السوري بأن يسمح للجان التفتيش والتثبت الدولية ووسائل الإعلام المختلفة بالدخول وممارسة أعمالها بحرية ليتبين للناس حقيقة الأمر.
المشكلة فيما يبدو أن ولوغ الأسد ونظامه في دماء الناس أعمى أبصارهم وبصائرهم ولم يعد يتيح لهم وقتا لمتابعة أخبار ليبيا، حتى يعرفوا المرحلة التي وصل إليها النظام المشابه لنظامهم في مدة الحكم المتقاربة، وفي الاستبداد والقمع والفساد، وفي اتباع الحل الأمني لمواجهة ثورة الشعب.
إنني لا أدري هل تقرؤون هذا المقال الآن والعقيد مازال في ثكناته في طرابلس أو غيرها داخل ليبيا، أم في المكان الذي هرب إليه، أم يكون قد ودعته الحياة أسوأ توديع. وسواء كان الأمر على هذا النحو أو ذاك، فهل تعتقدون أن بشار الأسد يتابع أخبار ليبيا ويسمع خطابات العقيد القذافي؟ هل تظنون أنه يقارن بين من وصفهم العقيد بالجرذان وبين من وصفهم هو بالجراثيم، وأيهما أشد فتكا بحكم كونه طبيبا ويعرف أخطار الاثنين؟ يا إلهي كم هي الأسئلة كثيرة ويتوالد بعضها من بعض، ولكن هل ينفع الآن بشار أن يتابع أو يقارن أو يتأمل؟ انتهى الدرس يا دكتور.