قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خيرالله خيرالله

كان الموقف العربي مما يدور في سورية واضحاً. أكّد مجلس جامعة الدول العربية الذي انعقد على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة أن لا سبيل لولوج أي حلّ أو تسوية من أي نوع قبل وقف حمام الدم.
استفاق العرب أخيراً على أن لا مجال لإصلاحات في سورية وأن المطلوب انقاذ الشعب السوري من جهة والحؤول دون تفتيت البلد من جهة أخرى. اكتشفوا أخيراً النظام السوري واكتشفوا في الوقت ذاته أن زيارة رفع العتب التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي لدمشق قبل انعقاد الاجتماع الوزاري لم تؤد إلى أي نتيجة ولم يسمع هناك سوى اللغة الخشبية ذاتها المطلوب من العرب ترديدها كي يثبتوا laquo;عروبتهمraquo;. كان على الأمين العام للجامعة الذهاب الى دمشق ففعل ذلك. ربما كان هناك جانب مفيد للزيارة يتمثل في أنه قام بها بهدف التأكد من استحالة اصلاح النظام السوري وأن كلّ كلام عن الإصلاح مضيعة للوقت ليس إلاّ.
تعود الاستحالة إلى سببين وجيهين على الأقلّ. السبب الأول مرتبط بالمعطيات العربية والإقليمية والدولية والآخر بتطور النظام نفسه وتحوله إلى شركة ذات طابع عائلي تدير البلد بكل مرافقه. يتوزع أفراد من العائلة، يشكلون مجلس الإدارة في الشركة، المسؤوليات في ما بينهم. هناك حتى من يهتم بالعلاقات العامة وهناك بالطبع رئيس لمجلس الإدارة هو الرئيس بشّار الأسد المشرف العام على الشركة وهناك مساعدون له ولأعضاء مجلس الإدارة لا أكثر.
تولّى الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة، كل السلطة، في السادس عشر من نوفمبر من العام 1970 بعد تنفيذه ما يسمّى laquo;الحركة التصحيحيةraquo;. تردد في البداية قليلاً في شغل موقع رئيس الدولة، لكنه ما لبث أن فعل ذلك وأصبح أوّل علوي رئيساً للجمهورية العربية السورية. بقي الزعيم الأوحد لسورية أقل بقليل من ثلاثة عقود قبل أن يخلفه نجله الدكتور بشّار ولكن بعدما تحوّل النظام إلى شبكة من المصالح العائلية أوّلاً وأخيراً تقوم على مجموعة من الأجهزة الأمنية المرتبطة بمجلس الإدارة في الشركة.
استطاع حافظ الأسد اللعب على كل التناقضات العربية والدولية مستفيداً من الحرب الباردة والتنافس الأميركي- السوفياتي على مواقع النفوذ في الشرق الأوسط. كان همّه الأول والأخير تحويل سورية لاعباً إقليمياً بعدما حسم الصراع داخل سورية نفسها. لم يأبه يوماً بالمشاكل الداخلية لسورية ولم يسع يوماً إلى إيجاد حلول لها. لم يكن يدرك أهمية مستوى البرامج التعليمية ولا أهمية القاعدة الاقتصادية القوية ولا خطورة النمو السكاني في البلدان الفقيرة ولا معنى غزو القرية للمدينة. باختصار شديد، لم يدرك يوماً أهمية الانسان السوري. وظف دائماً الحاجة العربية إليه ليكون عنصر توازن مع ما كان يسمّى laquo;البعث العراقيraquo; الذي راح يسيطر عليه تدريجياً صدّام حسين، رجل كل الحماقات والقرارات المتسرعة والخاطئة.
ارتدى العداء بين صدّام والأسد الأب طابعاً شخصياً. عملياً لم يكن هناك ما يميّز بين نهجي النظامين اللذين كانا يتكلان قبل أي شيء آخر على الأجهزة الأمنية. بلغ التشابه بين النظامين، خصوصاً بعد خلافة صدّام لأحمد حسن البكر في الرئاسة في العام 1979 ان كلا منهما راح يتجه أكثر فأكثر إلى العائلية. وفي مرحلة معينة، اصبح التخلص من الاخوة ضرورة تصب في مصلحة الأولاد. وهكذا طار رفعت الاسد لمصلحة باسل حافظ الاسد وارسل صدّام اخاه برزان التكريتي وشقيقيه سبعاوي ووطبان إلى بيوتهم لمصلحة نجليه عديّ وقصيّ. قبل ذلك، اتّكل صدّام، في ما يشبه المرحلة الانتقالية، على صهره حسين كامل المتزوج من ابنته البكر وعلى ابن عمّه علي حسن المجيد كي يكرّس إبعاد برزان وشقيقيه عن مواقع القرار تمهيداً لتوريث عديّ أو قصيّ في الوقت المناسب... الذي لم يأت ابداً.
اتقن حافظ الأسد اللعبة الاقليمية. استعان، حليف الاتحاد السوفياتي، بالاميركيين لدخول لبنان عسكرياً بـlaquo;ضوء أخضر إسرائيليraquo; بحجة الحاجة إلى laquo;وضع اليد على قوات منظمة التحرير الفلسطينيةraquo;. قبل بما يسمّى laquo;الخطوط الحمر الإسرائيليةraquo; التي امنت بقاء المسلحين الفلسطينيين في جنوب لبنان، حتى العام 1982، وأغلق جبهة الجولان واقام علاقات متميّزة مع النظام الثوري الجديد في طهران ابتداء من العام 1979. فكّر حتى بأهمية إيجاد توازن مع العرب الآخرين عن طريق المحافظة على العلاقة بين دمشق وطهران وتعميقها كي لا يكون تحت رحمة الدول العربية الخليجية في اي وقت. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير أيضاً العلاقة المتميزة التي ربطت باستمرار بين النظام السوري ونظام العقيد معمّر القذافي.
توّج حافظ الأسد اتقانه للعبة الإقليمية والدولية بانضمامه إلى التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، الذي أخرج صدّام حسين من الكويت. مكنه ذلك من البقاء عسكرياً وأمنياً في لبنان. لكن كل العبقرية التي امتلكها الرئيس السوري الراحل الذي لم يتردد يوما في إلغاء خصومه، متى شعر بالحاجة الى ذلك، توقفت عند خطأ التوريث. لم يأخذ علما في الأعوام الخمسة الاخيرة من حياته، خصوصا بعد فقدانه نجله الاكبر باسل في حادث سيارة، بأن المنطقة تغيّرت وان سورية التي حكمها وحيدا منذ العام 1970 لم تعد تنفع معها ومع مشاكلها الهروب المستمر الى خارج الحدود. لبنان نفسه صار مع الوقت ورقة ايرانية أكثر مما هو ورقة سورية. اما الخليج، فلم يعد يخجل من ان يطرح على حاكم سورية سؤالا صريحا في شأن العلاقة المريبة القائمة بين دمشق وطهران، خصوصاً في ضوء التغلغل الايراني في العراق.
بين التغيرات التي شهدتها المنطقة والعالم والتحولات داخل النظام السوري، لم يعد في العام 2011 معنى لأي إصلاحات. الاصلاحات صارت تعني فقط البحث عن خروج من السلطة والانتقال إلى مؤسسات الدولة بديلا من مجلس الادارة ذي الطبع العائلي. هل سمع أحدنا باصلاحات انقذت اي نظام في اوروبا الشرقية. هل تختلف سورية اليوم في شيء عن دولة من دول اوروبا الشرقية في مرحلة ما قبل سقوط جدار برلين؟
سقط جدار برلين وانتصرت برلين الغربية على برلين الشرقية. هذا ما يقوله التاريخ الحديث الذي عمره اثنان وعشرون عاما!