قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد يوسف أحمد

أثناء كلمة رئيس الوزراء اليمني محمد باسندوة أمام مجلس النواب التي دعاهم فيها إلى الموافقة على قانون quot;حصانة الرئيسquot; باعتباره quot;في مصلحة اليمنquot; أجهش الرجل بالبكاء. ومحمد باسندوة لمن لا يعرفه مناضل يمني صلب وأصيل يكاد يحظى بتوافق وطني عام على شخصه، بدليل تكليفه بمهمته الصعبة الحالية وهي رئاسة الوزارة في هذه المرحلة الانتقالية، مع تكبيله بحكومة نصفها من أنصار الرئيس علي عبدالله صالح، ولا يدري المرء حقيقة هل كان هذا الرجل الأمين يبكي لاضطراره ليس فقط إلى الموافقة على القانون بل ودعوة النواب إلى هذه الموافقة مضيّعاً بذلك حقوق عشرات الآلاف من اليمنيين الذين استشهدوا أو أصيبوا أو دُمِرَت ممتلكاتهم في إطار مقاومة صالح ونظامه للثورة؟ أم كان يبكى فرحاً لأن اليمن بدأ يضع قدميه على بداية طريق الاستقرار؟

اختلفت عملية محاسبة الرؤساء المخلوعين في ثورات الربيع العربي. في تونس سارع بن علي بالهروب، فلم يدع مجالاً لنظام الثورة سوى أن يحاكمه غيابيّاً، أي أنه بلغة السياسة قد أفلت بأفعاله طيلة ما يقرب من ربع قرن. وفي مصر كان رئيسها المخلوع رابط الجأش بحيث إنه رفض فكرة مغادرة مصر إلى ملاذ آمن، وكان يحكمه منطق أنه لم يخطئ أو يجرم في شيء حتى يغادر وطنه، ومن هنا أمكن إجراء محاكمة قضائية -من المؤكد أنه لم يتوقعها- تتباين بشأنها اتجاهات الرأي العام المصري بين أكثرية لا ترى سوى الإعدام مصيراً له وأقلية ترى ضرورة براءته. أما القذافي فقد لقي حتفه على نحو شديد القسوة بيد الثوار، وعلى رغم الاستهجان الواسع لهذه النهاية فقد كانت تنطبق عليها للأسف فكرة أن الجزاء يكون من جنس العمل، ولا أحد يستطيع أن يجزم حتى الآن بالكيفية التي ستأتي بها نهاية الرئيس السوري، ولكن الرئيس اليمني انفرد بالإفلات الكامل من العقاب.

لم تنته الثورة اليمنية بالانتصار على النحو الذي انتهت إليه ثورات تونس ومصر وليبيا، ولكنها آلت إلى نوع من التسوية السياسية يتقاسم فيها القديم والجديد السلطة ولو إلى حين، وكان جزءاً من هذه التسوية أن يفلت الرئيس اليمني وأعوانه بما فعلوه بالثوار، ولذلك قدِّمَ إلى مجلس النواب اليمني مشروع قانون يمنح علي صالح ومن عمل معه في جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية خلال فترة حكمه حصانة من الملاحقة القانونية والقضائية، على أن يعتبر القانون من أعمال السيادة، ولا يجوز إلغاؤه أو الطعن فيه. صياغة لا يمكن تصديقها. وليتصور القارئ الكريم أن حاكماً قد استمر حكمه ثلث قرن بالتمام والكمال استعان خلاله بعشرات الألوف من كبار المسؤولين وصغارهم سيفلت هو وهم من أي عقاب بداية. وبعبارة أخرى علينا أن نقبل أنه خلال ثلث قرن لم يحدث أي انتهاك لحقوق الإنسان أو أي عمل من أعمال الفساد وما إلى هذا، وهو شيء لا يمكن تصديقه ناهيك عن قبوله.

ولذلك خُفِفَت هذه الصيغة العجيبة إلى صيغة تنص على انفراد الرئيس بالحصانة التامة على أن تنطبق الحصانة من الملاحقة الجنائية على المسؤولين الذين عملوا معه في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية فيما يتصل بأعمال ذات دوافع سياسية قاموا بها أثناء أدائهم مهامهم الرسمية، على ألا ينطبق ذلك على أعمال الإرهاب، مع إلزام حكومة الوفاق الوطني بتقديم مشروع بقانون أو مشاريع بقوانين إلى البرلمان حول المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، واتخاذ التدابير اللازمة لعدم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان، مع بقاء النص على اعتبار القانون من أعمال السيادة لا يجوز إلغاؤه أو الطعن فيه. وتلك صيغة أفضل نسبيّاً من المشروع الأصلي، ولكن علامات استفهام كثيرة تبقى قائمة بشأنها.

وما يريب أكثر أن نفراً من أعوان صالح علقوا على القانون بأنه يمثل مخرجاً لرموز المعارضة الذين عملوا بالأمس معه، وكأنهم كانوا يتصرفون من تلقاء أنفسهم، وليس في إطار سياسات يضعها صالح ويبدل الأفراد من أجل تنفيذها، وكذلك علق أعوانه بأن صالحاً لم يكن بحاجة للقانون أصلاً لأن منصبه سياسي، وهو لا يحاكم على قرارات سياسية، ولو كان الأمر كذلك لوجبت محاسبة بوش الابن على ما حدث في العراق، وحسناً فعلوا بأن شبَّهوا أفعال رئيسهم بجرائم بوش الابن في العراق. والأعجب من هذا هو القول بأن quot;قانون الحصانة له قوة القانون الدولي، لأنه ورد في اتفاقية دولية، ومدعوم بالشرعية الدولية ممثلة بقرار مجلس الأمن الدوليquot;. ولا يدري المرء إذا كان صالح بعيداً عن فكرة الحساب أصلاً وأعوانه من الطهر بحيث لا يخشى القانون سوى رموز المعارضة الذين عملوا يوماً ما مع الرئيس، فلماذا هذا الإصرار على أن القانون محصن على هذا النحو؟ ما يخيف أن هذا يعني أنه طالما بقي لمؤيدي صالح نفوذ ما في آلة الحكم فإن أشياء سيئة كثيرة ستستمر.

قد يظن البعض أن هذا هو طريق استقرار اليمن، وهو ظن مشكوك فيه إلى حد بعيد، ذلك أن كافة هذه الإجراءات قد تمت بعيداً عن مفجري الثورة الذين حملوها شهوراً طويلة على أكتافهم حتى باتت حقيقة يُحسب حسابها في الواقع اليمني، وهؤلاء لا يمكنهم أن يقبلوا بهذا الوضع الذي لا ينطبق على رئيس سيغادرهم بكل تأكيد فحسب ولكنه سينطبق على عشرات الآلاف من أعوانه الذين شاركوه عبر ثلث قرن في أفعاله انتهاءً بقتل الثوار وإصابتهم وتدمير الممتلكات وقصف المناطق المعارضة لحكمه بالطائرات، ولذا فإن هذا القانون سيكون قنبلة زمنية في بناء اليمن الجديد، لأن القوانين الجائرة لا يمكن أن تدوم، حتى وإن كُيِفَت على أنها quot;عمل من أعمال السيادة لا يجوز إلغاؤه أو الطعن فيهquot;، ولو كان الأمر غير ذلك لدامت التسويات المجحفة عبر الزمن.

ولذلك كله فإن القصة لم تتم فصولاً بعد في اليمن. ويقدر المرء أن من يقفون خلف هذه التطورات لم يكونوا يقصدون سوى تحقيق استقرار هذا البلد الحساس، ولكن الإبل لا تورد هكذا، وستبقى محاسبة النظام القديم بكل رموزه هدفاً ذا أولوية بالنسبة للثوار، الأمر الذي يعني أن اليمن ليس مقبلاً على الاستقرار الذي يتصور البعض أنه من الممكن أن يأتي على هذا النحو. ويزيد من خطورة هذه المسألة أن تحديات هائلة تواجه بناء اليمن الجديد كإعادة تكييف وضع القوات المسلحة بحيث تصبح قوات وطن لا فرد، ومواجهة تحدي الانفصال الذي ترفع عناصر مؤثرة في quot;الحراك الجنوبيquot; راياته صراحة، والذي يهدد بأن يجعل من اليمن سوداناً ثانيّاً ليس فقط بمعنى الانفصال وإنما بمعنى تدهور العلاقات بين شماله وجنوبه إن نجحت الدعوة الانفصالية، ناهيك عن خطر تنظيم quot;القاعدةquot;، وتجدد الحرب مع الحوثيين الذين تدافع عنهم إيران وتدعمهم، وأخيراً وليس آخراً تحدي إعمار اليمن الذي خربته يد الفساد طويلاً وفي شهور الثورة بصفة خاصة.

يتمنى المرء لو أن التحليل السابق كان مخطئاً أو بغير أساس، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتجاهل خبرة التاريخ وإرادة الشعوب.