فيصل جلول

تفصح الأزمة في شمال مالي عن انبثاق قاعدة جديدة في التصدي لأزمات تنطوي على مخاطر إقليمية ودولية، ويرجح أن تكون هذه القاعدة جزءاً لا يتجزأ من نظام عالمي جديد يتشكل تدريجياً على أنقاض نظام القطب الأوحد . وقبل التطرق المباشر لهذه القاعدة المفترضة في حل النزاعات الإقليمية لا بد من الإشارة إلى جوهر الأزمة في شمال مالي وتداعياتها المختلفة .

معروف إن انقلاباً عسكرياً غريب الأطوار وقع في هذا البلد قبل أسابيع من استحقاق رئاسي قال فيه الرئيس تراوري إنه لا يريد البقاء في السلطة وإنه سيسلمها لمن يختاره الشعب عبر الاقتراع العام . ومعروف أيضاً إن الانقلابيين ينتمون إلى قواعد الجيش وليس إلى رتبه العليا، إذ لم يؤيد جنرالاً واحداً هذا الانقلاب، أما قائده فهو برتبة عقيد ما يعني أن قاعدة الجيش هي التي انقلبت على السلطة السياسية وعلى قيادة الجيش وضباطه الكبار في الآن معاً .

ويلاحظ إن الانقلاب تزامن مع إخفاق الجيش في قتال المتمردين الطوارق وتنظيم القاعدة في شمال مالي، وتسري شائعات قوية في باماكو حول تواطؤ الضباط الكبار مع زعماء الطوارق بسبب علاقات القرابة أو بفعل الرشوة، فيما بعضهم الآخر كان يسرق الاعتمادات المخصصة لشراء الذخائر والمعدات القتالية، الأمر الذي حمل زوجات الجنود المقاتلين في الشمال على التظاهر في العاصمة في الربيع الماضي كي يزود الجيش أزواجهن بالذخائر والتموين، علماً ان الراتب الشهري للجندي لا يتعدى ال 75 دولاراً وإن الرواتب لا تدفع دائماً في مواقيتها وهو أمر سيىء للغاية لجندي يطلب منه أن يعرض حياته للخطر في حرب الشمال .

ما من شك في إن اضطراب النظام السياسي في مالي، قد صب الماء في طاحونة متمردي الشمال وتنظيم القاعدة، فكان أن احتلوا مواقع ومدناً جديدة وباشروا بتطبيق الشريعة الإسلامية حتى صار شمال مالي جديراً بصفة raquo;ماليستانlaquo; التي تطلقها الصحافة الغربية على هذه المنطقة، علماً أن الطوارق الذين ينتمون إلى حركة تحرير الازواد في قسم منهم وإلى حركة انصار الدين في قسم آخر قد استفادوا إلى حد بعيد من علاقاتهم السابقة مع العقيد الراحل معمر القذافي الذي يعتقد أنه زودهم قبل رحيله بأسلحة متطورة كانت حاسمة في انتصاراتهم المتكررة على الجيش الشرعي . ولعل تعاظم قوة الطوارق وبخاصة raquo;أنصار الدينlaquo; ومعهم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي قد تزامن بدوره مع الهجوم على القنصلية الامريكية في بنغازي، ومقتل السفير الأمريكي، الأمر الذي ربما يوحي بعدوى ظاهرة raquo;ماليستانlaquo; التي يمكن أن تغري جهاديين في ليبيا وتونس وموريتانيا وبلدان أخرى في غرب إفريقيا .

والواضح إن دخول الولايات المتحدة بقوة على خط الأزمة المالية جاء بعد مقتل السفير الأمريكي، وربما لاعتقاد واشنطن أن مالي باتت اليوم أشبه بأفغانستان عشية التحالف التاريخي بين الملا عمر وأسامة بن لادن ففي تلك الفترة كان النظام الأفغاني مفككاً والفساد يستهلك موارد البلاد الأساسية والفوضى تعم أرجاءها تماما كما هي الحال في مالي اليوم حيث النظام مضطرب للغاية والفساد يطيح بالجيش رمز الدولة الأقوى والفوضى تنتشر في كل النواحي .

الثابت أن الأزمة الافغانية استولدت 11 سبتمبر عام 2001 ويخشى الغربيون الذين بذلوا أموالاً طائلة في حرب أفغانستان من أجل تفكيك هذه الأزمة وإعادة بناء النظام الأفغاني على أسس من الصداقة والتعاون مع الغرب يخشون من أن تتطور ظاهرة raquo;ماليستانlaquo; فتشكل خطراً على مصالح إقليمية وغربية مهمة، لذا يسعون إلى استئصالها في المهد لكن وفق قاعدة عمل جديدة قد تعتمد في حل نزاعات أخرى مشابهة، وتقضي هذه القاعدة بتوظيف التكنولوجيا الغربية المتقدمة والقوى العسكرية البرية في غرب إفريقيا، وتوفير التغطية الشرعية من المؤسسات الدولية لعمل عسكري إقليمي يطيح بدولة raquo;ماليستانlaquo; .

والراهن إن هذا التوجه الجديد في معالجة أزمة مستعصية يحتاج إلى تفاهم مع محور إقليمي كبير هو الجزائر . فالوزن العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لهذا البلد يجعله ممراً اجبارياً لأي عمل عسكري اقليمي في مالي، ومعروف أن الجزائر رفضت المشاركة في القوة العسكرية الإقليمية وترفض وجود قوات أجنبية غربية على الأرض، لكنها قد تسهم في تزويد المهاجمين بمعلومات مهمة عن قادة القاعدة في بلاد المغرب العربي الذين جاؤوا من الحركة السلفية الجزائرية للدعوة والقتال التي خلفت الجماعة الإسلامية المسلحة في عشرية الجزائر السوداء . ويسود اعتقاد أن الرئيس بوتفليقة قد حصل على تعهد أمريكي صريح بمعالجة مشكلة الطوارق في جنوب مالي بطريقة سياسية وتلبية مطالبهم المحقة وحصر الحل العسكري بالقاعدة والجهاديين . تبقى الإشارة إلى أن الحدود الجزائرية المالية تمتد على ألفي كلم، وبالتالي من الصعب على الجزائريين مراقبة هذه الحدود وضبطها من دون الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع الطوارق الذين يعتبرون بكل المقاييس أسياد الصحراء المالية .

لقد بات واضحاً أن نظام القوة الأوحد في العالم ما عاد قادراً على حل النزاعات وحماية المصالح بوسائل الغربيين الخاصة، وبالتالي لابد من استبداله بنظام دولي مختلف سيكون تعددياً بالضرورة تحتل فيه قوى إقليمية أدواراً أساسية .

إن خروج الولايات المتحدة من حرب العراق بمساعدة إقليمية إيرانية وخروجها من افغانستان بمساعدة إقليمية أفغانية وإيرانية وروسية، ولجوئها إلى الجزائر لتغطية الحرب على raquo;ماليستانlaquo; هو بمثابة اقرار بموازين قوى جديدة، أي بخروج تدريجي من النظام الدولي القديم الذي كان يتيح لواشنطن خوض حربين في أقل من عشر سنوات في أفغانستان والعراق لحل مشكلتين تنطويان على مخاطر إقليمية ودولية، ولعل الاخفاق في الحربين قد فتح الباب واسعاً أمام نظام دولي جديد برؤوس إقليمية متعددة .